هل “سلّمت” إيران برنامجها النّوويّ؟

مدة القراءة 6 د

تدافعت الأخبار فجأة لتكشف عن “بركة” أفضت إلى توقّف طبول الحرب عن قرع ما صمّ آذان المنطقة. أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بنفسه أنّ إيران تريد التفاوض، وأنّها جدّية في ذلك، وأنّه يعوّل خلال مهلة “تعرفها طهران” للتوصّل إلى اتّفاق. لاحقاً خرج سبق صحافيّ ليؤكّد أنّ لقاء سيجمع وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي والمبعوث الأميركيّ ستيف ويتكوف في إسطنبول يوم الجمعة المقبل. ما الذي حصل؟ هل انتهت فعلاً حرب ترامب الموعودة ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة؟

 

في المعطيات أنّ إيران تلقّت معلومات متقاطعة من كلّ العواصم المعنيّة بأنّ قراراً قد اتُّخذ، وأنّ القصف سيكون موجعاً أيّاً كان شكل الهجمات ومدّتها، وأنّ الإدارة في واشنطن تناقش لأوّل مرّة إسقاط النظام في طهران. لم تُظهر الولايات المتّحدة أيّ تحضيرات ذات صدقيّة لذلك، كتلك التي أظهرتها سابقاً لإسقاط أنظمة أفغانستان والعراق، لكنّ مراجع دبلوماسيّة استنتجت أنّ الطبيعة المتوقّعة للهجمات الأميركيّة ترتقي في كثافة نيرانها المعدّة إلى مستوى تهديد وجود نظام طهران وبقائه.

استطلعت طهران أجواء موسكو وبكين، ومعطيات إسلام آباد وأنقرة والقاهرة والدوحة ومسقط والرياض. أجمعت كلّها على أنّ الأمر جلل، وأنّ ترامب يحتاج إلى نصر يحقّقه، وكلّها نصحت إيران بتقديم تنازلات حتّى لو كانت موجعة. بدا وزير الخارجيّة الفرنسيّ جان نويل بارو في الطلب من إيران الاستجابة لشروط واشنطن داخل اتّفاق جديد، وكأنّه يبعث باسم الإدارة في واشنطن رسالة إنذار أوروبيّة تؤكّد أنّ الضربة مقبلة.

ماذا قدّمت إيران من تنازلات؟

لم يخرج ترامب للتبشير باحتمالات الاتّفاقات إلّا بناء على تعهّدات إيرانيّة ترقى إلى مستوى القرار. لم تكشف المنابر الرسميّة الإيرانيّة عن طبيعة التنازلات التي أغرت الرئيس الأميركيّ، لكنّ تسريبات، وبعضها إيرانيّ الأجواء، أفادت بأنّ إيران مستعدّة لوقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران، وحتّى تسليم مخزون من أكثر من 400 كلغ من اليورانيوم العالي التخصيب إلى بلد ثالث، تماماً وفق ما تشترط الولايات المتّحدة.

استفادت طهران من يقينها أنّ حرب ترامب الحاليّة ليست حرب إطاحة كتلك التي أزالت أنظمة بلدان مثل العراق وأفغانستان وليبيا وصربيا

بدت طهران مستعجلة على بدء المفاوضات من آخرها. بدت مضطرّة إلى حرق المراحل وتجنّب ماراثون الجلسات وغموض مداولتها والإعلان بشكل شبه رسميّ من خلال تسريبات موثوقة أنّها جاهزة لـ”تسليم” البرنامج النوويّ، أو بشكل أدقّ التخلّي عن أيّ شبهات في تحوّل ما هو سلميّ مدنيّ في برنامجها إلى هدف عسكريّ يعمل على صناعة قنبلة نوويّة.

إيران

في تلك التسريبات شيء يمكن أن تُفهم وجاهته ممّا هو معلن رسميّاً. ردّدت الواجهات الرسميّة في طهران الاستعداد لتقديم مرونة عالية تطمئن المجتمع الدوليّ بشأن البرنامج النوويّ، بما في ذلك الخيار الصفريّ لتخصيب اليورانيوم. بالمقابل تسرّب طهران أنّها لن تفعل ذلك إلّا بعد ابتعاد الأصول العسكريّة من إيران، وهو أمر على الرغم من شعبويّته من التدابير الآليّة لأيّ اتّفاق جديد. لكنّ ما يهمّ إيران وما برحت تردّده أنّها لن تقبل أيّ مفاوضات تتعلّق بأيّ ملفّ آخر.

أين الأذرع؟

كانت التقارير قد أشارت إلى أنّ واشنطن لم تعُد تقبل بالاكتفاء بمفاوضات تنحصر بالبرنامج النوويّ، وأنّها تشترط اتّفاقات أوسع وأكثر شمولاً تمسّ طبيعة برنامج الصواريخ البالستيّة وعلاقة طهران بأذرعها في المنطقة. بدت طهران غير معنيّة بتلك الأذرع، وغير مكترثة لمصيرها، وغير متمسّكة بمنع البحث في ملفّها بعدما بات مكشوفاً وعملت الهجمات الأميركيّة والإسرائيليّة على الفتك به. غير أنّ إيران لم تبدِ، في ما هو معلن وما تجاهر برفضه، أيّ مرونة تمسّ برنامجها للصواريخ البالستيّة الذي تعتبره جوهر أمنها الاستراتيجيّ، خصوصاً بعد “دفن” قنبلتها النوويّة الموعودة.

يكرّر الرئيس الأميركيّ لازمة منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ، ويعمل على فرض اتّفاق جديد

يكرّر الرئيس الأميركيّ لازمة منع إيران من امتلاك سلاح نوويّ، ويعمل على فرض اتّفاق جديد بدل ذلك الذي يصفه بـ”أسوأ اتّفاق في التاريخ” قاصداً الاتّفاق الذي أبرمه الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015. لم يُسجَّل في تصريحات ترامب اهتمامه بغير الملفّ النوويّ وإن تناولتها تسريبات المصادر الأميركيّة والإسرائيليّة وطلبات شبه رسميّة صدرت عن عواصم أوروبيّة باتت تعتبر أنّ الصواريخ خطر مباشر، بحكم الجغرافيا، على الأمن الأوروبيّ.

مخاوف إسرائيل

تخشى إسرائيل صفقة يرضى بها ترامب ويعتبرها نصراً له. تسلِّم طهران الرئيس الأميركيّ مفتاح برنامجها النوويّ على أن يقفل أيّ جدل بشأن ملفّات أخرى لم يأتِ على ذكرها، ولم يعتبرها من الأهداف التي يسعى إلى تحقيقها. تخشى أن ترفع واشنطن العقوبات الموجعة عن إيران بما يسمح لطهران أن تشتري الوقت وتنحني أمام لحظة غضب أميركيّة لم تعرف طهران مثيلاً لها منذ قيام الجمهوريّة  الإسلاميّة عام 1979.

استفادت إيران من بيئة إقليميّة غير حاضنة لحرب ترامب. تقاطعت كلّ العواصم على إعلان رفضها استخدام أراضيها منطلقاً لشنّ هجمات على إيران. تواصلت العواصم مع واشنطن وطهران لنقل الرسائل وتدبير الصيَغ التي من شأنها منع حرب جديدة في الشرق الأوسط.

في المعطيات أنّ إيران تلقّت معلومات متقاطعة من كلّ العواصم المعنيّة بأنّ قراراً قد اتُّخذ

استفادت طهران من يقينها أنّ حرب ترامب الحاليّة ليست حرب إطاحة كتلك التي أزالت أنظمة بلدان مثل العراق وأفغانستان وليبيا وصربيا. استفادت من إدراكها أنّ أمام ترامب استحقاق الانتخابات النصفيّة في الخريف المقبل التي تردعه عن خوض حرب شاملة طويلة الأمد موجعة التأثير على صناديق الاقتراع. لكنّها أدركت في الوقت عينه أنّ رجل البيت الأبيض يحتاج إلى نصر، وأنّ أميركا تدّخر قوّتها الجبّارة لفرض واقع جديد.

المنطقة في حالة حرب توقّفت لهدنة محدّدة لاستطلاع حلّ دبلوماسيّ. تُعدّ كثافة الاتّصالات والزيارات العسكريّة بين واشنطن وتل أبيب العُدّة لحرب حقيقيّة وليس الأمر تهويلاً تكتيكيّاً فقط. لن تعود “أرمادا” ترامب أدراجها من دون أن يحقّق الرئيس الأميركيّ هدفاً يتفاخر به في واشنطن.

إقرأ أيضاً: إيران أضعف والمطالب أشدّ

غير أنّ سعي طهران للرجوع عن حافة الهاوية قد لا يمنع عنها الهاوية نفسها، ذلك أنّ “اللحظة الإسرائيليّة” الجشعة تعِد بمنطقة من دون ثورة طهران ومحورها، فيما طموح ترامب إلى تحقيق سلم لم تعرفه المنطقة “منذ 3 آلاف عام”، وفق ما يردّد، يحتاج إلى غياب عامل بات خارج سياق العصر وموازين قواه. تتأمّل طهران بذعر ورطة وجوديّة لم تعد تملك مفاتيحها.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mohamadkawas

مواضيع ذات صلة

المالكي رئيساً: تحقيراً لما كان عراقاً وبات مجرد “خرابة”!

بعد “طلقٍ” غير شرعي لـ”داية” غير مجهولة الهوية، كما جرى تسريب مُغفل التوقيع، خرج علينا “الإطار التنسيقي” بمرشحه لرئاسة حكومة الفصائل الولائية، مبشّراً بعودة صاحب…

من دولة بلا حدود… إلى حدود في دولة

جاء نشوء الدولة في لبنان في سياق تحوّلات ما بعد الحرب العالميّة الأولى وتفكّك السلطنة العثمانيّة. وساهمت التحوّلات في نشوء دول أخرى في المنطقة، منها…

إيران أضعف والمطالب أشدّ

بعد التهديدات التي أوحت أنّ الضربة الأميركيّة لإيران ستكون غداً، تأجّلت للمرّة الثانية أو الثالثة، ثمّ راحت الولايات المتّحدة تحشد بالبحر والجوّ من حول إيران…

“الحزب” من “فائض القوّة” إلى “أوهام” التّفاوض

كشف الالتحاق الكامل لـ”الحزب” بالعقيدة الإيرانيّة عمق الأسباب التي تحول دون تأقلمه مع المستجدّات التي أنتجتها الحرب الأخيرة. ثمّة تفسير آخر لاضطرار “الحزب” إلى إعلان…