شمال الليطاني تحت اختبار “عدم التعاون”

مدة القراءة 5 د

سيَستمع الاميركيون إلى مقاربة الحكومة اللبنانية، التي سينفذّها الجيش اللبناني، قبل أن تُطرح على طاولة مجلس الوزراء، من خلال لقاءات قائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشنطن. لكن القرار السياسي مُتّخذ سلفاً في بيروت، ويُسمع بوضوح خصوصاً على لسانيّ رئيسيّ الجمهورية والحكومة: خطة شمال الليطاني، وما بعده، ستنفّذ، ولا أحد بوارد الصدام مع الحزب.

 

نهاية كانون الأول الماضي، استبق أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم الإعلان الحكومي ببدء العمل شمال الليطاني بإطلاق عبارة: “لا تطلبوا منّا شيئاً بعد الآن”، مسلّماً بأن “نزع السلاح في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرّة وحالة الاحتلال، جوّاً وبرّاً وبحراً، جزء من مشروع الفتنة ضد المقاومة”.

لم يَحد الحزب عن هذا المسار، فيما الترتيبات مستمرّة بين بيروت وواشنطن لتركيز معالم مرحلة سحب “كل السلاح”، أو جعله خارج الخدمة، وهو خيار لا يزال محط نقاش دولي يُشجّع عليه الفرنسيون والمصريون، وبعض دول الخليج، فيما يُصنّف أميركياً “قابلاً للنقاش مع خارطة طريق تجعل تنفيذه محصّناً كفاية”، أمّا الإسرائيليون فيضعونه خارج حساباتهم.

جغرافياً تعتبر منطقة شمال الليطاني أكبر بقليل من مساحة جنوب الليطاني التي تقدّر بنحو850  كلم مربعاً

بما يُشبِه العودة إلى “ألف باء” اتفاق وقف الأعمال العدائية، تشير مصادر رسمية لـ “أساس” بأن “الحزب لا يستطيع إطلاقاً الانقلاب على توقيعه، وقبل الالتباس حول عبارة “في جنوب الليطاني أو بدءاً من جنوب الليطاني”، مع العلم أن الحكومة أقرّت النسخة الانكليزية التي تتحدث عن سحب السلاح بدءًا من جنوب الليطاني، فإن الاتفاق الذي وافق عليه الحزب، بكامل وعيه السياسي، تضمّن الآتي: “بعد مناقشات مع حكومتيّ جمهورية لبنان ودولة إسرائيل”، وهذه عبارة وافق عليها الحزب، وزد على ذلك عبارة “مع الاعترف بأن هذا القرار يدعو أيضاً إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن السابقة، بما في ذلك نزع سلاح جميع الجماعات المسلّحة في لبنان، بحيث تكون القوات المصرّح عنها فقط بحمل السلاح في لبنان، هي الجيش، قوى الأمن، الأمن العام، أمن الدولة، الجمارك والشرطة البلدية”.

تضيف المصادر: “حين يقول الحزب بأنّه لم يوقّع على هذا الاتفاق، أو نحن انقلبنا عليه وكنا نناور، عندها نصبح في مكان آخر تماماً. أما غير ذلك، فالحزب مُلزم بالتنفيذ، مع السعي الرئاسي والحكومي لدفع إسرائيل إلى الانسحاب تدريجاً”.

إلى هذا الحدّ يبدو الكباش قاسياً بين الطرفين. حتى أن ما يُقال في الغرف “الرسمية” المغلقة أبعد بكثير خصوصاً لجهة التأكيد بأن “الحزب بجناحه العسكري انتهى، وما يجري عملياً هو دفن السلاح، وهذا ما يدركه الحزب تماماً، لكنه يراهن على تغييرات إقليمية، خصوصاً لجهة المفاوضات الاميركية-الايرانية واستبعاد شبح الحرب ليبني على الشئ مقتضاه، كما أنّه ملزم بشدّ عصب جمهوره وبيئته عشية الانتخابات النيابية”.

تداعيات الرفض

لكن ماذا عن الترتيبات العسكرية التي ستحكم شمال الليطاني، في ظل تكثيف إسرائيل لاعتداءاتها وجرائمها، وما تداعيات “رفض الحزب التعاون”؟ يمكن في هذا السياق سرد المعطيات الآتية:

-ضمن سياق الإعلان الاميركي عن تواريخ انعقاد اجتماعات “الميكانيزم”، ضمن إطار التنسيق العسكري، وأولّها في 25 شباط بعد نحو أسبوعين من تقديم الجيش خطته لمرحلة شمال الليطاني، هناك التباس حقيقي حول دور اليونفيل، أحد أركان “الميكانيزم”، كون نطاق عملها ينحصر جنوب الليطاني حتى الخط الأزرق، ولا يشمل شمال الليطاني حتى نهر الأولي، شمال لبنان.

يأتي إقرار الحكومة لآلية الإعمار، وإعلانها إنجاز المرحلة الأولى من الخطة، بانتظار تقدير الكلفة، مع تحويل إسرائيل جنوب لبنان إلى أرض محروقة

-يخفي الحزب ورقة أساسية في جيبه، ويُحاذر النقاش حتى بها، باستثناء دائرته الضيّقة، إذ أن هناك غموضاً كاملاً في شأن “الترجمة العملية” لعدم التعاون، وعدم الاعتراف بخطة الجيش شمال الليطاني، والمناطق اللبنانية كافة. مع العلم، أن مصادر عسكرية تؤكد لـ “أساس” بأن “تعاون الحزب جنوب الليطاني تُرجِم بعدم العرقلة، وباختفاء المظاهر المسلّحة، وأي عمل أمني-عسكري ظاهر. فيما الكشف عن الأسلحة والأنفاق، ومخابئ الذخائر، وكل المواقع العسكرية كان يحصل إما من خلال “الميكانيزم” أو من خلال الطرف الإسرائيلي، أو الجيش اللبناني. لكن غالبية “الإخباريات” التي كان الإسرائيلي يتحدّث عنها في شأن الأسلحة في المنازل، أثبتت عدم صحتها”. الأهمّ، تضيف المصادر، “بأن كل مرحلة العمل جنوب الليطاني ثبّتت بالوقائع، بأن الحزب خلافاً للادّعاءات الإسرائيلية لم يكن يعيد بناء قدراته العسكرية أو بناه التحتية العسكرية”.

– جغرافياً تعتبر منطقة شمال الليطاني أكبر بقليل من مساحة جنوب الليطاني التي تقدّر بنحو850  كلم مربعاً. ومن يملك جزءاً من داتا المواقع العسكرية فيها، هو الطرف الإسرائيلي، وبطبيعة الحال الجيش سيكتشف “بياناتها” مع الوقت، كما أنّها لا تشكّل منطقة عمليات عسكرية أو ميدانية أو اجتماعية لقوات “اليونيفيل”.

إقرأ أيضاً: انقلاب على نوّاف سلام؟

-يُشجّع لبنان الرسمي، بما في ذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري، اعتماد سياسة “الاحتواء” شمال الليطاني، وبقاعاً، لكن الطرف الإسرائيلي بدأ باكراً جداً وقبل أن تنتهي مرحلة جنوب الليطاني بتكثيف غاراته شمال الليطاني، واستهداف مجمّعات أو آليات أو مواقع معنية بأعمال البناء، في رسالة إسرائيلية واضحة بمنع البدء بورشة إعادة الإعمار، بغض النظر عن هوية المموّل، قبل “إنهاء الحزب”. آخر  النماذج استهداف جرافة أمس في بلدة قناريت قضاء صيدا، شمال الليطاني، مع العلم أن البلدة تعرّضت سابقاً لعدد من الغارات.

للمفارقة، يأتي إقرار الحكومة لآلية الإعمار، وإعلانها إنجاز المرحلة الأولى من الخطة، بانتظار تقدير الكلفة، مع تحويل إسرائيل جنوب لبنان إلى أرض محروقة!

 

لمتابعة الكاتب على X:

@MalakAkil

مواضيع ذات صلة

طبول الحرب في إيران تُسمَع من العراق… إلى لبنان

أحكمت البوارج الأميركيّة الطوق، ليس فقط على إيران، بل على المنطقة الممتدّة من طهران إلى لبنان. انقلبت الطاولة في العواصم الأربع التي تغنّى، عام 2015،…

الشرع يؤسّس لمرحلة جديدة: نحو سوريا واحدة موحّدة

بعد أيام قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، دخل الاتفاق بين الطرفين حيّز الإعلان الرسمي، كاشفًا…

“انتحار” الحزب بيد الحرس: مشاغلة الدفاعات الجوية المعادية

هل يدخل “الحزب” المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة إن حصلت؟ سؤال يتكرّر في أذهان وعلى ألسنةِ المُراقبين في لبنان والخارج. وهل فعليّاً يمتلك “الحزب” الأدوات المطلوبة…

انقلاب على نوّاف سلام؟

لم تكن المصادقة على موازنة 2026 أمراً مشكوكاً فيه، لكنّ الثقة الهزيلة التي نالتها بأكثريّة 59 صوتاً تعبق بالرسائل السياسيّة، وتؤسّس لمرحلة صعبة ستواجه حكومة…