«الميكانيزم»: مواجهة فرنسية للتحالف الأميركي – الفرنسي؟

مدة القراءة 5 د

بين مدٍّ فرنسي يسعى إلى تثبيت الاستقرار، وجزرٍ أميركي يطمح إلى احتكار التسويات، وضغطٍ إسرائيلي يريد الإقصاء الكامل لأي دور أوروبي، تقف «الميكانيزم» اللبنانية في قلب صراع غير معلن على شكل الحل ودور الوسطاء.

فهل ما زالت هذه الآلية قادرة على أداء وظيفتها؟ أم أنها تحوّلت إلى ضحية تناقض الأجندات الدولية؟ وهل يحتاج لبنان إلى تطويرها، أم إلى تجاوزها بالكامل في مرحلة إقليمية تتبدل بسرعة غير مسبوقة؟

 

رغم الحديث المتكرر عن «حرب باردة» بين الحليفين الأميركي والفرنسي، إلا أن هذا التباين لا يحمل في جوهره تهديدًا مباشرًا للبنان، ولا ينذر بانفجار سياسي أو دبلوماسي. فالخلاف لا يدور حول جوهر الحل، بل حول منهجية إدارة التسوية وأدواتها.

في المقابل، تتصاعد الضغوط الإسرائيلية الهادفة إلى إقصاء الدور الفرنسي بالكامل، بدءًا من آلية «الميكانيزم»، في محاولة لحصر المبادرات ضمن إطار ثلاثي مباشر: أميركي–إسرائيلي–لبناني، على غرار ما يجري في غزة أو في المسار السوري.

رغم الحديث المتكرر عن «حرب باردة» بين الحليفين الأميركي والفرنسي، إلا أن هذا التباين لا يحمل في جوهره تهديدًا مباشرًا للبنان

الجوهر قبل الشكل

يتقاطع هذا التوجه مع طموحات الإدارة الأميركية الساعية إلى احتكار قيادة التسويات العالمية، وتهميش أي دور أوروبي مستقل.

وسط هذا التشابك، تبدو «الميكانيزم» اللبنانية عالقة بين تضارب الأهداف، وحدود الدور الممنوح لها، والتناقض بين طابعها العسكري التقني، وحجم التحديات السياسية المطروحة.

لا تتعامل باريس مع «الميكانيزم» بوصفها إطارًا مقدسًا أو صيغة غير قابلة للتعديل. ما يهمّ الإليزيه هو مضمون الحل لا شكله، وثبات الصيغة اللبنانية لا أسماء اللجان أو هيكلياتها.

تنطلق المقاربة الفرنسية من مسلمات واضحة:

  • حصر السلاح بيد الدولة
  • تحقيق الاستقرار
  • بسط السيادتين السياسية والأمنية على كامل الأراضي اللبنانية

من هذا المنطلق، أيدت باريس منذ البداية توسيع الميكانيزم وتطعيمها بكوادر مدنية واختصاصية، لمعالجة الخلل البنيوي، وجعلها أكثر ملاءمة للحاجات المرحلية.

لكن فرنسا تدرك في الوقت نفسه أن الميكانيزم، بطابعها العسكري التقني، لا تستطيع وحدها احتواء المشهد السياسي المعقد. فقد فاق حجم التطورات قدراتها التمثيلية والإجرائية، خصوصًا بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 لوقف العمليات العدائية، الذي نص على اجتماعات دورية ضمن سلاسل وظيفية محددة.

السلاح قبل أي تسوية

ترى باريس أن المشكلة لا تكمن في مستوى التمثيل أو في بنية الآلية بحد ذاتها، بل في المسار العام للحل اللبناني والإقليمي.فالوقف النهائي للاعتداءات الإسرائيلية، وفق المقاربة الدولية، يبقى مشروطًا بتبدلات ملموسة في السلوك اللبناني، ولا سيما في ملف حصرية السلاح وطريقة تعاطي الدولة مع «الحزب».

تقرّ الإدارة الفرنسية بعدم كفاية المواقف المعلنة أو القرارات الشكلية الصادرة عن قيادة الحزب، معتبرة أن الامتناع عن التعاون الصريح في هذا الملف يشكّل العقبة الحاسمة أمام أي تقدم داخلي أو خارجي.

رغم ذلك، تواصل باريس التزامها بدعم لبنان، سواء من داخل الميكانيزم أو خارجها، مؤكدة استعدادها لرعاية المؤتمرات الدولية، ودعم الجيش والمؤسسات الأمنية، والمساهمة في إعادة الإعمار والإصلاحات، من دون التمسك بشكل واحد أو إطار محدد.

تبدو «الميكانيزم» اللبنانية عالقة بين تضارب الأهداف، وحدود الدور الممنوح لها، والتناقض بين طابعها العسكري التقني، وحجم التحديات السياسية المطروحة

احتكار الوساطة وربط لبنان بالإقليم

في المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى ربط لبنان عضويًا بسلسلة التسويات الإقليمية، بما فيها اتفاقات «أبراهام»، مع احتفاظها بالدور المركزي في الوساطة، مدعومة بتحالف دولي واسع.

رغم هذا الطموح الاحتكاري، لا تتجاهل واشنطن الحاجة إلى الدور الفرنسي، خصوصًا في لبنان، لما يشكّله من عامل توازن وقدرة على التواصل مع أطراف متناقضة. لذلك، لا تعارض الوجود الفرنسي في الميكانيزم، لكنها تعمل على توسيع الهامش السياسي للوساطة الأميركية، انطلاقًا من اتفاق وقف العمليات العدائية في تشرين الثاني 2024.

يتقاطع الموقف الأميركي مع الإسرائيلي في ضرورة تغيير الإطار اللبناني الحالي، بحجة مواكبة التسارع السوري، الذي يبدو – من وجهة نظرهم – أكثر قدرة على إنتاج تسويات ناجحة مقارنة بالساحة اللبنانية المأزومة.

آلية مراقبة لا أكثر

تكشف التجربة أن متطلبات الحل النهائي في لبنان أوسع بكثير من قدرات الميكانيزم. ومع ذلك، تبقى هذه الآلية ضرورية كأداة مراقبة وتنفيذ مرحلي، إلى حين:

  • نضوج ظروف الحل
  • تنفيذ الاتفاقات
  • انتشار الجيش اللبناني كاملًا في الجنوب
  • انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة

لا تستبعد العواصم المعنية ولادة لجان إضافية بصلاحيات مختلفة، قد تكون أكثر فاعلية في إدارة ملفات الحدود وتثبيت توازنات المرحلة الثانية، وفق ما نص عليه اتفاق تشرين الثاني 2024، والذي تبقى الولايات المتحدة راعيته الأساسية.

إقرأ أيضاً: “الميكانيزم” السّياسيّ… يهتزّ ولا يقع

أسئلة المرحلة المقبلة

تتعامل باريس مع محاولات الاحتكار الأميركي، والنوايا الإسرائيلية الإقصائية، بوصفها تفاصيل ظرفية لا تغيّر من ثبات هدفها: استقرار لبنان والحفاظ على توازناته.

لكن مع انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة من نقاش حصرية السلاح شمال الليطاني، تتكاثر الأسئلة:

  • هل يحتاج شمال الليطاني إلى ميكانيزم جديدة؟
  • هل تحتاج الميكانيزم الحالية إلى آليات مساعدة إضافية؟
  • هل سيتم توسيع الاتفاقات القائمة؟
  • هل نحن أمام دور دولي سياسي أو أمني جديد في المراحل اللاحقة؟

أسئلة مفتوحة على مشهد لم يستقر بعد، في إقليم يعاد تشكيله بسرعة تفوق قدرة الآليات التقليدية على المواكبة.

مواضيع ذات صلة

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ. ليس هذا…

نوري المالكي: المشهد الأخير في دراما سيئة

انتقل نوري المالكي من بطل بنظر الولايات المتّحدة الأميركيّة قبل عشرين عاماً كمعارض لحزب البعث، ومقاتل للإرهاب، إلى عميل لإيران، ومنبوذ أميركيّاً مرفوضة عودته إلى…

نشيد الثورة يستنفر “شوارع مينيابوليس”

لم تعد أغنية “بروس سبرينغستين” الجديدة عملاً موسيقيّاً احتجاجيّاً وحسب، بل باتت أشبه بنشيد غير رسميّ لثورة تتكوّن في الشارع الأميركيّ ضدّ سياسات ترامب.  …

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…