لم تعد أغنية “بروس سبرينغستين” الجديدة عملاً موسيقيّاً احتجاجيّاً وحسب، بل باتت أشبه بنشيد غير رسميّ لثورة تتكوّن في الشارع الأميركيّ ضدّ سياسات ترامب.
ليست “شوارع مينيابوليس” أغنيةً تُسمَع فقط، بل تُهتف، وتُرفع مع اللافتات، وتُشغَّل من مكبّرات الصوت في المسيرات، كما لو أنّ الغضب الديمقراطيّ واليساريّ وجد أخيراً لغته الثقافيّة الخاصّة. ففي لحظة احتقان غير مسبوقة، تحوّل الاعتراض السياسيّ إلى ثقافة كاملة: موسيقى، شعارات، رموز، وذاكرة جماعيّة تُستعاد من ستّينيّات القرن الماضي، لكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
في مينيابوليس، حيث سال الدم مجدّداً برصاص الدولة الأميركية، لم يعد الغضب ردّ فعل على حادثة أو مداهمة، بل صار سرديّة وطنيّة تتّسع كلّ يوم. ومع تصاعد الاحتجاجات ضدّ حملة الرئيس دونالد ترامب على الهجرة، تبلورت حركة مناهضة لـ ICE لا تكتفي بالسياسة، بل تنتج ثقافتها الخاصّة، تماماً كما فعلت حركات الحقوق المدنيّة وحركات مناهضة حرب فيتنام من قبل.
لم تعد أغنية “بروس سبرينغستين” الجديدة عملاً موسيقيّاً احتجاجيّاً وحسب، بل باتت أشبه بنشيد غير رسميّ لثورة تتكوّن في الشارع الأميركيّ ضدّ سياسات ترامب
رمز للمقاومة
فيما يترقّب العالم تنفيذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتهديداته بمعاقبة النظام الإيرانيّ لقمعه بوحشيّة الاحتجاجات الشعبيّة الأخيرة، عادت شوارع مينيابوليس في الولايات المتّحدة لتتحوّل إلى بؤرة اضطراب وطنيّ جديد. فقد أدّت عمليّتا إطلاق نار قاتلتان نفّذهما عناصر من وكالة الهجرة والجمارك الأميركيّة (ICE)، وأسفرتا عن مقتل مواطنين أميركيَّين، هما رينيه غود وأليكس بريتي، إلى إشعال موجة احتجاجات واسعة أعادت إلى الأذهان محطّات مفصليّة من تاريخ الاضطرابات المدنيّة في الولايات المتّحدة.
وقعت الحادثتان في خضمّ حملة الرئيس دونالد ترامب المتشدّدة على الهجرة، وهو ما غذّى تصاعد حركة مناهضة لـ ICE تستحضر نضالات الحقوق المدنيّة في ستّينيّات القرن الماضي، وأحداث شغب رودني كينغ عام 1992. وإلى جانب الغضب الشعبيّ، أضفى الفنّان بروس سبرينغستين بعداً ثقافيّاً إضافيّاً بإطلاقه أغنية احتجاجيّة جديدة بعنوان “شوارع مينيابوليس”، تهاجم ترامب ووكالة ICE، وهو ما يوحي بأنّ الشارع الأميركيّ ثقافيّاً أصبح أرضاً خصبة للانتفاض على سياسات ترامب. وقد تتحوّل الأغنية إلى شرارة تعبئة لتيّار مناهض لترامب، على غرار ما فعلته الموسيقى الاحتجاجيّة في مراحل تاريخيّة سابقة.
حوّلت وفاة غود وبريتي في مطلع كانون الثاني 2026 مدينة مينيابوليس إلى رمز للمقاومة ضدّ ما يصفه المتظاهرون بـ”تجاوزات السلطة الفدراليّة”. قُتلت غود في 8 كانون الثاني خلال مداهمة نفّذتها ICE، بينما لقي بريتي المصير ذاته بعد أيّام، في حادثتين يقول شهود إنّ القوّة المفرطة كانت حاضرة فيهما.
تندرج هاتان الواقعتان ضمن عمليّة واسعة النطاق أطلقتها الوكالة تحت اسم “Operation Metro Surge”، وهي حملة وطنيّة شهدت تصعيداً كبيراً في الاعتقالات والملاحقات والمواجهات فأدّت وفق تقارير إلى ارتفاع الاعتداءات على عناصر ICE بنسبة 1,300%، وإلى ردّ فعل شعبيّ غاضب ومتّسع.
تدفّقت الاحتجاجات بالآلاف في مينيابوليس ومدن أخرى مثل واشنطن ولوس أنجلوس، حيث صدحت الهتافات: “أخرجوا ICE الآن”، واستخدم المتظاهرون الصفّارات والهواتف لمراقبة العمليّات وتعطيلها. وامتدّت التظاهرات على مستوى البلاد، بما فيها دعوات إلى “إغلاق وطنيّ”، مسجّلة أكبر تجمّعات شعبيّة منذ جائحة كورونا.
شهد الرأي العامّ بدوره تحوّلاً واضحاً، إذ تشير الاستطلاعات إلى أنّ صافي شعبيّة ICE بات سلبيّاً بـ13 نقطة، مع تأييد 42% من الأميركيّين لإلغائها، مقارنة بـ24% قبل عام فقط. ويرى ناشطون أنّ هذا التحوّل يعكس وعياً متزايداً لخطورة وعنف أساليب الوكالة، ويطالبون بتدخّل تشريعيّ من الكونغرس.
تيّار ثقافيّ مناهض لترامب؟
يسارع المراقبون إلى ربط ما يجري اليوم بمحطّات سابقة من الاحتجاج الأميركيّ. فاحتجاجات جورج فلويد عام 2020 التي انطلقت أيضاً من مينيابوليس شُبّهت بحركة الحقوق المدنيّة في الستّينيّات، حين كانت التظاهرات السلميّة ضدّ الظلم العنصريّ تتحوّل أحياناً إلى أعمال شغب بفعل المواجهات مع الشرطة.
يشير المؤرّخون إلى أوجه شبه واضحة: انتفاضات واتس عام 1965، والاضطرابات التي تلت اغتيال مارتن لوثر كينغ عام 1968، كشفت حينها عن عنصريّة بنيويّة ووحشيّة أمنيّة، تماماً كما فعل مقتل فلويد. وقد وصفت لجنة كيرنر عام 1968 تلك الأحداث بأنّها “تمرّدات” على الظلم، وهو توصيف يتردّد اليوم في تحليل الاحتجاجات المناهضة لـ ICE الذي يعتبرها ردّاً على “احتلال فدراليّ”.
أمّا الأقرب شبهاً فهو ما جرى في لوس أنجلوس عام 1992 عقب تبرئة عناصر الشرطة الذين اعتدوا على رودني كينغ، وهي أحداث اندلعت بسبب الإحساس بانعدام العدالة وأدّت إلى دمار واسع. واليوم، كما في تلك المرحلة، تمتزج المسيرات السلميّة باشتباكات، من بينها مطاردات لمتظاهرين يمينيّين متطرّفين في مينيابوليس.
وسط هذا المناخ المتفجّر، يبرز بروس سبرينغستين بأغنيته “شوارع مينيابوليس” التي تحوّلت إلى نشيد للحركة. صدرت الأغنية أواخر كانون الثاني 2026، وأهداها سبرينغستين إلى غود وبريتي، مندّداً بـ”جيش الملك ترامب الخاصّ من وزارة الأمن الداخليّ”، ومختتماً بهتاف: “أخرجوا ICE الآن”.
يسمّي سبرينغستين في كلمات الأغنية شخصيّات من الإدارة مثل ستيفن ميلر وكريستي نوم، ويصوّر عناصر ICE كـ”أحذية احتلال” في “مدينة مشتعلة”. تبدأ الأغنية بنبرة تأمّليّة هادئة، ثمّ تتصاعد إلى حماسة جماعيّة، في استحضار لأعماله السابقة عن الظلم الاجتماعيّ.
تساهم هذه الأغنية في بناء تيّار ثقافيّ مناهض لترامب، على غرار أغاني الستّينيّات والسبعينيّات التي غذّت الاحتجاج ضدّ حرب فيتنام والتمييز العنصريّ، مثل”Blowin’ in the Wind” لبوب ديلان، و”Ohio” لفرقة كروسبي، ستيلز، ناش أند يونغ.
إقرأ أيضاً: ترامب في دائرة الخطر
أثارت تصريحات سبرينغستين المنتقدة لترامب خلال جولته الأوروبيّة ردود فعل غاضبة، بينها إلغاء حانة في نيوجيرسي حفلة لفرقة تؤدّي أغانيه، وهو ما يُبرز حجم الاستقطاب الذي يثيره صوته، لكنّه في الوقت نفسه يعزّز قدرته على التعبئة. ويقول أحد المحلّلين إنّ مثل هذه الموسيقى قادرة على “تشكيل الخطاب العامّ” والحفاظ على زخم الاحتجاجات.
لا يزال من المبكر الجزم هل هذه اللحظة تمثّل تحوّلاً ثوريّاً شبيهاً بالستّينيّات أو بعام 1992 أم هي تكرار لدورة أميركيّة مألوفة من الغضب والانقسام. لكنّ المؤكّد أنّ حركة مناهضة ICE، مدعومة بنقد ثقافيّ يقوده سبرينغستين، تضع سياسات ترامب الداخليّة أمام اختبار قاسٍ، فيما تلوح إيران كاختبار للهيبة الأميركيّة في الخارج.
مع انتقال الاحتجاجات من حالة الحداد إلى تنظيم المقاومة، يبقى الاحتمال مفتوحاً بين إصلاح حقيقيّ أو انقسام أعمق، والعالم يترقّب.
لمتابعة الكاتب على X:
