نوري المالكي: المشهد الأخير في دراما سيئة

مدة القراءة 8 د

انتقل نوري المالكي من بطل بنظر الولايات المتّحدة الأميركيّة قبل عشرين عاماً كمعارض لحزب البعث، ومقاتل للإرهاب، إلى عميل لإيران، ومنبوذ أميركيّاً مرفوضة عودته إلى رئاسة الحكومة. تغيّر المشهد الدوليّ جذريّاً، لكنّ المالكي أبرز القادة الشيعة في العراق ما يزال يقرأ في دفاتر قديمة عفا عليها الزمان.

 

 

لماذا يحاول نوري المالكي، عرّاب الشيعيّة السياسيّة الموالية لإيران، العودة إلى موقع رئاسة الحكومة العراقيّة قبيل توجيه الضربة الأميركيّة لأركان الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، ومع اقتراب سوريا الجديدة من توحيد أراضيها؟ وماذا يمكن لرجل في السادسة والسبعين من عمره أن يقدّم لبلاده ولطهران في مرحلة بالغة الحساسيّة والخطورة فيما تتضاعف الضغوط الأميركيّة من أجل تصفية التَّرِكة الإيرانيّة في المنطقة، أو أذرعها بالعبارة الأدقّ، وفي العراق ضمناً؟ هل يكون، لو وصل إلى مبتغاه، جزءاً أساسيّاً من حلف ولاية الفقيه بحكم التماسّ الجغرافيّ مع إيران بمواجهة الولايات المتّحدة، أم وصيّاً على التفليسة الأيديولوجيّة والتصفية التنظيميّة للميليشيات العراقيّة خضوعاً للتوجيهات الصادرة من البيت الأبيض؟

انتقل نوري المالكي من بطل بنظر الولايات المتّحدة الأميركيّة قبل عشرين عاماً كمعارض لحزب البعث، ومقاتل للإرهاب، إلى عميل لإيران، ومنبوذ أميركيّاً مرفوضة عودته إلى رئاسة الحكومة

أسئلة كبيرة تراود الشارع العراقيّ، واعتراضات قويّة من الإدارة الأميركيّة ابتداءً من الرئيس دونالد ترامب على عودة المالكي، وفي هذا التوقيت تحديداً. لكنّ “جواداً” (الاسم الحَرَكيّ للمالكي فيما مضى)، يعاند ويراوغ، وهو الذي أمضى الشطر الأوّل من حياته السياسيّة في معارضة الرئيس الأسبق صدّام حسين (أُعدم أواخر عام 2006)، متنقّلاً بين العواصم، ومتقناً لعبة توازن القوى داخل حزب الدعوة خاصّة، وداخل المعارضة العراقيّة إجمالاً، وأفنى شطره الثاني في إدارة الشأن العراقيّ بعد سقوط نظام صدّام عام 2003، إمّا بشكل مباشر رئيساً للحكومة بين عامَي 2006 و2014، وهي من أصعب المراحل وأسوئها، مع انتشار تنظيم الدولة “داعش” أثناءها في المحافظات السنّيّة، بتقصير أو تواطؤ من الحكومة، أو الحُكم مواربةً نائباً لرئيس الجمهوريّة بين عامَي 2014 و2015، في بداية عهد رئيس الحكومة حيدر العبادي (2014-2018)، أو كمرجعيّة سياسيّة بما يشبه موقع “نائب الوليّ الفقيه” في إقليم العراق، صاحب قرار نهائيّ في ترشيح رئيس الحكومة الشيعيّ على وجه الخصوص، وفي اختيار رئيس البرلمان السنّيّ، ورئيس الجمهوريّة الكرديّ، لا سيما مع رئاسته “الإطار التنسيقيّ”، التحالف الشيعيّ الأكبر في مجلس النوّاب، الذي تأسّس عام 2021، بهدف تهميش التيّار الصدريّ، واحتكار القرار الشيعيّ، بحَشْد الكتل النيابيّة الشيعيّة الموالية لطهران، تحت قيادة المالكي.

من “بطل” إلى “متّهم”

لقد بلغ رئيس الحكومة الأسبق شأواً بعيداً في علاقاته الخارجيّة، لا سيما مع الولايات المتّحدة في عهد الرئيس الجمهوريّ جورج بوش الابن، حتّى إنّه ألقى خطاباً في الكونغرس الأميركيّ في تمّوز عام 2006، بعد 20 يوماً على اغتيال أبي مصعب الزرقاويّ قائد تنظيم القاعدة في العراق، بغارة أميركيّة. آنذاك استُقبل استقبال الأبطال، وشدّد المالكي في ذلك الخطاب المشهود على أنّ العراق الجديد جزء من الحرب على الإرهاب. لكنّ المالكي الذي ظلّ حزب البعث هاجسه الدائم، فهمّش السنّة العرب بعد حلّ الحزب، ولم يوفّر السنّة الأكراد من مضايقاته، انتقل عام 2014 إلى هاجس آخر، وهو “داعش”.

المفارقة هي ملاحقة اتّهامات له بأنّه وراء هرب معتقلي داعش من السجون، وفرار ألوف الجنود العراقيّين في الموصل أمام مئات قليلة من مقاتلي التنظيم، في حزيران 2014، على اعتبار أنّ تلك الأحداث تخدم استراتيجية إيرانيّة كانت تقضي آنذاك بوصْم العشائر السنّيّة المنتفِضة على المالكي، كما فصائل المعارضة المتمرّدة على بشّار الأسد في سوريا، بالإرهاب، واستدعاء الدعم الأميركيّ للقضاء على “داعش” في العراق وسوريا، وضرب عصفورين بحجر واحد: إفشال انتفاضة العشائر العراقيّة، وإلحاق الهزيمة بالفصائل السوريّة. وإن لم تكن تلك الاتّهامات دقيقة، إلّا أنّ الأكيد هو الفشل الذريع في قيادة العراق في تلك المحنة العصيبة.

تُضاف إليها اتّهامات بالفساد العريض في عهده رئيساً للحكومة، مع صدور تقرير عن هيئة النزاهة عام 2015 يؤكّد سرقة ما يقارب نصف تريليون دولار من أصل عائدات الحكومة خلال ثماني سنوات من عهد المالكي، حيث إنّ واردات النفط فقط في تلك السنوات بلغت 800 مليار دولار. وبناء عليه، طالبت الهيئة المذكورة بالتحقيق في ملفّات أكثر من 600 مسؤول عراقيّ خلال ولايته، من بينهم وزراء ومستشارون وفقاً لاتّهامات الهيئة. لكنّ أحداً لم يستطِع مساءلة المالكي ولا رجاله بسبب نفوذه السياسيّ، واستناده إلى الميليشيات المسلّحة.

في عام 2022، قدّم رئيس هيئة النزاهة السابق رحيم العكيلي شكوى ضدّ نوري المالكي، مطالباً بمحاكمته، بوصفه رئيساً للحكومة بين عامَي 2006 و2014، والقائد العامّ للقوّات المسلّحة، لِما تسبّب به من مصائب وأهوال في مواجهة “داعش”، وفي سرقة المال العامّ. ليس هذا فحسب، بل إنّ السناتور الجمهوريّ جو ويلسون Joe Wilson طالب السلطات الأميركيّة في تغريدة له في 5 شباط من العام الماضي، بفرض عقوبات على المالكي، بسبب دعوته الميليشيات الطائفيّة المدعومة من إيران إلى اجتياح سوريا، إثر انتصار المعارضة السوريّة بقيادة أحمد الشرع على النظام وحلفائه من الميليشيات الشيعيّة المحليّة والأجنبيّة. وقال ويلسون إنّ ترامب سيتولّى إصلاح الأمر. وفي نيسان الماضي، دعا ويلسون إلى سنّ قانون تُحظَر فيه ميليشيات الحشد الشعبي، بوصفها “دمى” بيد إيران.

تهديد ترامب وجهل المالكي

مع الحملة العسكريّة على قوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد”، في المناطق الشماليّة الشرقيّة، انطلاقاً من حيَّي الأشرفيّة والشيخ مقصود في حلب، مطلع تشرين الأوّل الماضي، ودقّ طبول الحرب في صفوف الفصائل العراقيّة الموالية لإيران، تحريضاً على النظام السوريّ الجديد، قوبل التنازل المفاجئ لرئيس الحكومة الحاليّ المنتهية ولايته محمّد شياع السوداني لمصلحة نوري المالكي، بمستوى غير مسبوق من الاعتراض الأميركيّ، وذلك عندما اعتبر ترامب في تغريدة له على منصّته Truth Social أنّ عودة المالكي رئيساً للحكومة تمثّل “خياراً سيّئاً للغاية” للعراق الذي انحدر خلال حكمه السابق “إلى الفقر والفوضى الشاملة”. وهذا برأيه “ما لا ينبغي أن يُسمح بتكراره”، وحذّر من أنّ واشنطن “لن تقدّم أيّ دعم” لبغداد في حال عاد المالكي إلى رئاسة الحكومة. وأضاف ترامب أنّ تكرار التجربة سيحرم البلاد من أيّ فرصة “للنجاح أو الازدهار أو الحرّيّة”.

عناد المالكي هذه المرّة ليس كحالته حين منع إياد علّاوي عام 2010 من تسلّمه رئاسة الحكومة مرّة ثانية. بل هو أقرب إلى حالته عام 2014 عندما حظي بالأكثريّة الكافية لولاية ثالثة

في السياق نفسه، أعلنت وزارة الخارجيّة الأميركيّة أنّ الوزير ماركو روبيو أجرى اتّصالاً هاتفيّاً مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، بحثا خلاله مسائل عدّة، لا سيما ملفّ “داعش”، والعلاقة مع إيران. وأكّد روبيو أنّ “أيّ حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكن أن تنجح في وضع مصالح العراق أوّلاً، أو إبعاده عن الصراعات الإقليميّة، أو تعزيز الشراكة مع الولايات المتّحدة”. وجاء في تقرير لوكالة رويترز أنّ الولايات المتّحدة هدّدت سياسيّين عراقيّين كباراً بفرض عقوبات، من ضمنها احتمال استهداف عائدات النفط، في حال ضمّ ‍جماعات مسلّحة مدعومة ‍من إيران إلى الحكومة المقبلة، إذ إنّ الرئيس الأميركيّ الأسبق جورج بوش الابن كان وقّع بعد سقوط العراق على أمر تنفيذيّ يقضي بإنشاء صندوق العراق للتنمية لكي تُحوّل إليه عائدات النفط وتُستعمل في إعمار العراق وتنميته.

هذا الصندوق تابع في إدارته لمجلس الاحتياطيّ الفدراليّ في نيويورك، أي للمصرف المركزيّ الأميركيّ. بعبارة أخرى، تتحكّم واشنطن بمعظم واردات العراق حتّى هذه اللحظة. وبناء على هذا، يشكّل ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة تحدّياً مباشراً لإدارة الرئيس دونالد ترامب الذي يضغط من أجل حصر السلاح بيد الدولة، وعدم مشاركة جماعات عراقيّة مصنّفة إرهابيّة في أيّ حكومة مقبلة، وبإيجاز شديد: “إبعاد النفوذ الإيرانيّ عن المشهد السياسيّ العراقيّ”. والمفارقة في هذا المجال أنّ المالكي الذي يجهل فيما يبدو حقيقة التغيّرات التي طرأت على السياسات الخارجيّة للولايات المتّحدة في زمن ترامب، ردّ على تهديدات ترامب بلغة قويّة غير متكافئة، رافضاً “التدخّل الأميركيّ السافر في الشؤون الداخليّة للعراق” بوصفه “انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطيّ في العراق بعد عام 2003، وتعدّياً على قرار “التنسيقيّ” لاختيار مرشّحه لمنصب رئاسة الوزراء”، ومؤكّداً “استمراره بالعمل حتّى نبلغ النهاية، وبما يحقّق المصالح العليا للشعب”.

إقرأ أيضاً: عودة المالكي: كابوس استراتيجيّ لتركيا؟

لكنّ عناد المالكي هذه المرّة ليس كحالته حين منع إياد علّاوي عام 2010 من تسلّمه رئاسة الحكومة مرّة ثانية. بل هو أقرب إلى حالته عام 2014 عندما حظي بالأكثريّة الكافية لولاية ثالثة، لكنّ الرأي العامّ العراقيّ كان ضدّ عودته آنذاك. في هذه الآونة، يعاند الرئيس الأميركيّ العنيد دونالد ترامب. وسيرسم تراجعه أخيراً نهايته السياسيّة بأسوأ مشهد.

 

مواضيع ذات صلة

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ. ليس هذا…

نشيد الثورة يستنفر “شوارع مينيابوليس”

لم تعد أغنية “بروس سبرينغستين” الجديدة عملاً موسيقيّاً احتجاجيّاً وحسب، بل باتت أشبه بنشيد غير رسميّ لثورة تتكوّن في الشارع الأميركيّ ضدّ سياسات ترامب.  …

«الميكانيزم»: مواجهة فرنسية للتحالف الأميركي – الفرنسي؟

بين مدٍّ فرنسي يسعى إلى تثبيت الاستقرار، وجزرٍ أميركي يطمح إلى احتكار التسويات، وضغطٍ إسرائيلي يريد الإقصاء الكامل لأي دور أوروبي، تقف «الميكانيزم» اللبنانية في…

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…