في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ. ليس هذا المسار مجرّد تبدّل في المصطلحات أو اللغة، إنّما انهيار صامت لأولى قلاع الحصانة الرمزيّة في الأنظمة الشموليّة.
منذ بدأ الحديث العلنيّ عن استهداف المرشد الأعلى في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران علي خامنئي، في سياق حرب الأيّام الـ 12 الإسرائيليّة على إيران، خرج القائد من منطقة المقدّس الذي لا يُمَسّ، ليدخل في مختبر الاحتمالات التقنيّة لدى المحلّلين والخصوم وحتّى الأنصار.
إنّ ما نشهده اليوم يتجاوز مجرّد التصعيد في خطاب الخصوم، إلى كونه تحوّلاً جذريّاً في النظر إلى جوهر السلطة السياسيّة في إيران. قتل “تطبيع” الحديث عن نهاية المرشد، وتداولها كخيار سياسيّ بارد، الأسطورة التي كان يستمدّ منها النظام ديمومته. سقطت سلطته ذهنيّاً قبل أن تسقط مادّيّاً، وتركته عارياً أمام لغةٍ لم تعد تهابه، وواقعٍ سياسيّ بدأ بالتشكّل بمعزل عن وجوده الجسديّ على قيد الحياة. فـ”صاحب السيادة المطلقة” الذي لا يُمَسّ، بات مجرّد مشكلة تقنيّة، من بين مشاكل أخرى، يُناقَش حلّها، أو حتّى التخلّص منها، كخيار سياسيّ مطروح على طاولة البحث.
في عالم السياسة، غالباً ما تسبق اللغةُ الأحداثَ. تناول المحرّمات الذي يبدأ كهمس، يتحوّل مع الوقت إلى فرضيّات عمل، ثمّ ينتهي كواقع بديهيّ
تعرية قاسية للقداسة
لا يقتصر الأمر على انخراط العواصم الكبرى، من واشنطن إلى تل أبيب، في رسم سيناريوهات “ما بعد خامنئي” علناً. تعدّى ذلك إلى حراك القوى السياسيّة في إيران، المعارِضة والموالية، التي تصنع خياراتها في ضوء واقع قيد التشكّل، هو هذه الإيران الجديدة ما بعد المرشد.
لنتذكّر أنّ حصانة خامنئي استندت لعقود، إلى ركيزتين تداخل فيهما الدنيويّ بالغيبيّ. الأولى هي الردع العمليّ المتمثّل في كلفة الاستهداف الباهظة لرأس نظام سياسيّ ثوريّ قادر على الإيذاء، والثانية هي القداسة الرمزيّة بوصفه نائباً للإمام الغائب (المهديّ المنتظَر) وأحد أرفع رموز المذهب الشيعيّ الاثني عشريّ في العالم. غير أنّ هذا “اللاهوت السياسيّ” الذي شكّل وعي الحكومات والأجهزة الأمنيّة والاستخباراتيّة بخصوص إيران والخيارات المتاحة بشأنها، تعرّض لعمليّة تعرية قاسية، بدأت مع تصفية قاسم سليماني ثمّ حسن نصرالله، لتكسر منطق “الرعب المتبادل”. الخلاصات كانت واضحة: الأيقونات التي كان يُظنّ أنّها لا تُمسّ، تحوّلت إلى أهدافٍ، من دون أن يستتبع ذلك خراب العالم.
في بعد آخر، كرّست هذه الاغتيالات فكرة أنّ الحصانة التي يمنحها المخبأ أو التخفّي ليست علامة على القوّة، بل هي اعتراف ضمنيّ بالهزيمة الرمزيّة. فبينما ينسحب خامنئي إلى فضاءات أكثر تحصيناً تحت وطأة التهديدات، فإنّه ترسخ في الوجدان الجمعيّ صورة “القائد المحاصَر” الذي ينتظر نحبه كمن سبقه، لا “القائد المنتصر”. هذا الانتقال من الشرفة العامّة إلى التحصينات الجوفيّة، هو انتقال من التاريخ إلى الجغرافيا، حيث يصبح الحفاظ على الحياة البيولوجيّة للقائد غاية في حدّ ذاتها، على حساب الحفاظ على حضوره السياسيّ ومعناه.
يُدخِل هذا التحوّل خامنئي في ما يمكن تسميته بـ”منطقة القذّافي”، أي تلك المنطقة الرماديّة التي يقرّر فيها اللاعبون الدوليّون والداخليّون أنّ بقاء الزعيم أصبح عبئاً فائضاً عن الحاجة. في هذه المنطقة، يعيش خامنئي في “زمن مستقطَع” بعد أن أصبح موته “مُسعّراً” سلفاً في حسابات الربح والخسارة الإقليميّة، أو إجراءً إداريّاً تأخّر تنفيذه.
الأدهى من ذلك أنّ الدائرة الضيّقة المحيطة به، لا سيما جنرالات الحرس الثوريّ، وكبار المستشارين والبيروقراطيّين، بدأوا ما يُمكن تسميته بالخلافة الاستباقيّة، حيث يتحوّل الولاء للقائد إلى مجرّد مقدّمة لضمان الموقع والمصالح والدور ما بعده. فخلف أبواب “الإستابلشمنت” الإيرانيّ المغلقة لن يكون مستغرباً أن يتوقّف المسؤولون عن طرح سؤال “كيف نحميه؟”، إذ إنّ ما يهمّ الأجنحة المتصارعة الآن هو كيف تحمي حصّتها في الإرث بعده؟
فعندما تصبح تصفية القائد مادّة لنقاش تقنيّ بارد، يسقط النظام في فخّ الجمود الهيكليّ، حيث تظلّ المؤسّسات (الحرس، الباسيج، القضاء) تعمل بكفاءة ميكانيكيّة، لكنّها تفتقر إلى الروح المحرّكة التي يضفيها القائد المقدّس. هذا الانفصال يجعل من الدولة ماكينة ضخمة تدور حول نفسها في فراغ، بانتظار لحظة الارتطام بالواقع.
تتجلّى سخرية القدر هنا في أنّ “تطبيع” الحديث عن قتل خامنئي قد يمنحه، للمفارقة، عمراً أطول. فبما أنّ الجميع قد استعدّ نفسيّاً ومؤسّساتيّاً لرحيله، تراجعت حدّة الاستعجال لتصفيته، وقد تُفتح، بسبب من ذلك، أبواب التسوية السياسيّة، على أن يُترك للطبيعة أن تتولّى النهاية البيولوجيّة لزعيم انتهى في الواقع السياسيّ لبلاده، أو يكاد.
عندما تصبح تصفية القائد مادّة لنقاش تقنيّ بارد، يسقط النظام في فخّ الجمود الهيكليّ، حيث تظلّ المؤسّسات (الحرس، الباسيج، القضاء) تعمل بكفاءة ميكانيكيّة
دولة بلا رأس؟
بيد أنّ هذا الواقع يلقي بثقل قاتل على الدولة الإيرانيّة، لأنّ الكلفة السياسيّة للانتظار، ستجعل من الجمهوريّة الإسلاميّة “بطّة عرجاء”، تجاوزت وجود المرشد ذهنيّاً، ولكنّها لم تتجاوزه تماماً في الواقع.
ففي سياق جيوسياسيّ لا يرحم، لا تكمن الكلفة السياسيّة لهذا الانتظار في ثمن الوقت الضائع، بل في التآكل المستمرّ لشرعيّة القرار السياسيّ في إيران.”البرزخ” الذي تعيشه الدولة الإيرانيّة يعني أنّ المسؤولين في طهران، والقادة في الحرس الثوريّ، وحتّى الخصوم في الخارج، يتعاملون مع السلطة القائمة بوصفها “إدارة تسيير أعمال” لعهدٍ انتهى افتراضيّاً، بانتظار إعلان الوفاة رسميّاً، مع ما يقود إليه ذلك من سيولة في الولاءات داخل الأجنحة، وتجميدٍ للمبادرات الاستراتيجيّة الكبرى التي تحتاج إليها البلاد للخروج من المأزق.
يشبه برزخ الانتظار الإيرانيّ هذا، في ملامحه الكبرى، لحظة ستالينيّة متأخّرة، حين كان الاتّحاد السوفيتيّ يُدار بهيبة رجل تضاءل حضوره الفعليّ لصالح بيروقراطيّة قلقة تحضّر لمرحلة ما بعده.
في تلك اللحظات، تتقلّص وظيفة القرارات السياسيّة إلى مجرّد محاولات لتأجيل الانهيار، ممّا يحوّل الدولة إلى “متحف سياسيّ'” يسكنه شعب يتطلّع إلى الخارج، ونخبة تترقّب ساعة الصفر.
هنا يكمن جوهر المفارقة التاريخيّة الكبرى التي تعيشها إيران الخمينيّة. فهي في نظر العالم “دولة بلا رأس” فعليّ، رغم وجود خامنئي في مركزه، وهي في “مرحلة انتقاليّة” طال أمدها في نظر شعبها، ممّا يجعل كلّ قرار يصدر في البلاد اليوم يبدو وكأنّه صدى من ماضٍ مضى، وليس صياغة لأيّ مستقبل.
إقرأ أيضاً: طبول الحرب في إيران تُسمَع من العراق… إلى لبنان
في نهاية المطاف، لم يعد السؤال هو “متى سيموت خامنئي؟”، بل “كيف ستحكم إيران نفسها بعد أن قُتلت فكرة المرشد في وعيها الجمعيّ؟”. لقد تحوّل خامنئي من قدر إلهيّ إلى عقبة زمنيّة، وفي اللحظة التي تساوى فيها بقاؤه مع رحيله في موازين التخطيط الاستراتيجيّ، تكون أُسدلت الستارة على آخر وأطول فصول الثورة الإسلاميّة في إيران.
لمتابعة الكاتب على X:
