من سؤال: من يُضرَب؟
إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟
حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات الكبرى بوصفها سلسلة قرارات عسكريّة أو نوايا سياسيّة معلنة، وتُخطئ أكثر حين تفترض أنّ نهاية الحرب تُقاس بآخر ضربة فيها. قد يصف هذا المنهج المعارك، لكنّه يعجز عن تفسير الحروب الممتدّة المعاصرة التي لا تُحسم، ولا تنفجر، بل تُدار في منطقة رماديّة طويلة الأمد.
تنجح المقاربة التحليليّة فقط حين تُفهم الحرب بوصفها نظام تشغيل ممتدّ، بمعنى منظومة ديناميكيّة تُعيد توزيع الكلفة عبر الزمن، وتحوِّل التأخير وعدم اليقين وتعطيل التدفّقات إلى أدوات ضغط قائمة بذاتها لا إلى آثار جانبيّة.
بهذا المعنى، لا تُقرأ المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة المتصاعدة منذ مطلع 2026 كمشروع حسم عسكريّ، ولا كمقدّمة إسقاط نظام، بل كحلقة ضمن تحوّل أوسع في وظيفة الصراع العالميّ يمكن توصيفه بمفهوم: حروب الإدامة الاستراتيجيّة.
هي صراعات يُضبَط فيها السقف العسكريّ عمداً، أو يفشل في تجاوزه، فتُدار زمنيّاً بحيث لا تُحسم سريعاً، بينما تُترك آثارها الاقتصاديّة واللوجستيّة والنفسيّة تتراكم على أطراف متعدّدة داخل النظام الدوليّ. هذا توصيف لوظيفة الصراع… لا افتراض لنوايا مكتملة.
– أوّلاً: الحسم بوصفه مخاطرة نظاميّة… والإدامة بوصفها نتيجة مفضَّلة أو افتراضيّة:
الحسم العسكريّ ضدّ إيران، على عكس جاذبيّته الخطابيّة، يمثّل مخاطرة عالية للنظام الدولي القائم، وذلك للأسباب الآتية:
– تفكيك دولة مركزيّة على عقدة طاقة عالميّة، بما يحمله ذلك من تهديد مباشر لتدفّقات النفط والغاز.
– إطلاق فوضى سياديّة قابلة للتسييل من قبل فاعلين غير دولتيّين، كما أظهرت تجارب العراق بعد 2003 وليبيا بعد 2011.
الهدف النوويّ ثابت، لكنّ طريق تحقيقه ليس خطّاً مستقيماً، بل مسار استنزاف زمنيّ يمنع الاكتمال دون تفجير الفوضى الإقليميّة الشاملة
– تعريض أسواق الطاقة لصدمة غير قابلة للإدارة، ليست سعريّة فقط، بل لوجستيّة وتأمينيّة وزمنيّة.
في المقابل، تمثّل إدامة الصراع مساراً أقلّ كلفة من الحرب الشاملة، وأكثر قابليّة للإدارة، سواء كخيار واعٍ أو كنتيجة افتراضيّة لتعطّل الحسم، فهي تسمح بكلفة سياسيّة أقلّ، وضبط نسبيّ للسقوف والوتيرة، مع إنتاج أثر تراكميّ بعيد المدى دون تحمّل أعباء “ما بعد النصر”.
إذاً الضربات “المحدودة” هنا ليست بالضرورة جزءاً من خطّة متكاملة، بل قد تكون أداة لإبقاء الصراع من دون انفجاره.
من المهمّ التنبيه إلى أنّ القرار الأميركيّ ذاته ليس وحدة متماسكة. يوازن البيت الأبيض السياسة والانتخابات، ويوازن البنتاغون الردع والمخاطر العمليّاتيّة، ويضغط الكونغرس وفق مزاج داخليّ متقلّب.
لذلك قد تكون الإدامة أحياناً خياراً استراتيجيّاً، وأحياناً نتيجة فوضى قرار، لكنّ أثرها البنيويّ يبقى واحداً.
– ثانياً: الدّاخل الإيرانيّ… من الهشاشة إلى تصدير الأزمة:
لا يمكن اختزال إيران في “وظيفة جغرافيّة” فقط. فالضغط الخارجيّ يتقاطع مع واقع داخليّ مأزوم: احتجاجات متكرّرة واسعة منذ 2019، مع قمع دمويّ وتآكل في شرعيّة العقد الاجتماعيّ، وأزمة اقتصاديّة خانقة بفعل العقوبات وسوء الإدارة. وقد علّمنا التاريخ أنّ هذه الهشاشة تُنتج سلوكاً معروفاً يتمثّل في تصدير الأزمة إلى الخارج.
كلّما ضاق المجال الداخليّ ارتفعت قيمة الاشتباك الخارجيّ، وتعاظمت الحاجة إلى إبقاء الصراع مفتوحاً، لا لكسبه، بل لمنع الانكشاف الداخليّ، وهنا تتلاقى دوافع “الإدامة الخارجيّة” مع دوافع “البقاء الداخليّ”.
– ثالثاً: من تدمير القدرات إلى تشغيل الجغرافيا:
حتّى لو أُضعفت القدرات النوويّة أو الصاروخيّة الإيرانيّة، لا يُنهي ذلك وظيفتها الجيوسياسيّة، بل قد يؤدّي إلى العكس، عبر تقلّص أدوات الردّ التقليديّ، وصعود الأدوات غير المتماثلة (وكلاء، بحر، سايبر) وانتقال مركز الثقل من “القدرة العسكريّة” إلى إدارة المساحة والزمن. وبهذا المعنى، تتحوّل إيران من خصم عسكريّ إلى “مُشغِّل جغرافيّ للأزمة”.
نحن أمام تحوّل تاريخيّ في وظيفة الحرب: من السيطرة على الأرض إلى التحكّم في التدفّقات، ومن النصر السريع إلى إنهاك طويل الأمد
– رابعاً: الملفّ النّوويّ والصّاروخيّ هو الهدف البنيويّ داخل معادلة الإدامة:
من الضروريّ التمييز هنا بين مستويَين مختلفين من التحليل: مستوى الهدف ومستوى الأداة. فالبرنامج النوويّ الإيرانيّ، ومعه منظومة الصواريخ البالستيّة، لا يمثّلان ملفَّين تفاوضيَّين أو أدوات ضغط ظرفيّة، بل يشكّلان تهديداً بنيويّاً طويل الأمد لمعادلة الردع الإقليميّ والدوليّ كما تفهمها الولايات المتّحدة وحلفاؤها. ذلك أنّ امتلاك إيران قدرة نوويّة عمليّاتيّة أو قدرة صاروخيّة دقيقة بعيدة المدى محميّة بردع نوويّ محتمل لا يعني فقط رفع كلفة استهدافها، بل يعني تغيير قواعد اللعبة بالكامل: من ردع قابل للإدارة إلى ردع مغلق يمنح طهران حرّيّة حركة إقليميّة شبه مطلقة.
لهذا السبب تحديداً، ظلّ منع التحوّل النوويّ الإيرانيّ هدفاً استراتيجيّاً ثابتاً للإدارات الأميركيّة المتعاقبة، بغضّ النظر عن اختلاف الأساليب أو الخطابات، فالمسألة هنا ليست دولة إيران، بل سلاح يغيّر بنية النظام الإقليميّ ويُقوّض قابليّة احتوائه مستقبلاً، غير أنّ ثبات الهدف لدى كلّ الإدارات السابقة لا يعني ثبات الوسيلة المؤدّية للهدف.

تُظهر التجربة التاريخيّة أنّ الحسم العسكريّ الشامل ضدّ البرنامج النوويّ والصاروخيّ الإيرانيّ يحمل مخاطر تفوق مكاسبه، وذلك للأسباب الآتية:
– قد يؤدّي إلى تفكيك الدولة لا تفكيك البرنامج فقط.
– ويطلق سباق تصعيد إقليميّ غير قابل للضبط.
– ويحوّل إيران من خصم نوويّ محتمل إلى فاعل فوضويّ يمتلك حوافز قصوى للانتقام.
من هنا، لا يتبلور منطق الإدامة بوصفه بديلاً عن الهدف النوويّ، بل بوصفه أسلوب تحقيقه، أي الانتقال من منطق “التدمير الحاسم” إلى منطق “التفكيك التدريجيّ”: ضربات انتقائيّة، تعطيل متكرّر، استنزاف علميّ وتقنيّ، وإبقاء البرنامج في حالة عدم اكتمال دائم، دون الوصول إلى نقطة اللاعودة التي تفرض حرب إسقاط شاملة.
في هذا السياق، يصبح الزمن عنصراً حاسماً في المعادلة النوويّة نفسها، فكلّ شهر إضافي لا تمتلك فيه إيران قدرة نوويّة مكتملة هو شهر ردع ناجح من منظور واشنطن، حتّى لو لم يُحسَم الصراع.
تُظهر التجربة التاريخيّة أنّ الحسم العسكريّ الشامل ضدّ البرنامج النوويّ والصاروخيّ الإيرانيّ يحمل مخاطر تفوق مكاسبه
هنا تتقاطع المعادلة العسكريّة مع جيوسياسة الزمن: لا تُستخدم إطالة أمد الصراع فقط لإدارة التدفّقات أو الضغط على أطراف ثالثة، بل تُستخدم أيضاً لإبقاء أخطر ملفّ استراتيجيّ (الملفّ النوويّ) تحت سقف التحكّم من دون انفجاره.
بناء عليه، ليست الإدامة في هذا السياق ترفاً سياسيّاً ولا خياراً ثانويّاً، بل حلٌّ وسط قاسٍ بين بديلين كارثيَّين: إمّا القبول بإيران نوويّة تغيّر ميزان الردع، أو خوض حرب شاملة غير مضمونة النتائج.
بهذا المعنى، لا يُلغِي منطق الإدامة مركزيّة الهدف النوويّ والصاروخيّ، بل يكشف لماذا لا يُدار هذا الهدف بمنطق الحسم، ولماذا يصبح الزمن نفسه جزءاً من سلاح منع الانتشار.
إذاً الهدف النوويّ ثابت، لكنّ طريق تحقيقه ليس خطّاً مستقيماً، بل مسار استنزاف زمنيّ يمنع الاكتمال دون تفجير الفوضى الإقليميّة الشاملة.
– خامساً: الجغرافيا الوظيفيّة حين تصبح المضائق أدوات زمنيّة:
1- مضيق هرمز: سياسة عدم اليقين.
لا يفترض التحليل الواقعيّ إغلاقاً كاملاً لهرمز، بل ما هو أكثر فاعليّة وأقلّ كلفة عبر تسييس المخاطر. إذ يكفي رفع منسوب التهديد وتكرار حوادث منخفضة الكثافة (كما حدث في احتجاز ناقلات 2019)، مع خلق بيئة تأمين عالية المخاطر، وذلك لإنتاج ارتفاعات حادّة في أقساط التأمين، واضطراب الجداول اللوجستيّة، علاوة على مخاطر فوريّة على أسعار الطاقة.
2- باب المندب: مضاعِف الصدمة الزمنيّة.
باب المندب لا ينافس هرمز، بل يضاعف أثره زمنيّاً، فتجربة البحر الأحمر 2023–2025 أظهرت أنّ التهديد غير المتماثل قد دفع شركات كبرى لإعادة توجيه الشحن، ورفع زمن الرحلات بين آسيا وأوروبا من أيّام إلى أسابيع، وضاعف كلفة التأمين، ووفقاً لهذا الواقع لا حاجة إلى إدارة الحرب بالبراميل، بل بالأيّام والأسابيع والتأخيرات.
لا يمكن اختزال إيران في “وظيفة جغرافيّة” فقط فالضغط الخارجيّ يتقاطع مع واقع داخليّ مأزوم
– سادساً: جيوسياسة الزّمن.. التّعريف المركزيّ:
يمكن توصيف هذا النمط الصراعيّ ضمن مفهوم جامع (جيوسياسة الزمن)، أي إدارة الصراع عبر التحكّم في زمن التدفّقات الحيويّة (الطاقة، الشحن، التأمين) بحيث يصبح التأخير وعدم اليقين أدوات استنزاف وردع قائمة بذاتها، بغضّ النظر عن حجم الدمار العسكريّ.
ضمن هذا الإطار ليست إيران الهدف النهائيّ، بل المسرح المنتج للزمن الاستنزافيّ.
– سابعاً: الصّين أكبر متلقٍّ تراكميّ للأثر الزّمنيّ:
من الخطأ الادّعاء أنّ استنزاف الصين هو الدافع الأميركيّ المركزيّ والأوحد، لكنّ من الخطأ أيضاً تجاهل أنّ الصين هي أكبر متلقٍّ تراكميّ للأثر الزمنيّ السلبيّ الناجم عن هذا النمط الصراعيّ.
تعتمد الصين على واردات بحريّة طويلة المسافة، ويمرّ نحو 40%–45% من نفطها عبر مضيق هرمز، ويعتمد نموذجها الصناعيّ على استقرار الكلفة والزمن معاً.
أمّا بالنسبة لمخزون الصين الاستراتيجيّ من النفط فهو يعالج الانقطاع، لكنّه لا يعالج ارتفاع التأمين ولا تذبذب الشحن ولا تآكل دقّة التخطيط الصناعيّ.
ربّما لا تكون الصين مستهدَفة مباشرةً، لكنّها من الأكيد أنّها ستدفع الفاتورة الزمنيّة لأيّ حرب يكون مضيق هرمز جزءاً من مسرح عمليّاتها.
– ثامناً: الصّين كفاعل.. حدود كسر الإطار:
ليست الصين سلبيّة، وإنّما بادرت إلى توسيع الأنابيب (روسيا، آسيا الوسطى) ونوّعت المورّدين، رفعت المخزون، وراكمت صبرها الاستراتيجيّ على التّحرّشات والاستفزازات الأميركيّة لها، ومع ذلك تخفّف كلّ هذه الأدوات فجوة العجز النفطيّ الذي سيواجه الاقتصاد الصينيّ، لكنّها لا تكسر منطق الزمن في حال دخلت المنطقة مسار حرب الإدامة الاستراتيجيّة، وهنا تدرك الصين أنّ كسر نموذج الإدامة يتطلّب منها عسكرة أوسع في الممرّات (هرمز والمندب) أو صداماً سياسيّاً مباشراً مع النظام البحريّ القائم الذي تديره الولايات المتّحدة، وهو ما لا تريده بكين حتّى الآن.
الحسم العسكريّ ضدّ إيران، على عكس جاذبيّته الخطابيّة، يمثّل مخاطرة عالية للنظام الدولي القائم
– تاسعاً: من يُضحّى به؟ الحلفاء في معادلة حرب الإدامة:
سؤال غير مريح لكنّه حاسم، من يتحمّل كلفة الإدامة؟
– أوروبا: هشّة طاقيّاً، وتجربة 2022–2023 مثال واضح.
– الخليج: فاعل سياديّ لكنّه متضرّر أمنيّاً واقتصاديّاً.
– الحلفاء عموماً: يتحمّلون جزءاً من الكلفة مقابل بقاء النظام العالميّ الذي تهيمن عليه الولايات المتّحدة.
هذا ليس خرق تحالفات، بل منطق إدارة نظام دوليّ من منظور القوّة الأميركيّة المهيمنة.
– عاشراً: خطر الانزلاق غير المنضبط.. لحظة 2026:
على الرغم من كلّ ما سبق، تبقى أخطر نقطة في هذا النموذج هي “الانزلاق غير المحسوب”.
في كانون الثاني 2026، تراكمت عناصر الخطر: كثافة قوّات بحريّة وجويّة، تدريبات متزامنة، تهديدات متبادَلة، وضغط سياسيّ داخليّ على جميع الأطراف.
في هذا السياق، قد يحوّل خطأ حسابيّ واحد الإدامة من أداة إدارة إلى فوضى غير قابلة للضبط.
حادي عشر: النّقد الذّاتيّ.. متى يفشل الإطار؟:
يفشل هذا النموذج إذا:
– انزلقت المنطقة إلى فوضى شاملة وغير محكومة.
– فُرض حسم قسريّ غير محسوب.
– أو قرّرت قوّة كبرى كسر القواعد مباشرة.
إذاً نموذج الإدامة هنا ليس ضمانة… بل مقامرة محسوبة.
ختاماً: من حروب الحسم إلى حروب الزمن:
نحن أمام تحوّل تاريخيّ في وظيفة الحرب: من السيطرة على الأرض إلى التحكّم في التدفّقات، ومن النصر السريع إلى إنهاك طويل الأمد، وفي هذا العالم لا ينتصر من يطلق النار أوّلاً، بل من يستطيع تحمّل أطول زمن من عدم اليقين.
إقرأ أيضاً: إيران: من الصّبر الاستراتيجيّ إلى النّزيف الاستراتيجيّ
حين تُدار الإدامة بوصفها خياراً استراتيجيّاً، لا يعود الزمن إطاراً للصراع، بل يتحوّل إلى أداة ضغط قائمة بذاتها، وتغدو التدفّقات ميدان الحرب الفعليّ.
* كاتب وباحث كويتي في الشؤون الدوليّة والجيوسياسيّة
لمتابعة الكاتب على X:
