يُشَبِّه كاتب تركيّ عودة نوري المالكي إلى الحكم في بغداد بحالة طوارئ حقيقيّة بالنسبة لتركيا لأنّها تعني احتمال انهيار البنية الهشّة التي بنتها استراتيجية أنقرة على طول الحدود الجنوبيّة في العراق دفعة واحدة.
وفقاً للكاتب والمستشار السياسيّ التركيّ ليفنت كمال، “يتبوّأ العراق اليوم مكانة محوريّة في حسابات تركيا الأمنيّة و”الطاقيّة” والتجاريّة. فهو بمنزلة حاجز ضدّ تداعيات الصراع الإقليميّ، شريك في مكافحة الإرهاب، سوق تصدير رئيس، وبوّابة إلى أوروبا للتجارة الخليجيّة عبر ممرّ طريق التنمية المزمع إنشاؤه. وعودة المالكي لقيادة الحكم في العراق تعرّض كلّ هذه الركائز للخطر في آن واحد”.
يشير كمال إلى أنّ ردّ فعل السوق الفوريّ على ترشيح المالكي كان دالّاً في هذا السياق، إذ انخفض الدينار العراقيّ في غضون أيّام بنحو 7%، وهو ما يعكس قلق المستثمرين إزاء تجدّد المواجهة بين الولايات المتّحدة والعراق، ومخاوفهم من ضغوط ماليّة من واشنطن.
في رأي الكاتب التركيّ، تكمن نقاط ضعف تركيا الأشدّ في شمال العراق. وتعتمد استراتيجية أنقرة هناك على ثلاثة افتراضات:
- علاقة عمل بين بغداد وحكومة إقليم كردستان.
- تنسيق ضمنيّ في المسائل الأمنيّة.
- ترابط اقتصاديّ يمنع التصعيد.
يذكّر كمال بأن المالكي فضّل تاريخيّاً المركزيّة السياسيّة، واصطدم تكراراً مع السلطات الكرديّة بشأن الميزانيّات وصادرات النفط والمناطق المتنازَع عليها، ويرجّح أن تؤدّي العودة إلى هذا النهج إلى إعادة إشعال التوتّرات بشأن سياسة الطاقة وتقاسم العائدات، وهي قضايا تؤثّر مباشرة على الشركات التركيّة، واتّفاقيّات خطوط الأنابيب، والتجارة عبر الحدود.
بالنسبة لتركيا، يُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية، فالعراق من أكبر الشركاء التجاريّين الإقليميّين لأنقرة، وعدم الاستقرار الاقتصاديّ جنوب الحدود يؤدّي سريعاً إلى اضطراب التجارة، مخاطر العملة، ونشاط غير رسمي عبر الحدود.
يرجّح كمال، في مقال في صحيفة تركيا اليوم الصادرة باللغة الإنكليزيّة، “أن تؤدّي عودة حكومة يقودها المالكي وتعتمد سياسيّاً على فصائل موالية لإيران إلى تدهور التعاون الأمنيّ ضدّ حزب العمّال الكردستانيّ
بغداد مركزاً للتّنافس الإيرانيّ–الأميركيّ؟
يرجّح كمال، في مقال في صحيفة تركيا اليوم الصادرة باللغة الإنكليزيّة، “أن تؤدّي عودة حكومة يقودها المالكي وتعتمد سياسيّاً على فصائل موالية لإيران إلى تدهور التعاون الأمنيّ ضدّ حزب العمّال الكردستانيّ، وهو ما قد يُقوِّض مبادرات مثل حملة “تركيا خالية من الإرهاب”.
يشير إلى التحذير الأميركيّ من خطر عودة المالكي “المتحالف مع إيران”، وإلى تحرّك “الإطار التنسيقيّ الشيعيّ” لدعمه، في محاولة لفرض حلّ عبر المواجهة بدل التوافق، وهو النهج الذي أثبت أنّه مزعزع للاستقرار خلال فترة ولاية المالكي السابقة. ويرى في هذه التحرّكات إشارة إلى سيناريو يصبح فيه العراق مجدّداً محور ضغط في التنافس الأميركيّ–الإيرانيّ.
يحذّر الكاتب من خطورة هذا السيناريو على الصعيدين الأمنيّ والاقتصاديّ:
- انخفاض التعاون مع بغداد سيدفع أنقرة إلى توسيع العمليّات العسكريّة، وهو ما يثير ردود فعل قوميّة في العراق، يسمح للميليشيات بتعزيز موقعها، ويزيد من خطر سوء الحسابات.
- ستتعرّض المبادرات الاقتصاديّة للتهديد. فمشروع طريق التنمية، الذي يربط الموانئ الجنوبيّة العراقيّة عبر تركيا بأوروبا، يُعدّ محوريّاً لرؤية أنقرة الاقتصاديّة الطويلة الأمد. ويعتمد نجاحه على التعاون بين تركيا وبغداد وإقليم كردستان، فضلاً عن حماية جزئيّة من الصراعات الإقليميّة. وستكون حكومة بغداد الموالية لطهران أقلّ حافزاً لإعطاء الأولويّة لهذا المشروع، خاصّة مع وجود مشاريع نقل إيرانيّة تنافسيّة تتجاوز تركيا بالكامل. وبالتالي أيّ تأخير أو تسييس أو إلغاء للمشروع يعني تراجع العراق عن استراتيجية اقتصاديّة متنوّعة والاعتماد على محور واحد، وهو ما يقلّل الفائدة الاستراتيجيّة لتركيا.
- يشكّل المعتقلون من تنظيم داعش الذين يُنقلون من سوريا إلى السجون العراقيّة تحدّيات لوجستيّة وأمنيّة لا يمكن لبغداد مواجهتها بمفردها. وفي الوقت نفسه، تصاعدت خطابات الميليشيات الموالية لإيران، مثل كتائب حزب الله ومنظّمة بدر، التي أكّدت استعدادها للانخراط في صراعات إقليميّة دفاعاً عن طهران.
- يزيد خطر انخراط العراق مباشرة في نزاعات إقليميّة من الضغوط على الحدود الجنوبيّة الشرقيّة من خلال الهجرة غير النظاميّة والتهريب والتهديدات الأمنيّة.
انخفاض التعاون مع بغداد سيدفع أنقرة إلى توسيع العمليّات العسكريّة، وهو ما يثير ردود فعل قوميّة في العراق، يسمح للميليشيات بتعزيز موقعها، ويزيد من خطر سوء الحسابات
مخاطر عالية وخيارات محدودة
في رأي الكاتب التركيّ، قد تضطرّ تركيا، في ظلّ حكومة يقودها المالكي، إلى اتّخاذ خيارات صعبة: فالمشاركة في ضغوط ماليّة على بغداد، مثل قيود على الدولار أو الرقابة المصرفيّة، قد تسرّع في تدهور الاقتصاد العراقيّ، وهو ما يضرّ بالمصدّرين والمقاولين الأتراك حتّى دون تدخّل مباشر. في المقابل، قد يضعف تجنّب المشاركة علاقات أنقرة مع واشنطن ويقلّل من نفوذها في العراق.
لكنّ القضيّة الجوهريّة، بحسب كمال، هي شكل العراق الذي سينشأ تحت قيادة المالكي. فالعودة إلى الحكم المركزيّ القائم على الفصائل الموالية لإيران من شأنها تقويض التوازن الهشّ الذي مكّن أنقرة من إدارة حدودها الجنوبيّة، توسيع تجارتها، ومواصلة مشاريع الربط الطويلة الأجل.
إقرأ أيضاً: نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!
يعتبر كمال أنّ المخاطر في عام 2026 أعلى من السنوات السابقة، إذ أصبحت تداعيات عدم الاستقرار مثل الهجرة غير النظاميّة والتهديدات الأمنيّة أكثر حدّة. وبالنسبة لتركيا، ليست عودة المالكي تكراراً للماضي فقط، بل تهديد بإعادة إشعال تحدّيات لم تُحلّ في لحظة حرجة.
تواجه أنقرة مهمّة معقّدة: دعم الاستقرار الإقليميّ دون إغضاب واشنطن، حماية التجارة مع الاستعداد للطوارئ، وردع التهديدات الأمنيّة دون إشعال ردود فعل قوميّة في العراق.
يخلص الكاتب إلى التحذير من أنّ المخاطر عالية، الخيارات محدودة، والعواقب المحتملة كبيرة، وهو ما يجعل عودة المالكي واحدة من أهمّ التطوّرات في العلاقات العراقيّة–التركيّة خلال السنوات الأخيرة، في ظلّ هامش مناورة ضيّق يفرض على أنقرة الموازنة بين تجنّب هيمنة إيران على العراق والحفاظ على علاقات عمل مع بغداد ومنع التداعيات الاقتصاديّة.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
