من العولمة إلى الإكراه: ترامب يُعيد تشكيل العالم

مدة القراءة 5 د

هل تستطيع أساطيل الرئيس دونالد ترامب تغيير وجه الشرق الأوسط؟ هل تستطيع، على الأقلّ، إنهاء نظام الملالي في إيران الذي وُلد عندما وطأت قدم آية الله الخميني أرض مطار طهران قادماً من باريس قبل سبعٍ وأربعين سنة؟

 

شعوب المنطقة لا تحبّ الحروب ولا تريد الدمار لإيران، بل تريد أن يستعيد شعبها العريق تراثه المنير ويلتحق بمواكب الحضارة من جديد، وينفض عنه رداء التخلّف والرجعية والعدوانية. فشعوب الشرق لا تنسى أن نظام آيات الله حوّل بلدانهم، منذ اللحظة الأولى لولادته، إلى ساحة للحروب الكبرى والصراعات الدموية والانقسامات الطائفية ونُصرة الأقليّة على الأكثريّة.

لكن الشكوك تحيط بصحّة الرهان على مشروع ترامب لتغيير صورة الشرق الأوسط نحو الأفضل. فقد بدا، بعد مرور عام على ولايته الجديدة، مجرّد رئيس جشع، طامحٍ لتوسيع خارطة بلاده ومواردها، على حساب البلدان الأخرى وثرواتها.

شعوب المنطقة لا تحبّ الحروب ولا تريد الدمار لإيران، بل تريد أن يستعيد شعبها العريق تراثه المنير ويلتحق بمواكب الحضارة من جديد

النفط هو الهدف؟

ترامب وضع يده بالقوّة على إدارة احتياطي النفط في فنزويلا، الذي يبلغ 18% من الاحتياطي العالمي، وبدأ يلمّح إلى رغبته بضمّ كندا إلى بلاده، وهي تملك حوالي 10% من الاحتياطي العالمي. فإذا أخضع كندا ثم انتصر على إيران، أو أجبرها على قبول سيطرته على مخزونها من النفط، تتحكّم الولايات المتّحدة الأميركية عندها بنصف احتياطي النفط العالمي. وقد يكون هذا أحد الأهداف الكبرى لمشروع ترامب.

بعد القبض على مادورو، أعلن الرئيس الأميركي أن بلاده سوف تتولّى إدارة اقتصاد فنزويلا، لكنه ما لبث أن تراجع عن ذلك بعد تفاهمه مع نائبة مادورو وخليفته، ديلسي رودريغيز. الآن تشكو رودريغيز من شدّة الضغوط الأميركية عليها في قطاع النفط، لمصلحة شركات الطاقة الأميركية، ممّا يوحي بأن سيطرة أميركا على نفط فنزويلا هي، من الأساس، سبب رئيسي لعملية ترامب ضد مادورو.

لم يكتفِ الرئيس ترامب بالسيطرة على فنزويلا ونفطها، بل أعرب عن رغبة قوية بالسيطرة على غرينلاند، الغنيّة بالموارد، والتي تبلغ مساحتها حوالي 2.17 مليون كيلومتر مربّع. بدأت طموحات الرئيس الأميركي تُثير اعتراضات الاتّحاد الأوروبي وحلفاء بلاده في المعسكر الغربي.

فقد أثارت أطماعه في غرينلاند مخاوف الاتّحاد الأوروبي. نعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أفكار الرئيس ترامب بالجنونية، فيما حذّر رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر من أنّ الولايات المتّحدة لا تتصرّف كحليف.

أطلق مارك كارني، رئيس حكومة كندا، ثورة جريئة في وجه ترامب في خطابه المثير في منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس. نبّه إلى أن العالم دخل عصراً جديداً محفوفاً بالمخاطر، تتنافس فيه القوى العظمى، وتحتاج فيه الدول المتوسّطة إلى توحيد قواها من أجل البقاء.

ترامب وضع يده بالقوّة على إدارة احتياطي النفط في فنزويلا، الذي يبلغ 18% من الاحتياطي العالمي، وبدأ يلمّح إلى رغبته بضمّ كندا إلى بلاده، وهي تملك حوالي 10% من الاحتياطي العالمي

حذّر كارني القادة المجتمعين في المنتدى من أنهم لن يكونوا في أمان إذا خضعوا للإكراه والتهديدات الاقتصادية. وقال إن القوى العظمى “بدأت في استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح، والرسوم الجمركية كوسيلة ضغط، والبُنى التحتية المالية كوسيلة إكراه، وسلاسل التوريد كنقاط ضعف يمكن استغلالها”. وأضاف، وسط تصفيق حار من القادة السياسيين والاقتصاديين المشاركين في مؤتمر دافوس: “على الدول المتوسّطة أن تتحرّك معاً، لأنها إذا لم تكن جالسةً إلى الطاولة، فستكون على قائمة الطعام”، أي أنها ستُؤكل.

تغيير الخرائط؟

ما لم يقله كارني كتبه دايفيد فرينش، الكاتب البارز في صحيفة “نيويورك تايمز”، الذي نبّه إلى أن ما كان يُعتبر قبل هذا الوقت أزمةً عابرة يبدو الآن تصدّعاً بنيوياً خطيراً في علاقات الولايات المتّحدة بحلفائها. وأضاف أن المسؤول عن ذلك هي سياسات الرئيس ترامب في ولايته الثانية، “التي تقوم على العدوانية والابتزاز وتقويض أسس النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية”.

إذا كان الرئيس ترامب يطمح، بنرجسيّته الفاقعة، إلى أن يُقال عنه إنه غيّر التاريخ، فإنه سائر نحو هذا الهدف، سواء كان يقود العالم إلى الأفضل أو إلى الأسوأ. فهو يُحدِث تباعاً تغييرات مهمّة في صورة العالم ونظامه السياسي والاقتصادي، بحيث إنه إذا تمكّن من تحقيق أهدافه، يكون العالم بعده مختلفاً عمّا كان عليه قبل تولّيه ولايته الثانية.

فهو بصدد إضعاف الأمم المتّحدة ليقيم مكانها “مجلساً للسلام العالمي” يكون له وحده فيه حقّ النقض، بدلاً من الحقّ المعطى في مجلس الأمن للدول الخمس التي انتصرت على ألمانيا النازية. وهو يقضي على العولمة، التي شكّلت لعقود ناموس العلاقات التجارية الدولية والتي “تُقدّس” انسياب البضائع دون قيود بين الأمم، فإذا به يلعب بالرسوم الجمركية ومعدّلاتها بشكل لا سابق له. وهو يتحرّك للقضاء على استقلالية المصرف المركزي، التي كانت ضمانة لحماية المجتمع من التضخّم، فيضغط على الاحتياطي الفدرالي لتخفيض معدّل الفائدة بما يناسب المصالح السياسية لحكومته، تحت طائلة التهديد بإقالة الحاكم وكبار معاونيه.

لائحة الأهداف الترامبية تطول، وقد تصل إلى تغيير خرائط الأمم، على الأقلّ خرائط الولايات المتّحدة وأوكرانيا وإسرائيل.

إقرأ أيضاً: ترامب يخنق إيران بالتّراكم: مرحلة النّزيف الاستراتيجيّ؟

مواضيع ذات صلة

طبول الحرب في إيران تُسمَع من العراق… إلى لبنان

أحكمت البوارج الأميركيّة الطوق، ليس فقط على إيران، بل على المنطقة الممتدّة من طهران إلى لبنان. انقلبت الطاولة في العواصم الأربع التي تغنّى، عام 2015،…

الشرع يؤسّس لمرحلة جديدة: نحو سوريا واحدة موحّدة

بعد أيام قليلة على اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، دخل الاتفاق بين الطرفين حيّز الإعلان الرسمي، كاشفًا…

“انتحار” الحزب بيد الحرس: مشاغلة الدفاعات الجوية المعادية

هل يدخل “الحزب” المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة إن حصلت؟ سؤال يتكرّر في أذهان وعلى ألسنةِ المُراقبين في لبنان والخارج. وهل فعليّاً يمتلك “الحزب” الأدوات المطلوبة…

انقلاب على نوّاف سلام؟

لم تكن المصادقة على موازنة 2026 أمراً مشكوكاً فيه، لكنّ الثقة الهزيلة التي نالتها بأكثريّة 59 صوتاً تعبق بالرسائل السياسيّة، وتؤسّس لمرحلة صعبة ستواجه حكومة…