العراق أمام تقاطع طرق.. “ملفّ تنظيم الدولة”

مدة القراءة 6 د

برزت خطوة نقل آلاف سجناء تنظيم “داعش” من سجون “قوّات سوريا الديمقراطيّة” في شماليّ وشرقيّ سوريا إلى العراق، بقرار أميركيّ وبتفاهمات إقليميّة ودوليّة معقّدة، بوصفها تحوّلاً استراتيجيّاً في إدارة أحد أكثر الملفّات الأمنيّة والقانونيّة استعصاءً في النظام الدوليّ المعاصر.

 

تبدو الخطوة في ظاهرها إجراءً أمنيّاً–لوجستيّاً فرضته تطوّرات ميدانيّة وتسويات سياسيّة جديدة في سوريا، لكنّها في جوهرها تمثّل محاولة متأخّرة لحسم إخفاق دوليّ امتدّ لأكثر من عقد.

هل نحن أمام بداية حلّ حقيقيّ أم نقل للأزمة من جغرافيا إلى أخرى؟ ولماذا اختارت واشنطن العراق تحديداً ليكون ساحة إدارة هذه المرحلة الحسّاسة؟ وهل العراق مستعدّ لتحمّل هذا العبء وتحويله إلى فرصة سياديّة وقانونيّة أم يواصل انتظار حلول خارجيّة لا تأتي؟

برزت خطوة نقل آلاف سجناء تنظيم “داعش” من سجون “قوّات سوريا الديمقراطيّة” في شماليّ وشرقيّ سوريا إلى العراق

سدّ ثغرات استراتيجيّة

ركّز التحالف الدوليّ طوال السنوات الماضية على منع عودة “داعش” عسكريّاً، وضبط السجون والمخيّمات، وتوفير التمويل والحراسة، لكنّه تجنّب الدخول في الشقّ الأصعب: المحاكمات، المسؤوليّات القانونيّة، وتسليم المعتقلين إلى دولهم أو تقديمهم إلى قضاء واضح وشفّاف.

لذلك قد تمثّل هذه الخطوة فرصة أمام العراق لرفض تقديمه كأنّه “مستودع” سجناء، وليكون مركز الحلّ هذه المرّة. بغداد اليوم في قلب معادلة متشابكة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن، السيادة، القانون الدوليّ، ومسؤوليّة المجتمع الدوليّ. فمَن هزم “داعش” عسكريّاً فشل في محاكمتها قانونيّاً، ويقف العراق اليوم عند باب هذا الفشل، لا بوصفه صانعاً له، بل بوصفه الطرف الذي تحمّل لسنوات أعباءه ويُطلب منه الآن إغلاقه.

الأحاديث كثيرة عن الإرهاب، الخطر، الخلايا النائمة، والتهديدات العابرة للحدود، لكنّ القليل فقط تحدّث عن الإرهابيّ أمام القضاء. أُدير هذا الملفّ بمنطق الاحتواء الأمنيّ لا بمنطق العدالة، وبمنطق السجون المتنقّلة لا بمنطق المحاكم، فتحوّل آلاف المعتقلين إلى مشكلة مؤجّلة تنتقل من جغرافيا إلى أخرى من دون أفق قانونيّ واضح.

تشكّل هذه الخطوة، من منظور الولايات المتّحدة، محاولة لسدّ ثغرات استراتيجيّة لطالما كانت قائمة في شماليّ وشرقيّ سوريا. قرار سحب ورقة “قسد” بوصفها الضامن الحصريّ لمشكلة السجون، بالتزامن مع تغيّر موازين القوى داخل سوريا، جعل الاستمرار في إدارة هذا العبء في تلك المناطق مخاطرة سياسيّة وأمنيّة. وباتت واشنطن، التي أعلنت بوضوح تقليص مستوى انخراطها في سوريا، بحاجة إلى إخراج هذه القضيّة من معادلات الصراع السوريّ الداخليّ، بعد التقارب الثلاثيّ الأميركيّ–التركيّ–السوريّ، وتحويلها إلى مسار قابل للإدارة عبر دولة مركزيّة دفعت ثمناً باهظاً لجرائم هذه المجموعات الإرهابيّة، وتملك اليوم فرصة تفعيل مؤسّساتها القضائيّة لحسم هذا الاختبار.

في الوقت نفسه، تسعى واشنطن إلى سحب واحدة من آخر أوراق الضغط السياسيّ المرتبطة بملفّ “داعش”، سواء تلك التي استخدمتها “قسد” لسنوات، أو تلك التي لوّحت بها بعض الدول الأوروبيّة لتبرير التهرّب من استعادة رعاياها. حين يصبح المعتقلون في عهدة العراق، تتقلّص هوامش المناورة السياسيّة، ويُعاد طرح السؤال الحقيقيّ: من سيحاكم هؤلاء؟ وبأيّ قانون؟ وعلى من تقع المسؤوليّة النهائيّة؟

أمّا العراق فأمامه فرصة التعامل مع قضيّة هي جزء من جروحه ونزفه. فالغالبيّة العظمى من هؤلاء المعتقلين عراقيّون، وجرائمهم وقعت على أرضه أو استهدفت مجتمعه. ستظل أيّ مقاربة عراقيّة لهذا الملفّ ناقصة ما لم تُدار بحساسيّة عالية تجاه الرأي العامّ الداخليّ، الذي يرى في هذه القضيّة جرحاً مفتوحاً لا مسألة تقنيّة أو إجرائيّة.

لا تمثّل خطوة نقل سجناء “داعش” إلى العراق نهاية أزمة، بل بداية مرحلة حاسمة. هي لحظة اختبار جديدة لملفّ أُدير لسنوات بمنطق التأجيل والتجزئة

اختبار صدقيّة

يدرك العراق أنّ الخطر الحقيقيّ لا يكمن في وجود هؤلاء داخل سجونه، بل في بقائهم ضمن فراغ قانونيّ مفتوح. ليس الزمن في هذا السياق عنصراً محايداً، بل عامل ضغط قد يعمل ضدّ الجميع، ويحوّل أيّ تأجيل إضافيّ إلى مخاطرة مضاعفة. تدرك القيادات العراقيّة أنّ نجاحها في هذه المهمّة قد يرسّخها شريكاً دوليّاً أساسيّاً في إدارة ملفّات مكافحة الإرهاب، بينما فشلها قد يضعها في مواجهة انتقادات حقوقيّة وضغوط سياسيّة ومخاطر أمنيّة داخليّة. ولذلك لا يتعلّق السؤال المركزيّ بقدرة العراق على الحراسة أو الاحتجاز، بل بقدرته على الانتقال من منطق “الاحتواء الأمنيّ” إلى منطق “الحسم القضائيّ”. هنا تتقاطع أسئلة التمويل، الغطاء الأمنيّ، والدعم الاستخباريّ مع السؤال الأهمّ: كيف ستُدار المحاكمات بشقَّيها الداخليّ وامتداداتها الخارجيّة؟

أعلن القضاء العراقيّ استعداده للتعامل مع القضيّة وفق قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005، وهو مسار قانونيّ واضح، لكنّه ليس كافياً. لا تتعلّق المسألة فقط بإصدار الأحكام، بل بملفّات إثبات، أدلّة جُمعت خارج الحدود، شهادات، ومسؤوليّات دوليّة عن رعايا أجانب شاركوا في جرائم موثّقة. ليس المأزق الحقيقيّ هنا في القبض على الإرهابيّ، بل في الاتّفاق على من يحاكمه وبأيّ قانون وتحت أيّ إشراف.

يفتح وجود مئات المعتقلين من جنسيّات غير عراقيّة الباب أمام إشكاليّات قانونيّة ودبلوماسيّة معقّدة تتطلّب تنسيقاً دوليّاً حقيقيّاً لا يقتصر على البيانات السياسيّة. إحدى أكبر مفارقات هذا الملفّ أنّ تنظيم “داعش” حُورب دوليّاً وصُنّف إرهابيّاً بقرارات أمميّة ودوليّة، لكنّ عناصره تُركوا لسنوات في فراغ قانونيّ، بلا محاكمات وبلا آليّة واضحة لتقاسم المسؤوليّات. لم تُنشأ محكمة دوليّة خاصّة على غرار نورمبرغ أو رواندا أو يوغوسلافيا السابقة، ولم تتحرّك المحكمة الجنائيّة الدوليّة بفاعليّة، وبقي الملفّ معلّقاً بين السيادة الوطنيّة والحسابات السياسيّة.

إقرأ أيضاً: تركيا والسعوديّة وباكستان: ثلاثيّ إعادة التّوازن الإقليميّ؟

يجد التحالف الدوليّ، الذي لعب الدور الأكبر في العمليّات العسكريّة والاستخباريّة، نفسه اليوم أيضاً أمام اختبار صدقيّة. فهل يبقى حضوره عند أبواب السجون فقط أم يمتدّ إلى دعم القضاء العراقيّ تقنيّاً ولوجستيّاً، والمساهمة في إعداد ملفّات قانونيّة متكاملة، والضغط على الدول لاستعادة رعاياها؟ سيعني غياب هذا الدور عمليّاً إعادة إنتاج الفشل السابق، لكن هذه المرّة على الأرض العراقيّة.

في المحصّلة، لا تمثّل خطوة نقل سجناء “داعش” إلى العراق نهاية أزمة، بل بداية مرحلة حاسمة. هي لحظة اختبار جديدة لملفّ أُدير لسنوات بمنطق التأجيل والتجزئة. يتطلّب نجاح هذه المرحلة تزامناً حقيقيّاً بين الأمن والقانون والسياسة، وانتقالاً واضحاً من محاربة الإرهاب بالسلاح إلى محاسبة الإرهابيّين أمام القضاء. البديل عن الحسم القانونيّ هو بقاء التهديد مفتوحاً. من يفشل في الحسم أمام العدالة فلن ينجح في ضمان الأمن، مهما طال زمن الحراسة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

من اغتيال الحريري إلى اسناد طهران: السلاح أداة للهيمنة؟

مع اقتراب موعد الذكرى الـ21 لإغتيال رفيق الحريري، ومع حال الهياج التي يعاني منها “الحزب” من رأسه إلى آخر عنصر فيه، من نوابه إلى أولئك…

دلالات الانسحاب الرّوسيّ من شرق سوريا

هل يشكّل الانسحاب الروسيّ من مطار القامشلي خطوة تقنيّة أم تحوّلاً سياسيّاً عميقاً في مقاربة موسكو للملفّ السوريّ؟ وماذا يعني تزامنه مع التوجّه الأميركيّ إلى…

خطاب قاسم: فائض الجنون.. مرة أخرى ودائمة

خطاب الأمين العام للـ “الحزب” الشيخ نعيم قاسم، الذي ألقاه خلال “اللقاء التضامني مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقيادتها”، لم يكن حدثاً سياسياً عابراً، ولا مجرّد…

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…