هل يمثّل “مجلس السلم” المقترح محاولة إصلاح أم إعلاناً غير مباشر لنهاية الشرعيّة الدوليّة التقليديّة؟ وهل بات العالم يُدار بمنطق القوة والمال لا بمنطق القانون والسيادة والمعايير المشترَكة؟
في منتدى دافوس الأخير، أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مبادرته لإنشاء مجلس للسلم، وقد وقّعت دول عديدة اتّفاق الانضمام إليه.
كان المجلس الذي يرأسه ترامب ويضمّ في مجلسه التنفيذيّ شخصيّات مقرّبة منه، قد اقترحه ترامب نفسه في أيلول 2025، انسجاماً مع قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 2803، وإن كانت المبادرة خاصّة أصلاً بأوضاع قطاع غزّة، لكنّها تحوّلت إلى إطار مؤسّسيّ جديد يرى البعض فيه بديلاً لهيئة الأمم المتّحدة. ومع أنّ الرئيس ترامب نفى بوضوح أن تكون الهيئة الجديدة بديلاً عن الأمم المتّحدة، تدلّ عدّة مؤشّرات على أنّ الأمر يعكس في الحقيقة تغيّراً نوعيّاً في منظومة العلاقات الدوليّة المتولّدة عن نهاية الحرب العالميّة الثانية.
في منتدى دافوس الأخير، أعلن الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مبادرته لإنشاء مجلس للسلم، وقد وقّعت دول عديدة اتّفاق الانضمام إليه
الجميع انتهك القانون؟
على الرغم من أنّ أسلوب ترامب في التحلّل من القانون الدوليّ ومن مؤسّساته مستفزّ ومثير، إلا أنّ الحقيقة التي لا مراء فيها هي أنّ النظام القانونيّ العالميّ الذي ضبط العلاقات الدوليّة في العقود الستّة الأخيرة لم يعُد فاعلاً ولا مؤثّراً في الخارطة الدبلوماسيّة الراهنة.
مع نهاية الحرب الباردة، برز الوعي لهذه الحقيقة، انطلاقاً من عاملين جديدين هما: نهاية نظام التوازن القطبيّ الذي كان يضبط معادلة العلاقات الدوليّة، وهيمنة أطروحة التقنين الليبراليّ للنظام العالميّ الجديد.
وفق هذين المستجدّين، تشكّلت أطروحة نظريّة جديدة تدعو إلى تجاوز مبدأ السيادة القوميّة الذي قام عليه القانون الدوليّ الحديث، من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان المحوريّة في ما وراء الاعتبارات السياسيّة والدبلوماسيّة التقليديّة. في هذه المرحلة، قرأنا لوجوه فلسفيّة وفكريّة بارزة في العالم الغربيّ اقتراحات لإعادة تأسيس النظام الدوليّ على أساس القيم الليبراليّة بتمديد معاييرها القانونيّة المحليّة إلى الإطار العالميّ الواسع.
كانت هذه الخلفيّة بارزة في حروب البلقان التي اندلعت في تسعينيّات القرن الماضي وتكرّس فيها ما سمّي بواجب “التدخّل الإنسانيّ” لحماية حقوق الإنسان الكونيّة، ولو بانتهاك مبدأ السيادة الوطنيّة وعدم التدخّل في الشؤون الداخليّة للدول.
كانت الخلفيّة نفسها حاضرة في أنماط الحروب التي شنّتها الولايات المتّحدة في بداية القرن الحالي، من منظور كسر الاستبداد ونشر الحرّية والديمقراطيّة، بما اقتضى العدول عن نظريّة السيادة إلى أطروحة “الحرب العادلة” في نسختها الجديدة غير اللاهوتيّة.
لم يكن الغرب الليبراليّ هو وحده الذي انتهك منظومة القانون الدوليّ، بل إنّ روسيا والصين ومعهما عدد من القوى الصاعدة من كتلة “الجنوب الشامل” اعتبرت أنّ هذه المنظومة الليبراليّة تعكس منطق الهيمنة الغربيّة وتستخدم الأدوات القانونيّة لتثيبت هذه السيطرة التامّة. ومن ثَمّ ضرورة مراجعة الأطر الجيوسياسيّة الدوليّة من منظور التعدّديّة القيميّة وتوازنات القوّة والمصلحة في عالم لم يعُد الغرب فيه يتحكّم بالموازين الكونيّة.
النظام القانونيّ الدوليّ دخل في أزمة عميقة في السنوات الأخيرة، بحيث لم تعد تثق به القوى الكبرى عمليّاً وإن تشبّثت به علناً
لا يمكن فهم حروب روسيا الأخيرة في مجالها الحيويّ (الشيشان ومولدافيا وجورجيا وأوكرانيا) إلّا من هذا المنظور.
هكذا نخلص إلى أنّ النظام القانونيّ الدوليّ دخل في أزمة عميقة في السنوات الأخيرة، بحيث لم تعد تثق به القوى الكبرى عمليّاً وإن تشبّثت به علناً.
عالِم السياسة الأميركيّ ستيفن كرازنر بيّن في كتابه “السيادة: خديعة منظّمة” أنّ النظام الليبراليّ يكون فعّالاً عندما يخدم مصالح القوى المهيمنة، وعندما لا يكون في مصلحتها تنتهكه دون حرج. فالسيادة ليست حقيقة فعليّة، بل هي إطار استراتيجيّ للممارسة والقرار، ومن هنا لا يمكن نعتها بأنّها أحاديّة ومطلقة وشاملة كما كان يُعتقد سابقاً، بل هي متجزّئة ومتغيّرة ومحدودة تقتضي دوماً الاعتراف الخارجيّ.
صحيح أنّ النظام الدوليّ المعاصر بنته الأوساط الليبراليّة على أساس مبدأ التزام الشرعيّة القانونيّة للحدّ من استخدام القوّة وضمان السلم العالميّ من زاوية الحقوق والحرّيات، إلّا أنّ هذا الإطار المعياريّ لم يكن يوماً قيداً فعليّاً على حركيّة ونفوذ الدول الكبرى.
في السنوات الأخيرة، ظهر أنّ نظام التوازنات الدوليّة لم يعد قادراً على وضع سياسات وقرارات ملزمة لحلّ معضلات ومشاكل العالم، وهو ما برز بقوّة في الحروب الأخيرة كما هو الحال في الصراع الأوكرانيّ-الروسيّ والحرب الإسرائيليّة في غزّة.
في السنوات الأخيرة، ظهر أنّ نظام التوازنات الدوليّة لم يعد قادراً على وضع سياسات وقرارات ملزمة لحلّ معضلات ومشاكل العالم
تصدّع النّظام القانونيّ؟
من هنا دعا البعض إلى إعادة بناء المنظومة الدوليّة على أسس جديدة، من أهمّها ما دعاه المفكّر الفنزويلّيّ مويسيس نعيم “التعدّديّة الصغرى “munilateralism، أي الاكتفاء بمجموعة صغيرة من الفاعلين الدوليّين من أجل تسوية المشاكل العالقة، بحثاً عن النجاعة والنتيجة العمليّة. بالنسبة لنعيم انهارت قدرة “الأسرة الدوليّة” على حلّ معضلات العالم لأنّ السلطة أصبحت مفكّكة والقوى الكبرى عاجزة عن فرض قراراتها، ولم تعد الدول تحتكر القدرات التنفيذيّة في سياق صعود الشركات العملاقة والمجتمع المدنيّ الكونيّ.
الواقع فعلاً أنّ هذه الصيغة الدنيا من التعدّديّة أصبحت تنافس المؤسّسات الدوليّة الشاملة، بدءاً من مجموعة السبع الصناعيّة ومجموعة العشرين ورابطة البريكس وتحالف “كواد” وتحالف “أوكوس”.
هكذا ندرك أنّ مبادرة ترامب ليست حالة نشازاً في الواقع الدوليّ الراهن، وإن كانت قُدّمت في صيغة غريبة مثيرة، بسبب نمط انتظامها وشروط الانضمام إليها وضبابيّة أهدافها.
في مقال عن مجلس السلم الجديد بعنوان “ما وراء الخيار الخاطئ: مجلس ترامب للسلم من حيث هو امتحان للقواعد والسلطة” كتب الباحث البولنديّ في العلاقات الدوليّة ماتشي داخوفسكي في موقع مؤسّسة “كازمير بولاسكي” أنّه لأوّل مرّة منذ 1945 يحاول لاعب أساسيّ عالميّ وضع آليّة للأمن من خارج الأطر المعياريّة والقانونيّة الدوليّة الكونيّة.
في النموذج الجديد، ليست القاعدة هي التي تحكم وإنّما السابقة: إذا نجح فعل سياسيّ معيّن أصبح مقبولاً، وهكذا تحلّ النجاعة العمليّة محلّ الإلزاميّة المعياريّة.
في النموذج الجديد، تُرسل دعوات الانضمام إلى الحكّام لا إلى الدول، في عدول صريح عن النظام الوستفاليّ الذي حدّد الدول بصفتها الأطراف الأساسيّة في العلاقات الدوليّة.
تقيم المبادرة المقترحة تراتبيّة جديدة في العالم على أساس المصادر الماليّة لا المساواة القانونيّة السياديّة بين الدول. لقد سبق لروسيا كما لاحظ الكاتب أن مارست سياساتها الاستراتيجيّة خارج المعايير المؤسّسيّة بتفضيل الأمر الواقع على المعايير القانونيّة، والصين أقامت أنواعاً من التعاون الثنائيّ والتعدّديّ خارج المؤسّسات الشرعيّة القائمة.
مبادرة ترامب ليست حالة نشازاً في الواقع الدوليّ الراهن، وإن كانت قُدّمت في صيغة غريبة مثيرة، بسبب نمط انتظامها وشروط الانضمام إليها وضبابيّة أهدافها
لذا يرمز مشروع ترامب إلى الإسراع في اتّجاه قائم فعليّاً، وهو التعويض التدريجيّ للمعايير المتقاسَمة بأصناف من الحوكمة قائمة على السلطة والنجاعة بدلاً من الالتزامات القانونيّة المشتركة.
في بعض تصريحات الرئيس ترامب والعناصر القياديّة في إدارته قد نفهم الحرص على العودة إلى الجيوسياسة الكلاسيكيّة القائمة على دوائر النفوذ ولو من منطلق اقتصاديّ جديد يتمحور حول مقوّمات القوّة المستقبليّة (من طاقات ومعادن نادرة)، بيد أنّ هذا الخطاب يتشابك مع سرديّة السيطرة الكليّة على العالم وما يترتّب عليها من مسؤوليّة أخلاقيّة ذاتيّة هي القيد الوحيد على القرار والإرادة كما قال ترامب نفسه.
إقرأ أيضاً: نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!
حاصل الأمر أنّ مجلس السلم الجديد الذي اقترحه الرئيس ترامب إطاراً لحلّ أزمات العالم يندرج في سياق تصدّع النظام القانونيّ الدوليّ بنسخته الليبراليّة وتغيّر معادلة التوازنات الاستراتيجيّة التي حفظت بقاءه في العقود الماضية، وإن لم يحقّق أهدافه المعلنة.
