لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن، الذي شكّل في مراحل طويلة من تاريخه فضاءً سياسياً مندمجاً في محيطه، ومعبّراً عن توازن نادر بين الجغرافيا والسلطة والمجتمع، يجد نفسه اليوم عند تقاطع قاتم بين انهيار الدولة وتحويلها إلى ساحة صراع جيوسياسي مفتوح. لذا، لا يعود السؤال عن “سعادة” اليمن سؤالاً وجدانياً، بل سؤالاً عن شروط الدولة، وحدود السيادة في زمن المحاور.
الأزمة اليمنية الراهنة، في جوهرها، ليست نتاج الحرب وحدها، بل نتيجة إخراج جزء من اليمن تدريجياً من فضائه العربي الطبيعي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية تتجاوز إرادة اليمنيين وحدود دولتهم. من هذا المنطلق، يصبح سؤال “متى يعود اليمن سعيداً؟” سؤالاً سياسياً ـ استراتيجياً بامتياز: متى يعود دولة لا ساحة، وفاعلاً عربياً لا أداة في مشاريع غير عربية؟
لم يكن اسم “اليمن السعيد” توصيفاً شاعرياً عابراً، ولا مجازاً جغرافياً أطلقه الرحّالة القدامى بدافع الدهشة فقط. كان اسماً سياسياً ـ حضارياً قبل أن يكون بلاغياً: دلالة على مجتمعٍ مستقر، مزدهر، متّصل بالعالم، وقادر على إنتاج معنى للحياة خارج العنف والعزلة. واليمن، في أحد أعمق مفارقات التاريخ العربي، هو البلد الذي حمل صفة “السعادة” باكراً، ثم عاش أطول فصول الشقاء الحديث. والسؤال اليوم ليس لماذا شقيَ اليمن، بل: متى، وكيف، وبأي شروط. وهل عودته سعيداً ممكنة من دون عودته إلى عمقه العربي، وفي القلب منه علاقته المصيرية مع المملكة العربية السعودية؟
لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة
اليمن القديم: الدولة قبل المفهوم
في التاريخ الطويل لليمن، لم تكن الجغرافيا عبئاً. على العكس، شكّلت موقعاً مركزياً في شبكات التجارة القديمة، وجعلت اليمن جسراً بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وجنوب آسيا. هذا الموقع منح اليمن قوة سياسية واقتصادية مبكرة، تُرجمت في بناء نظم ريّ متقدمة، وإدارة عقلانية للموارد، وقدرة على ضبط التنوّع القبلي ضمن إطار سياسي جامع.
غير أنّ الجغرافيا نفسها تحوّلت، في العصر الحديث، إلى عامل هشاشة حين غابت الدولة القادرة على إدارتها. فـ “باب المندب”، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لم يعد ورقة قوة سيادية، بل نقطة ضغط دولي وإقليمي. والجبال، التي شكّلت تاريخياً حصانة طبيعية، أصبحت ملاذات للميليشيات ومخازن للسلاح. في المنطق الجيوسياسي، لا تكون الجغرافيا خطراً بذاتها، بل تصبح كذلك حين تفشل السياسة في ترويضها. وهذا بالضبط ما حدث في اليمن.
ففي العصور السبئية والحميرية، لم يكن اليمن هامشاً في التاريخ، بل مركزاً. السيطرة على طرق التجارة، وبناء دولة قادرة على إدارة التنوع القبلي، جعلت اليمن قوة إقليمية قبل تشكّل المفهوم الحديث للدولة. و”سد مأرب” لم يكن مشروعاً هندسياً فحسب، بل تعبيراً عن عقل سياسي يعرف أن الاستقرار هو أساس السيادة.
لكن انهيار هذا النموذج المبكر لم يكن صدفة طبيعية فقط، بل نتيجة تصدّع العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين الداخل والعالم. ومنذ ذلك الحين، بدأ اليمن يتأرجح بين لحظات انفتاح قصيرة، وفترات انكفاء طويلة. من هنا، لا يمكن فصل أزمة اليمن عن فشل النخب المتعاقبة في تحويل الجغرافيا من عبء إلى رافعة. وحين تُترك الجغرافيا بلا دولة، تصبح تلقائياً أداة في يد الخارج، لا مورداً للداخل.
دخل اليمن الإسلام من دون صدمة حضارية. لم يكن الفتح عنيفاً، ولم تُمحَ البنى الاجتماعية القائمة، بل أُعيد دمجها في فضاء عربي ـ إسلامي أوسع
الإسلام ثم الإمامة … فالعزلة
دخل اليمن الإسلام من دون صدمة حضارية. لم يكن الفتح عنيفاً، ولم تُمحَ البنى الاجتماعية القائمة، بل أُعيد دمجها في فضاء عربي ـ إسلامي أوسع. في تلك المرحلة، كان اليمن جزءاً عضوياً من المجال العربي، يسهم في ثقافته ويتغذى من ديناميته.
غير أنّ القرون اللاحقة، وخصوصاً مع ترسّخ الإمامة الزيدية في الشمال، شهدت تحوّلاً عميقاً: انكفاء سياسي، وانغلاق ثقافي، وإعادة تعريف للسلطة بوصفها امتيازاً سلالياً لا عقداً اجتماعياً. لم يعد اليمن طرفاً فاعلاً في التحولات الكبرى لـ “العالم العربي” قبل أن يتحول مُصطلحاً سياسياً راهناً، بل مراقباً متردداً، أو منسحباً.
قدّمت الإمامة شكلاً من الاستقرار، لكنه كان استقراراً سكونياً، قائماً على تعطيل السياسة لا على تنظيمها. أُقصي المجتمع عن القرار، واحتُكرت الشرعية، وتحوّل الدين إلى أداة حكم مغلقة. في الوقت الذي كانت فيه المراكز العربية الأخرى تدخل عصر الدولة الحديثة، بقي اليمن أسير بنية سلطوية ترى في الخارج تهديداً دائماً، وفي الداخل رعية لا مواطنين.
من الإمامة إلى الحوثية: استمرارية البنية وانقطاع الدولة
لا يمكن فهم ما آل إليه اليمن من دون العودة إلى البنية السياسية التي حكمته طويلاً. فالإمامة لم تكن نظام حكم فحسب، بل نمطاً سلطوياً يقوم على احتكار الشرعية، وتعليق السياسة، وتحويل المجتمع إلى تابع. ورغم سقوطها الشكلي مع قيام الجمهورية، فإنّ هذه البنية لم تُفكّك جذرياً، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
الحوثيون اليوم، في هذا السياق، لا يمثّلون قطيعة مع الماضي، بل عودة مكثّفة له، بلغة أيديولوجية حديثة وأدوات عسكرية متطورة. فهم لا يطرحون أنفسهم حركة وطنية تسعى إلى دولة جامعة، بل سلطة مغلقة، سلالية في جوهرها، ترى في اليمن مجالاً للسيطرة لا كياناً للشراكة. بهذا المعنى، فإنّ “الحوثية” ليست أزمة سياسية عابرة، بل تهديد مباشر لفكرة الدولة اليمنية نفسها.
جاءت ثورة العام 1962، ثم وحدة العام 1990، بوصفهما لحظتين تاريخيتين نادرتين لإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس حديثة. غير أنّ الجمهورية وُلدت ضعيفة، محكومة بتوازنات قبلية وعسكرية. كان نتاج ذلك سياسياً: غابت المؤسسات، وتراجعت العدالة، وبقيت الدولة إطاراً شكلياً لصراع القوى، لا عقداً وطنياً جامعاً.
هذا الفشل البنيوي مهّد الطريق لانهيار الدولة لاحقاً. فحين ضعفت السلطة المركزية، وانهار الاقتصاد، وتآكلت الشرعية، أصبح اليمن أرضاً خصبة لصعود الميليشيات الحوثية، ولتدخّل القوى الإقليمية الباحثة عن موطئ قدم استراتيجي.
يعود اليمن سعيداً حين يُستعاد كدولة لا كساحة، وكفاعل عربي لا كأداة في مشاريع غير عربية
اليمن الحوثي: تهديد مباشر للأمن القومي العربي
في وضعه الراهن، لم يعد اليمن أزمة داخلية فحسب، بل تحوّل إلى أحد أخطر مصادر التهديد للأمن القومي العربي. فسيطرة الحوثيين على القرار السياسي والعسكري حوّلت اليمن إلى منصة متقدمة لمشروع إقليمي تقوده إيران، ويقوم على تطويق المنطقة العربية، وتهديد ممراتها الحيوية، وإضعاف دولها من الداخل.
تهديد الملاحة في البحر الأحمر، استهداف العمق الخليجي، واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة كورقة ضغط سياسية، كلّها مؤشرات على أنّ اليمن لم يعد يُدار بوصفه دولة، بل يُستخدم بوصفه أداة، وعند إيران على وجه التحديد. والأخطر من ذلك أنّ هذا الواقع يكرّس سابقة خطيرة: نجاح جماعة مسلّحة، مرتبطة بمحور غير عربي، في مصادرة دولة عربية وتحويلها إلى ورقة تفاوض إقليمية.
“الحوثيون” مع إيران: من الدعم إلى الاندماج الوظيفي
لم تعد العلاقة بين الحوثيين وإيران محلّ جدل تحليلي. فهي علاقة اندماج وظيفي، تتجلّى في الدعم العسكري، ونقل التكنولوجيا الصاروخية، والتدريب، وتوحيد الخطاب السياسي. في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، يمثّل اليمن موقعاً متقدّماً على البحر الأحمر وباب المندب، ونقطة ضغط مباشرة على الخليج العربي، وعنصراً أساسياً في شبكة نفوذ تمتد من المشرق إلى جنوب الجزيرة العربية.
بهذا المعنى، لم يعد الحوثيون فاعلاً محلياً يتلقى دعماً خارجياً، بل جزءاً عضوياً من مشروع إقليمي يعيد تعريف اليمن بوصفه وظيفة استراتيجية، لا وطناً ذا سيادة. وهذا ما يجعل استمرار سيطرتهم خطراً لا على اليمن وحده، بل على النظام الإقليمي العربي برمّته.
السعودية واليمن: من إدارة الخطر إلى بناء الاستقرار
في أي قراءة واقعية لمستقبل اليمن، لا يمكن تجاوز العلاقة مع المملكة العربية السعودية. فالسعودية ليست جاراً فقط، بل العمق الاستراتيجي الطبيعي لليمن الذي هو أيضاً مجالاً للأمن القومي السعودي. وقد شهدت هذه العلاقة تحوّلاً مهماً في السنوات الأخيرة، مع انتقال الرياض من مقاربة أمنية ضيّقة لـ “اليمن راهناً” إلى مقاربة تسعى إلى استقرار طويل الأمد.
إقرأ أيضاً: إيران وأميركا: حربٌ مؤجّلة وأذرع بلا مخالب
متى يعود اليمن سعيداً؟
يعود اليمن سعيداً حين يُستعاد كدولة لا كساحة، وكفاعل عربي لا كأداة في مشاريع غير عربية. يعود حين تُستعاد السياسة من السلاح، والهوية من السلالة، والمستقبل من أسر الماضي. “السعادة” هنا ليست وعداً أخلاقياً، بل نتيجة مشروع سياسي واضح: دولة، سيادة، واندماج عربي.
أمّا استمرار الوضع الراهن، فهو ليس تثبيتاً لتوازن هشّ، بل تراكم لأسباب انفجار أوسع، لن تبقى ارتداداته داخل اليمن وحده، بل ستطال الأمن القومي العربي بأسره. من هنا، فإنّ سؤال “متى يعود اليمن سعيداً؟” ليس سؤالاً يمنياً فقط، بل سؤالاً عن مستقبل النظام العربي، وقدرته على حماية دوله من التحوّل إلى ساحات.
سيعود “اليمن سعيداً” حين يتصالح مع تاريخه من دون أن يُؤسَر به، ومع جواره من دون تردد.
لمتابعة الكاتب على X:
