النّيل على صفيح ساخن

مدة القراءة 8 د

دخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مجدّداً على خطّ الخلاف المصريّ–الإثيوبيّ على سدّ النهضة، متعهّداً العمل على حلّه على الرغم من تعقيده، غير أنّ هذا التدخّل المتأخّر يثير سؤالاً جوهريّاً: هل تسعى واشنطن إلى حلّ الأزمة أم إلى إعادة هندسة موازين القوّة حولها؟

 

 

جاءت مبادرة ترامب عقب لقائه الرئيس المصريّ عبدالفتّاح السيسي في دافوس، واعتبر فيها أنّ السدّ الإثيوبيّ “تحوّل إلى قضيّة خطرة جدّاً، وسنرى ما يمكن عمله”. وأعلن عزمه جمع السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبيّ آبي أحمد، منتقداً في الوقت نفسه قرار الإدارة الديمقراطيّة السابقة “تمويل” بناء السدّ، ومشدّداً على الأهميّة البالغة لنهر النيل بالنسبة إلى مصر، ومتعهّداً بإيجاد حلّ فوريّ لهذا “الأمر الفظيع”.

أتت هذه التصريحات بعد أربعة أيّام من عرض ترامب استئناف الوساطة الأميركيّة في رسائل بعث بها إلى قادة مصر وإثيوبيا والسودان، بهدف كسر الجمود المستمرّ منذ فشل مفاوضات 2020، و”منع انزلاق الأمور نحو تصعيد عسكريّ خطر بين القاهرة وأديس أبابا”.

بحسب نصّ الرسالة الأميركيّة التي نشرها البيت الأبيض، أعرب ترامب عن أمله للتوصّل إلى صيغة تضمن إمدادات مياه مستقرّة لمصر والسودان، وتتيح لإثيوبيا بيع الكهرباء أو تزويد دولتَي المصبّ بها، مؤكّداً رفض بلاده “سيطرة أيّ دولة في هذه المنطقة بصورة أحاديّة على موارد النيل الثمينة بما يضرّ جيرانها”، في رسالة قرأ مراقبون أنّها موجّهة مباشرة إلى أديس أبابا.

يقف سدّ النهضة، المقام على النيل الأزرق، الرافد الأساسيّ الذي يغذّي مصر بالمياه العذبة، في قلب الصراع المصريّ الإثيوبيّ، وقد تحوّل إلى مصدر قلق دائم لصنّاع القرار في القاهرة، وإلى تهديد يلوح في الأفق لنحو 110 ملايين مصريّ يواجهون أصلاً أزمة مائيّة خانقة. وخلال سنوات الملء المتتالية، احتجزت إثيوبيا كميّات ضخمة من المياه كانت ستتّجه إلى مصر، وحتّى بعد بدء توليد الكهرباء، لا يزال السدّ، الذي انطلقت أعمال بنائه عام 2011، يتحكّم بجزء وازن من الحصّة المصريّة السنويّة.

دخل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مجدّداً على خطّ الخلاف المصريّ–الإثيوبيّ على سدّ النهضة، متعهّداً العمل على حلّه على الرغم من تعقيده

على مدى أعوام، وصف الرئيس المصريّ النزاع على سدّ النهضة بأنّه تهديد وجوديّ للدولة المصريّة، وطرقت القاهرة كلّ الأبواب السياسيّة والدبلوماسيّة المتاحة، سعياً للتوصّل إلى اتّفاق ملزم بشأن تشغيل السدّ. ومع استنفاد هذه المسارات، بدأت مصر خطوات استباقيّة لحماية حصّتها الحيويّة من مياه النيل، ومنع تحويل السد إلى أداة ابتزاز سياسيّ.

على الرغم من النفي الإثيوبيّ المتكرّر لمثل هذه النيّات، يبدو أنّ السدّ، الذي يتجاوز احتياجات البلاد الفعليّة من الكهرباء وقدراتها التصديريّة، صُمّم ليفتح فصلاً جديداً من “سياسات القوّة المائيّة” في القرن الإفريقيّ، وربّما خارجه.

استراتيجيات القاهرة المائيّة والبحريّة

مع إدراك القاهرة أنّ معركة المياه لا تُدار داخل مجرى النهر وحده، بل في محيطه الاستراتيجيّ الأوسع، انتقل ثقل تحرّكها من الدفاع الدبلوماسيّ إلى إعادة تشكيل بيئة القوّة المحيطة بإثيوبيا. ففي مواجهة هذا التحدّي، نسجت مصر شبكة واسعة من التعاون العسكريّ واتّفاقات الدفاع المشترك مع دول الجوار الإثيوبيّ، من إريتريا والصومال إلى جيبوتي وكينيا وأوغندا، في إطار استراتيجية تطويق توجّه من خلالها رسالة واضحة إلى أديس أبابا مفادها أنّ المساس بتدفّقات النيل، شريان الحياة المصريّ، يضع إثيوبيا ضمن نطاق الفعل العسكريّ والاستراتيجيّ للقاهرة.

تسعى هذه التحرّكات أيضاً إلى كبح الطموحات الإثيوبيّة البحريّة، وإفشال محاولات الوصول إلى البحر الأحمر عبر إنشاء قاعدة بحريّة في إقليم “أرض الصومال” المعلن من جانب واحد. وفي هذا السياق، شكّلت مصر مع المملكة العربيّة السعوديّة والصومال تحالفاً لإعادة رسم موازين النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يقوم على دعم الحكومة المركزيّة في مقديشو، منع تفكّك الدولة الصوماليّة، والتصدّي لمحاولات قوى إقليميّة، في مقدَّمها إسرائيل وإثيوبيا، استغلال السواحل الصوماليّة لتحقيق مكاسب استراتيجيّة عند البوّابة الجنوبيّة للبحر الأحمر وخليج عدن.

في الآونة الأخيرة، تغيّر المشهد الإقليميّ وتبدّلت قواعد اللعبة، ففي مقابل التحالف الإثيوبيّ–الإسرائيليّ، نسجت القاهرة شبكة تنسيق تمتدّ من أنقرة إلى الرياض، وتصل إلى إسلام آباد، ضمن تصوّر يربط الأمن المائيّ بالأمن البحريّ وبممرّات التجارة والطاقة.

هكذا، بين المطامع الإثيوبيّة، والهواجس المصريّة الوجوديّة، والبحث السودانيّ عن الاستقرار المفقود، يتحوّل النيل من مجرى مائيّ إلى مسرح صامت لصراع الإرادات، وباتت الوساطة تقاس بقدرتها على التعامل مع السياسة قبل التنمية، ومع التوازن قبل التدفّق.

بحسب نصّ الرسالة الأميركيّة التي نشرها البيت الأبيض، أعرب ترامب عن أمله للتوصّل إلى صيغة تضمن إمدادات مياه مستقرّة لمصر والسودان، وتتيح لإثيوبيا بيع الكهرباء أو تزويد دولتَي المصبّ بها

برود إثيوبيّ وحذر مصريّ

استقبلت إثيوبيا العرض الأميركيّ ببرود مدروس، فالسدّ، بعد افتتاحه الرسميّ في أيلول 2025، بات حقيقة مادّيّة ومشروعاً سياديّاً مكتمل الأركان في الوعي الإثيوبيّ. وتنظر أديس أبابا إلى الوساطة بوصفها محاولة متأخّرة لإعادة إدخال فاعل خارجيّ إلى مسار ترى أنّه تجاوز مرحلة التفاوض إلى مرحلة الإدارة الوطنيّة للمنشأة. وتعتبر أنّ أيّ تنازل في هذا التوقيت يُقرأ داخليّاً كمساس برمز وطنيّ، لا كمقايضة تقنيّة.

لوّحت أديس أبابا، بصورة غير رسميّة عبر وسائل إعلام محليّة، برغبتها في الحصول على منفذ بحريّ في “أرض الصومال” مقابل توقيع اتّفاق مُرضٍ لمصر والسودان، وهي مقايضة يُرجّح أن تكون مرفوضة بالكامل من جانب القاهرة.

في المقابل، قرأت مصر المبادرة من زاوية مختلفة. فعلى الرغم من الترحيب الرسميّ، اتّسم الموقف المصريّ بحذر عميق يعكس إدراكاً بأنّ إدارة الوقت باتت جزءاً من معادلة الردع. ترى القاهرة في الوساطة فرصة محتملة لإعادة تدويل الملفّ ضمن مرجعيّة القانون الدوليّ، لكنّها تدرك محدوديّة الضمانات السابقة. لذا جاء الخطاب المصريّ جامعاً بين الانفتاح السياسيّ والتشديد على الثوابت: الأمن المائيّ، عدم الإضرار، والاتّفاق القانونيّ الملزِم.

تخشى القاهرة أن تؤدّي المبادرة على نحو خاصّ إلى خفض سقف المطالب المصريّة–السودانيّة من المشاركة الفعليّة في إدارة السدّ إلى تنسيق تقنيّ وتبادل معلومات فقط. وتثير مخاوفَ إضافيّة إشاراتُ ترامب إلى “تقاسم المياه”، وهو مصطلح ترفضه القاهرة لأنّه يتعارض مع قواعد الاستخدام العادل وعدم الإضرار.

أمّا السودان فقد بدا الأكثر ترحيباً، مدفوعاً باعتبارات داخليّة. فالخرطوم، المثقلة بالحرب الأهليّة وانقسام المؤسّسات، ترى في التدخّل الأميركيّ رافعة محتملة لتقليل المخاطر التقنيّة للسدّ المحاذي لحدودها، وتنظر إلى الوساطة كمساحة لتقليل الخسائر أكثر منها منصّة لإعادة صياغة شاملة للملفّ.

السّيناريوات المحتملة

تبقى واشنطن الجهة الأكثر قدرة على تحريك أزمة سدّ النهضة المستعصية، غير أنّ التحدّي الحقيقيّ يكمن في مدى جدّيّتها في ثني أديس أبابا عن استخدام الأمن المائيّ كأداة ابتزاز سياسيّ. وتملك، نظريّاً، أدوات ضغط فاعلة، من مؤسّسات التمويل الدوليّة إلى تحريك تحالفات إقليميّة ترفع كلفة الاستمرار في سياسة الأمر الواقع.

يتمثّل السيناريو الأوّل في استئناف المفاوضات المباشرة على أساس النصّ الأميركي لعام 2020، مع توسيع إطارها ليشمل الاتّحاد الإفريقيّ والبنك الدوليّ، بما يوفّر رقابة تقنيّة وقانونيّة واضحة، واتفاقاً مرحليّاً يحفظ حقوق مصر والسودان ويتيح لإثيوبيا تطوير مواردها الكهربائيّة.

أمّا السيناريو الثاني فيقوم على توظيف الوساطة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليميّ، بحيث تستخدم واشنطن الملفّ لتأكيد مركزيّتها في إفريقيا والشرق الأوسط، عبر مزيج من الضغوط الاقتصاديّة والحوافز التنمويّة، مثل تبادل الكهرباء أو الاستثمارات المشتركة في الطاقة والموانئ.

إقرأ أيضاً: أميركا في غرينلاند من الحماية إلى الابتزاز

يظلّ السيناريو الأصعب هو إعادة بناء الثقة وضمان حياد الوسيط، وفرض آليّات إلزاميّة تمنع السيطرة الأحاديّة على موارد النهر. لا يعني فشل هذا المسار العودة إلى الجمود، بل الانتقال إلى أنماط أكثر خشونة في إدارة الصراع.

لكن لا يمكن فصل عرض ترامب عن التحوّلات الجارية في النظام الإقليميّ، ومساعي الولايات المتّحدة إلى إعادة التموضع في ملفّات الموارد العابرة للحدود. فالنيل ليس شأناً بين دول المنبع والمصبّ، ولا شريان حياة لمصر والسودان، ولا مشروعاً تنمويّاً لإثيوبيا فحسب، بل عقدة يتشابك فيها التاريخ بالجغرافيا، والسيادة بالاستقرار، والتنمية بالردع، والقانون بموازين القوّة.

من هنا، تتجاوز الوساطة منطق إدارة النزاع إلى محاولة صوغ إطار ضابط لتوزيع النفوذ في حوض النيل، تحت مظلّة دور أميركيّ يسعى لاستعادة وظيفة الضامن والمنسّق. وهنا تحديداً لا يصبح السؤال الحقيقيّ: هل كان ترامب سينجح في حلّ الأزمة؟ بل أيّ شكل من النظام المائيّ–السياسيّ سيخرج من رحم هذه الوساطة؟

مواضيع ذات صلة

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…

إصرار “الثّنائيّ” على الانتخابات استباقٌ لمعادلات المنطقة

يختصر الخلاف اللبنانيّ على الانتخابات النيابيّة الصراع على موقع الطائفة الشيعيّة في التركيبة الداخليّة في مرحلة ما بعد حروب المنطقة. اكتسبت قيادتها الممثّلة بثنائيّ “الحزب”…

مؤتمر دعم الجيش: إعادة سلاح “الحزب” إلى سوريا..

تستعدّ باريس لتنظيم مؤتمر دعم الجيش اللبنانيّ المعوّل عليه لمساعدة المؤسّسة العسكريّة في تنفيذ مهمّة حصر السلاح، حيث تدور في أجواء المؤتمر أربعة شروط يفترض…

واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بالتزامن مع تحديد موعد ومكان الجولة الثانية من المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة، المقرّرة اليوم الثلاثاء  في مدينة جنيف السويسريّة، بدأت تتّضح صورة الملفّات المطروحة على…