تتبادل واشنطن وطهران التهديدات فيما تواصل الولايات المتّحدة تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة. فهناك من يعتبر أنّ هذا التصعيد قد ينتهي بعمل عسكريّ، في حين يرى آخرون أنّ كثافة التحشيد بحدّ ذاتها تشير إلى غياب نيّة الهجوم، إذ إنّ أيّ ضربة حقيقيّة غالباً ما تكون مباغتة، من دون تمهيد علنيّ، وبعيداً عن الأضواء.
الردّ الإيرانيّ ضعيف. وقد كانت إيران من قبل تلجأ إلى الأذرع. لكنّ سورية خرجت من اليد الإيرانيّة، والحشد الشعبيّ العراقيّ لا يقاتل، لكنّ إيران ما تزال تمارس تأثيرها عبره في الداخل العراقيّ، وهذا ما ظهر في ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وذراع “الحزب” ما تزال موجودة على الرغم من ضعفها، لكنّ تأثيراتها السلبيّة داخليّة وحسب، فهل يستطيع لبنان التحرّر من سلاح “الحزب” وتأثيراته؟!
تقلّص النّفوذ الإيرانيّ؟
ينقسم المراقبون في تقديرهم لمآلات الحشد العسكريّ والاستراتيجيّ الأميركيّ في منطقة الشرق الأوسط والخليج. فهناك من يرى فيه استعداداً جدّيّاً للحرب، لكنّها مستبعدة في المدى القريب، لا سيما في ظلّ اقتراب تنفيذ المرحلة الثانية من اتّفاق غزّة، استمرار الاضطراب في سورية، وأزمة المؤسّسات القائمة في العراق، فيما تبدو إسرائيل أكثر حماسة لدفع الأمور نحو مواجهة واسعة، بهدف التملّص من التزاماتها في غزّة ولبنان، ومواصلة سياسة المساومة على ملفّ الأمن في سورية.
في المقابل، يذهب فريق آخر إلى استبعاد خيار الحرب بسبب هذا الحشد تحديداً، إذ لو كانت واشنطن تتّجه فعلاً إلى المواجهة لبادرت إليها على نحو مفاجئ، ولذلك يرجّح هؤلاء أن يكون هذا الاستنفار أداة تخويف وإرغام، هدفها فرض التفاوض وفق الشروط الأميركيّة.
تتبادل واشنطن وطهران التهديدات فيما تواصل الولايات المتّحدة تعزيز حضورها العسكريّ في المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات متناقضة
بالطبع لو كانت إيران أقوى لردّت على التهديدات المهينة وشبه اليوميّة بالمبادرة إلى فعل شيء غير القول إنّها مستعدّة لصدّ الهجمات ومهاجمة القواعد والمصالح الأميركيّة بالمنطقة في حال حصول هجوم. لقد كانت تفعل ذلك سابقاً عبر أذرعها بالعراق وسورية ولبنان واليمن. أمّا اليوم فقد تراجع هذا النفوذ بشكل ملحوظ، فاليمن بات مكسور الجناح بعد حملة دوليّة استمرّت أكثر من عامين، ولم تعد لدى إيران في العراق ذراع ذات قيمة، وأقصى ما تستطيعه الأذرع العراقيّة هو الضغط على الحكومة العراقيّة لكي لا تتنكّر لإيران على الرغم من الضغوط الأميركيّة.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فهم ترشيح المالكي من جانب الحشد الشعبيّ لرئاسة الحكومة إلّا بالإصرار الإيرانيّ على التحدّي بهذه الطريقة. فالمالكي “صوفته حمراء” لسائر الجهات الأمنيّة والعسكريّة والماليّة، وكذلك العلاقات بدول الجوار والمحيط منذ خيبته عام 2014 في منع داعش من الاستيلاء على ثلث العراق لن يقبل السنّة والأكراد ترشيح المالكي، وكذلك الأميركيون. لكنّ التوتّرات الناجمة عن ذلك تخدم إيران في مجال اختبار إمكانات النفوذ والتأثير.
الذراع الإيرانيّة في العراق فعّالة من النواحي الماليّة والإداريّة والسياسيّة. لكنّ الأميركيّين يضغطون بشدّة. ولا شكّ أنّهم كانوا يفضِّلون أن يبقى محمّد شياع السوداني الذي يقال إنّه تخلّى في الظاهر تحايلاً، وما انتهت حظوظه بعد.
تهديد الاستقرار الدّاخليّ
إنّ الذراع الإيرانيّة الأخرى الفعّالة هي “الحزب” في لبنان، الذي تكسّرت أجنحته وأقدامه، لكنّه ما يزال قادراً على الصراخ والرفض. يرفض نزع سلاحه بضجيجٍ وجَلَبة، وكان يستطيع الرفض بدون صوتٍ عال. ولذلك هناك من يذهب إلى أنّ الصوت العالي للرفض مطلوبٌ إيرانيّاً لأنّ “الحزب” في الأعمّ الأغلب لن يتمكّن من إطلاق النار تجاه إسرائيل إن وقعت الحرب، وإنّما سيكون تأثيره على حكومة لبنان وليس على العدوّ الصهيونيّ!
الحكومة اللبنانيّة في موقع قصورٍ وعجز لأنّها لا تريد إثارة نزاعٍ داخليّ مسلَّح، ومن جهةٍ ثانية لا تستطيع الصبر على استعصاء الحزب المسلّح بسبب ضغوط الاحتلال الإسرائيليّ: إمّا نزع السلاح أو نبقى محتلّين، وتبقى القرى اللبنانيّة بجنوب الليطاني مهجورة ومدمَّرة(!)، وتستمرّ الغارات اليوميّة الإسرائيليّة.
لو كانت إيران أقوى لردّت على التهديدات المهينة وشبه اليوميّة بالمبادرة إلى فعل شيء غير القول إنّها مستعدّة لصدّ الهجمات ومهاجمة القواعد والمصالح الأميركيّة بالمنطقة في حال حصول هجوم
ما مدى تأثير تصرّفات الأذرع على مسائل توازن القوى والحرب والسلم؟ لم يعد لها تأثير في الميزان العسكريّ والأمنيّ. لكنّ بقاء الحشد الشعبي و”الحزب” يهدّد الاستقرار في البلدين، ويعطّل سلامة الحياتين السياسيّة والاقتصاديّة، بحيث تظلّ الدولتان دولتين فاشلتين. كيف تنظر إيران إلى ذلك، وبخاصّةٍ أنّ أكبر المتضرّرين في الحالتين هم من الشيعة (!). يعتقد الإيرانيّون أنّ البلدين مهمّان للغرب ولأميركا، ولذلك لن يتخلَّوا عنهما على الرغم من سَوطَي السلاح والفساد المضرَّين بالبلدين وبالمنطقة.
فلنذهب للجهة الأخرى من المشهد: كيف يفكّر الأميركيّون والإسرائيليّون بشأن العراق ولبنان؟ يرون أنَّ إيران تستفيد فوائد عظيمة ماليّة واقتصاديّة من العراق، ولذلك يقومون بضغوط هائلة لإحكام الحصار على طهران لهذه الناحية. وهم يستطيعون قطع الحبل الماليّ والاقتصاديّ عن العراق لأنّ مداخيل النفط تأتي وتذهب من خلالهم.
إقرأ أيضاً: الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟
أمّا بالنسبة للبنان فهناك ملاحقات قويّة لمداخيل “الحزب” من التجارة غير المشروعة بالمخدّرات وغسل الأموال، والوسائط الماليّة من خارج آليّات السوق. بيد أنّ الهمَّ الرئيس يبقى سلاح “الحزب”، وقد تضاءلت فعّاليّته تجاه إسرائيل، لكنّه بالنسبة للداخل اللبنانيّ ما يزال يتحكّم بمناطق ويؤثّر في انتشار الجيش وقوى الأمن الداخليّ، علاوة على تأثيراته السلبيّة في سائر الوزارات والمرافق، وكلّ ذلك بوهج السلاح، كما يقال. ولذلك يقول الأميركيّون والأوروبيّون إنّ اللبنانيّين ينبغي أن يكونوا مهتمّين أكثر من الإسرائيليّين بنزع سلاح “الحزب”! كيف تقوم دولة إلى جانبها ميليشيا، والدولة دائماً في حالة دفاع، بينما الميليشيا في حالة هجوم؟! نعيم قاسم خاطبنا متحدّياً: نزع سلاح المقاومة طويل على رقبتكم! حتّى الآن الأمر كذلك، وإنّما الواجب رفع الرأس واختراق هذا الحائط المسدود أو تتهدّد فكرة الدولة بعدما تهدّدت ممارساتها.
لمتابعة الكاتب على X:
