عودة المالكي بمواصفات “التوافق اللبناني”

مدة القراءة 8 د

يواجه المشهد السياسيّ في العراق تداخلاً غير مسبوق في العديد من الملفّات المعقّدة والمفصليّة، تبدأ من تحدّي الالتزام بالتوقيتات الدستوريّة لإنهاء انتخاب الرئاسات الثلاث، الذي انطلق بانتخاب رئيس البرلمان، ومن المفترض أن يُستكمل بانتخاب رئيس للجمهوريّة قبل نهاية الشهر الجاري، كانون الثاني 2026، ولا ينتهي عند تداعيات نقل معتقلي تنظيم داعش من سجون قوّات سوريا الديمقراطيّة “قسد” في شمال شرقيّ سوريا إلى سجون داخل الأراضي العراقيّة.

بين هذين الملفّين، تبرز قضايا مستقبل ودور الفصائل المسلّحة، مشاركتها في الحكومة المقبلة، التخلّي عن سلاحها، وتمكين الدولة العراقيّة ومؤسّساتها من إدارة الشؤون الأمنيّة والعسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة.

 

في ظلّ هذه التحدّيات، يبدو أنّ “الإطار التنسيقيّ” حسم خياراته، وأنهى الجدل الذي سيطر على نقاشاته خلال الشهرين الماضيين، وأعلن في بيان رسميّ تبنّي ترشيح زعيم “ائتلاف دولة القانون”، رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لتولّي رئاسة الحكومة المقبلة بأغلبيّة أصوات أعضائه، مع استمرار كلّ من “تيّار الحكمة” بقيادة عمّار الحكيم، وكتلة “صادقون”، الجناح السياسي لفصيل “عصائب أهل الحقّ” بقيادة قيس الخزعلي، في رفضهما خيار المالكي، وفي الوقت نفسه وضعا شروطاً تلبّي مطالبهما وتحفظ حصصهما في الحكومة وإدارة المرحلة المقبلة.

يصرّ الحكيم على مطلبين أساسيَّين هما انتقال رئاسة “الإطار التنسيقيّ” إليه وأن تكون وزارة النفط من حصّة تيّاره، لكنّ هذا الطرح واجه رفضاً من قيادات “الإطار”، الأمر الذي قد يعمّق الخلاف بينهم وبين الحكيم، الذي لوّح بالانسحاب من “الإطار”.

استبعاد فيحان

في المقابل، يواجه الخزعلي و”الإطار” معاً ضغوطاً أميركيّة لاستبعاد النائب الأوّل لرئيس البرلمان عدنان فيحان، المحسوب على “عصائب أهل الحقّ” المدرجة على لوائح الإرهاب الأميركيّة. وهو شرط تضعه الإدارة الأميركيّة على القوى والأحزاب العراقيّة، وتحديداً الشيعيّة، من داخل “الإطار” وخارجه، مفاده عدم القبول بمشاركة أيّ شخصيّة تنتمي إلى الجماعات أو الفصائل أو الميليشيات المحسوبة على إيران في المواقع الحكوميّة والدستوريّة.

التفاهم بين هذين القطبين قد يزيد من حدّة الخلاف بين “الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ” و”الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ” على منصب رئيس الجمهوريّة

واجه حسْم “الإطار التنسيقيّ” لخيار ترشيح المالكي عقبات كثيرة، بدءاً بمحاولة الحكيم عرقلته بأساليب متنوّعة، من خلال طرح مسألة استمزاج رأي المرجعيّة. عندما رفضت النجف هذا الطرح واعتبرته محاولة لتوريطها وزجّها مباشرة في العمليّة السياسيّة، حاول الحكيم، ومعه الخزعلي، كسب الموقف الإيرانيّ إلى جانبهما، بما يضمن وقوف الفصائل المشاركة في “الإطار” مع خيارهما ترشيح شخصيّة محايدة

طهران: المالكي هو الأنسب

إلّا أنّ ما سمعه الموفدون إلى طهران كان واضحاً وصريحاً في أنّ إيران لن تتدخّل في النقاشات الدائرة داخل “الإطار” الشيعيّ، وأنّ خيار المالكي قد يكون الأنسب للعراق والمنطقة في هذه المرحلة الدقيقة.

يبدو أنّ تأثيرات الموقف الإيرانيّ تُرجمت سريعاً من خلال تخلّي فصائل “الإطار” عن تحفّظها على خيار المالكي، كتحالف “خدمات”، حركة “حقوق”، منظّمة “بدر”، حركة “أساس”، و”المجلس الأعلى”. بناءً عليه، يمكن القول إنّ ترشيح المالكي بات يستند إلى قاعدة برلمانيّة تضمّ أكثر من 130 نائباً من أصل أكثر من 170 يشكّلون حصّة المكوّن الشيعيّ.

مقابل هذا النأي الإيجابيّ للجانب الإيرانيّ عن تفاصيل العمليّة السياسيّة العراقيّة، يبدو أنّ هذا الخيار لم يكن ليصبح عمليّاً لولا حصوله على ضوء أخضر أميركيّ، لا سيما أنّ قوى “الإطار” الشيعي تدرك حجم الضغوط التي تُمارَس ضدّها، إضافة إلى سلّة من الإجراءات القانونيّة والعقابيّة وحتّى الماليّة التي تُعدّها الإدارة الأميركيّة للعراق في المرحلة المقبلة، خصوصاً في ما يتعلّق بدور الفصائل في تبييض الأموال والفساد وتوفير مصادر التمويل لإيران.

بالتالي قد تكون عودة المالكي مقبولة أميركيّاً لما يملكه من قدرة على استيعاب هذه الفصائل وإقناعها بالتخلّي عن المشاركة في الحكومة، مقابل ضمان حقوقها ومصالحها والتخفيف من محاصرتها.

يمكن القول إنّ ترشيح المالكي بات يستند إلى قاعدة برلمانيّة تضمّ أكثر من 130 نائباً من أصل أكثر من 170 يشكّلون حصّة المكوّن الشيعيّ

تفاهم مع الأكراد على الرّئاسة

يعني إعلان “الإطار” ترشيح المالكي أنّ الطريق إلى الجلسة البرلمانيّة المقرّرة لانتخاب رئيس الجمهوريّة في 28 من الشهر الجاري، كانون الثاني 2026، لن تعبر التوقيتات الدستوريّة من دون تفاهمات مسبقة. يشير هذا إلى أنّ تفاهماً قد حصل بين “الإطار” والمكوّن الكرديّ على شخصيّة رئيس الجمهوريّة المقبل. إذ إنّ الجلسة البرلمانيّة لن تقتصر على انتخاب الرئيس، بل من المفترض أن تشهد أيضاً إعلان الكتلة النيابيّة الكبرى عدداً التي يحقّ لها اختيار مرشّح رئاسة الحكومة.

جاءت الإشارة من إربيل مع إعلان نوزاد هادي، أحد مرشّحي “الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ” بزعامة مسعود بارزاني، انسحابه من السباق إلى رئاسة الجمهوريّة لمصلحة المرشّح فؤاد حسين، وزير الخارجيّة في الحكومة المنتهية الصلاحيّات، في حين يتمسّك “حزب الاتّحاد الوطنيّ” بقيادة بافل طالباني بمرشّحه لموقع الرئاسة نزار آميدي.

أوّل تداعيات عودة المالكي إلى موقع قيادة السلطة التنفيذيّة هو العودة إلى السياقات السابقة في تركيب التحالفات، ولا سيما بينه وبين الزعيم الكرديّ مسعود بارزاني، الذي سارع إلى الترحيب بترشيحه، معلناً استعداده لتقديم الدعم والمساعدة في معالجة القضايا الخلافيّة وتجاوز العقبات والتحدّيات التي تواجه البلاد.

إلّا أنّ التفاهم بين هذين القطبين قد يزيد من حدّة الخلاف بين “الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ” و”الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ” على منصب رئيس الجمهوريّة، إذ يتسلّح الأوّل بضرورة التغيير والبناء على قوّة التمثيل الشعبيّ والسياسيّ، فيما يتمسّك الثاني بالأعراف السياسيّة وتقاسم المواقع داخل المكوّن الكرديّ. من هنا تأتي أهميّة التفاهم مع المكوّن الشيعيّ الأكبر ذي القدرة على تجيير أصواته البرلمانيّة لمرشّح أيّ من الحزبين الكرديَّين.

واجه حسْم “الإطار التنسيقيّ” لخيار ترشيح المالكي عقبات كثيرة، بدءاً بمحاولة الحكيم عرقلته بأساليب متنوّعة

انقسام السّنّة

أمّا إعلان “الإطار” ترشيح المالكي فقد انعكست تردّداته على المكوّن السنّي، ولا سيما الإطار السياسيّ الجديد الذي تشكّل قبل أشهر، أي المجلس الوطنيّ، إذ أحدث هذا الترشيح انقساماً واضحاً بين صفوف أعضائه. أصدر حزب “تقدّم” بقيادة محمد الحلبوسي، “السيادة الوطنيّة” بقيادة خميس الخنجر، و”الجماهير” بقيادة أحمد الجبوري، بياناً حذّروا فيه من تداعيات عودة المالكي، وأعلنوا مخاوفهم من العودة إلى مرحلة الصراعات والانقسامات وتوظيف السلطة لاستبعاد وإقصاء الخصوم والمكوّنات الأخرى، ولمّحوا إلى مسؤوليّة المالكي عن الانهيار الأمنيّ والعسكريّ الذي أدّى إلى دخول داعش وسيطرته على أجزاء من العراق.

في المقابل، أعلن زعيما تحالف “عزم” بقيادة مثنّى السامرائي، وائتلاف “حسم” بقيادة وزير الدفاع ثابت العبّاسي، ترحيبهما بخيار “الإطار”، مؤكّدين أنّ البيان الصادر عن المجلس السياسيّ لا يمثّل جميع أعضائه بل الموقّعين عليه فقط.

بمقدار الخوف والحذر اللذين تضمّنهما بيان القوى السنّيّة من عودة المالكي، يبرز خوف آخر لدى هذه القوى من إمكان تحالف المالكي مع بارزاني، ولا سيما أنّ بارزاني لعب دوراً محوريّاً في استبعاد محمّد الحلبوسي من رئاسة البرلمان.

بالتالي قد يقع البيان في خانة الهجوم الاستباقيّ أو التحذيريّ من أيّ تطوّرات وتعقيدات سياسيّة قد تشهدها الولاية الثالثة للمالكي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف ممّا يحصل بين العراق وسوريا بشأن نقل عناصر داعش المعتقلين لدى “قسد” إلى السجون العراقيّة، واحتمال حصول انتكاسة أمنيّة قد تعيد إنتاج دورة العنف من جديد.

إقرأ أيضاً: العراق: عودة المالكي المعلَّقة

إذا جازت الاستعانة بالأدبيّات السياسيّة اللبنانيّة، واستعارة مصطلح “الشرعيّة الميثاقيّة”، يمكن القول إنّ المالكي حصل على تمثيل غالبيّة المكوّن الشيعيّ، وغالبيّة المكوّن الكرديّ، إضافة إلى غطاء من المكوّن السنّيّ وفّره موقف السامرائي والعبّاسي، وهو ما يشكّل أرضيّة لانطلاقه نحو فتح حوارات تُسهم في إبعاد العراق عن دائرة التوتّرات الإقليميّة والدوليّة، إضافة إلى توفير غطاء سياسيّ ومكوّناتيّ للانفتاح على المحيط الإقليميّ بلغة ورؤية مختلفتين هذه المرّة تسعيان إلى تعزيز التعاون والتقارب والتفاهم والابتعاد عن لغة التصعيد والتوتير التي سادت في السابق.

مواضيع ذات صلة

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

تفترض بعض الأصوات في الإدارة الأميركيّة، لا سيما الموفد الرئاسيّ ستيف ويتكوف، أنّ إيران لا تستطيع مقاومة إغراءات الصفقة المعروضة عليها، والتي تتطلّب تنازلات جوهريّة…

ترامب في دائرة الخطر

في عالم يتّسم بتصاعد الانقسامات السياسيّة وتراجع الضوابط التقليديّة للعلاقات الدوليّة، لم تعد مسألة سلامة قادة الدول شأناً أمنيّاً محضاً، بل باتت جزءاً من المشهد…

خوف لبنان من “سوريا الجديدة”: حقيقيّ أم مفتعَل؟

لا تتعامل بعض التيّارات السياسيّة في لبنان مع المتغيّرات في المنطقة والعالم إلّا من بوّابة الخوف على مصالحها، وصيانة خطابها ودفاعاً عن وجاهته الدائمة، فكيف…

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

يعبّر رفعت الأسد، الذي غيّبه الموت قبل أيّام، عن التحوّل السوريّ الكبير نحو الدولة المتوحّشة التي اعتمدت في إثبات شرعيّتها على القمع وتماسك الطائفة والبحث…