تفترض بعض الأصوات في الإدارة الأميركيّة، لا سيما الموفد الرئاسيّ ستيف ويتكوف، أنّ إيران لا تستطيع مقاومة إغراءات الصفقة المعروضة عليها، والتي تتطلّب تنازلات جوهريّة عن إمكانات إيران النوويّة والصاروخيّة، وإعادة هيكلة الإمكانات العقائديّة والتعبويّة، تمهيداً للانخراط الطبيعيّ في العالم. يبني ويتكوف نظريّته على أنّ الانهيار الاقتصاديّ، والإهانة العسكريّة بعد حرب الأيّام الـ12 مع إسرائيل والضربة الأميركيّة للمفاعل النوويّ الإيرانيّ، في حزيران الفائت، والانتفاضة الشعبيّة المفتوحة في وجه النظام، كلّها عوامل ستدفع المرشد إلى تحكيم العقل، وتغليب شروط البقاء على مغريات ومتطلّبات الأيديولوجية.
بالطبع لا يُلام ويتكوف. هذا الافتراض، بأنّ النظام الإيرانيّ قادر على إصلاح نفسه من أجل البقاء، هو الوهم المركزيّ الذي يحكم السياسة الغربيّة عموماً تجاه إيران. لكنّه سوء فهم خطير، لا لخيارات وتفضيلات علي خامنئي، بل سوء فهم لمأزقه بكلّ الأبعاد المجرّدة والعمليّة. يتحوّل التساؤل الجوهريّ هنا من رغبة خامنئي في الإصلاح كسبيل للنجاة، إلى مدى قدرته الواقعيّة على البقاء في حال أقدم على هذا الإصلاح.
لنبدأ بالبديهيّ. تنبع سلطة المرشد الأعلى من ادّعاء شرعيّة “إلاهيّة” ميتافيزيقيّة. ولاية الفقيه، كنظريّة في الحكم، هي تفويض لاهوتيّ للمرشد لممارسة السلطة نيابةً عن”الإمام الغائب” نفسه. ما يعني أنّ سلطة خامنئي، من الناحية النظريّة، هي امتداد للإرادة الإلهيّة، وليست مجرّد ترتيب سياسيّ داخل النظام.
عليه فإنّ أيّ إصلاح حقيقيّ، على شاكلة القيود الدستوريّة، أو المساءلة الانتخابيّة، أو الفصل بين السلطات، يتطلّب من خامنئي تقليص هذا البعد الإلهيّ لسلطته، وإنزالها من عليائها المقدّسة إلى كونها بنية سلطة قابلة للتفاوض، وهو نقيض كلّ ما بناه المرشد بعد الحقبة الخمينيّة.
استحالة الإصلاح انعكاس موضوعيّ لغياب وجهة إصلاحيّة يمكن أخذ النظام والناس نحوها، بما يتجاوز مجرّد الافتقار إلى الإرادة السياسيّة للإصلاح
الولاية المطلقة
نقل خامنئي عقيدة “الولاية المطلقة” الخمينيّة، ومفادها أنّ حفظ الدولة يتقدّم على حفظ الشعائر والأركان، بما في ذلك الصلاة والصيام، من مجرّد فكرة دينيّة إلى نظام حكم شامل ومحكم. حوّل خامنئي هذه الفكرة إلى واقع قانونيّ ومؤسّساتيّ، عبر تعديل دستوريّ جعل كلمة “المطلقة” نصّاً صريحاً، وأعطاه قانونيّاً الحقّ في التدخّل في أيّ شأن (سواء كان سياسيّاً، عسكريّاً، أو حتّى في تفاصيل حياة الناس اليوميّة) دون أن يوقفه برلمان أو قانون.

فصَل المرشد بين المنصب السياسيّ والرتبة الدينيّة العالية، حيث أصبح بإمكان القائد أن يحكم ويأمر حتّى لو لم يكن “مرجعاً دينيّاً” كبيراً، ما جعل الولاء السياسيّ أهمّ من المرجعيّة الفقهيّة التقليديّة. أنشأ خامنئي إمبراطوريّة من المؤسّسات (مثل بيت الرهبر، أو مكتب المرشد) التي تتبع له مباشرة خارج رقابة الحكومة، ما جعل أوامره الشخصيّة هي القانون الأعلى الذي يطغى على أيّ نصوص دينيّة أو مدنيّة. وسّع خامنئي هذه السلطة لتشمل أتباعه خارج إيران، معتبراً أنّ طاعته كـ”وليّ فقيه” واجب عابر للحدود، وليست محصورة داخل حدود الدولة الإيرانيّة.
عليه، حوّل خامنئي “الولاية” من حالة طوارئ دينيّة إلى سلطة مطلقة لا تتقيّد بدستور أو نصّ دينيّ، ما جعل فكرة “بقاء النظام” هي المذهب الحقيقيّ داخل المذهب والمرتكَز الذي يبرّر أيّ قرار سياسيّ.
في هذا المناخ اللاهوتيّ المغلق لا يقاس التراجع بالأكلاف السياسيّة، بل بالتحدّيات الوجوديّة التي ينطوي عليها والتي تدخل في نطاق ما هو محرّم.
الحقيقة الأعمق أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لا تملك بديلاً أيديولوجيّاً إصلاحيّاً متاحاً لها
الحرس يسيطر على 40% من الاقتصاد
لو نحّينا اللاهوت جانباً ونظرنا إلى علاقات القوّة داخل النظام، يراهن ويتكوف على أنّ منظومة المصالح داخل النظام، قد تدفع جزءاً منه، كالحرس الثوريّ مثلاً، للتسوية التي لا يستطيعها المرشد بغرض حفظ استمراريّته ومكتسباته. بيد أنّ حقيقة العلاقة بين خامنئي والحرس الثوريّ، أقرب إلى “ارتهان متبادل”. يسيطر الحرس على نحو 40% من الاقتصاد الإيرانيّ من خلال تكتّلات الإنشاءات، وشبكات الاتّصالات، وعقود الطاقة، وعمليّات الالتفاف على العقوبات. أفرزت هذه الإمبراطوريّة الاقتصاديّة شخصيّات باتت في مقدّمة مراكز القوّة الاقتصاديّة والأمنيّة، ليس كخدم لخامنئي، بل كشركاء يملكون حقّ النقض (الفيتو).
أيّ صفقة يعرضها ويتكوف بغية دمج إيران في العالم، تتطلّب تفكيك البنية الاقتصاديّة للحرس، وتعريض مصالحه للاحتكام إلى متطلّبات الشفافيّة المصرفيّة، وتشريع التجارة الشرعيّة وتعطيل شبكات التهريب العملاقة. إلى ذلك، فإنّ “شرعيّة” الحرس مستمدّة من وجود المرشد نفسه، الذي لا يستطيع الحرس الإطاحة به من دون أن يفقد مبرّر وجوده. ما هو مبرّر “الحرس الثوريّ” إن كانت الثورة المكلّف بحراستها قد فقدت رأسها؟
في المقابل لا يستطيع خامنئي التحرّك ضدّ “الحرس” من دون أن يفقد المؤسّسة الوحيدة القادرة على قمع الاضطرابات الحتميّة التي سترافق فتح أبواب الإصلاح حتماً. أثبتت مجازر مطلع العام الجاري، وسقوط آلاف القتلى بأوامر مباشرة من خامنئي، وهذه العلاقة، حتّى إشعار آخر، معمّدة بالدم.
حوّل خامنئي “الولاية” من حالة طوارئ دينيّة إلى سلطة مطلقة لا تتقيّد بدستور أو نصّ دينيّ، ما جعل فكرة “بقاء النظام” هي المذهب الحقيقيّ
من هو الوريث؟
إلى ذلك تصطدم أحلام ويتكوف الورديّة بسؤال ما بعد خامنئي. بلغ المرشد السادسة والثمانين، وكلّ حساباته السياسيّة منذ عقد على الأقلّ تمحورت حول سؤال واحد: من يرث هذا النظام؟
هنا يكمن المنطق الخفيّ الذي لم يستطع ويتكوف اختراقه: أيّ إصلاح سيفتح المجال السياسيّ العامّ، ويخلق منافسين على الخلافة، بين المعسكرات المتناحرة: الإصلاحيّين، البراغماتيّين، الشبكات الدينيّة البديلة، الحرس الثوريّ، التكنوقراط. كلّ منهم سيطالب بالعرش أو سيعطّل وصول آخرين إليه. في المقابل يريد المرشد للنظام أن يظلّ مغلقاً تماماً لإتمام المرحلة الانتقاليّة أكان لنجله عبر التوريث السلاليّ المستحيل في ظلّ نظام مفتوح، أو عبر مؤامرات ومكائد تستمدّ قوّتها وفاعليّتها من إحكام قبضته على مسارات الأمور.
واجه النظام السوفياتيّ في أواخر عهده ديناميّات مماثلة لما يمرّ به نظام خامنئي اليوم، حيث دخلت القيادة في حالة “الجمود العظيم”. لم يفتقر كلّ من يوري أندروبوف أو قسطنطين تشيرنينكو إلى إدراك الخلل، لكنّهما افتقرا إلى الأمان السياسيّ اللازم للإصلاح. في النظم العقائديّة، يُعدّ أيّ تغيير هيكليّ بمثابة اعتراف بالفشل يمنح الخصوم داخل أجهزة الدولة الذخيرة اللازمة للانقلاب على القمّة.
يدرك خامنئي أنّ أيّ تنازل لواشنطن، سيُضعف موقفه أمام الحرس الثوريّ، الذي استثمر عقوداً في عقيدة العداء. تماماً كما كان الحرس القديم في الكرملين يخشى أن يؤدّي أيّ انفتاح إلى تقويض امتيازات البيروقراطيّة العسكريّة، وتمرّدها على رأس النظام.
الجمود حتّى الموت
الدرس الذي تعلّمه خامنئي جيّداً هو أنّ محاولة ميخائيل غورباتشوف إصلاح النظام السوفيتيّ عبر البريسترويكا والغلاسنوست هي التي عجّلت بانهياره. يفضّل المرشد العجوز نموذج تشيرنينكو، أي الجمود حتّى الموت، بدل الإصلاح الذي يؤدّي للانتحار.
نقل خامنئي عقيدة “الولاية المطلقة” الخمينيّة، ومفادها أنّ حفظ الدولة يتقدّم على حفظ الشعائر والأركان
ربّما تكون الحقيقة الأعمق أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لا تملك بديلاً أيديولوجيّاً إصلاحيّاً متاحاً لها. خطاب الإصلاح في أعلى تجلّياته في عهد محمّد خاتمي لم يكن يوماً حول تغيير بنيويّ، بل حول إيجاد مساحة داخل ولاية الفقيه للمجتمع المدنيّ.
ثمّة غياب للاهوت إصلاحيّ إسلاميّ شيعيّ، يتمتّع بدعم مؤسّسيّ وجماهيريّ كافٍ ليحلّ محلّ العقيدة الحاليّة. الحوزات في قُم التي كان يمكن أن تنتج نظريّة ديمقراطيّة إسلاميّة بديلة تمّ تطهيرها أو استيعابها بشكل منهجيّ، والنجف على أهميّة موقف السيّد علي السيستاني، تمتلك في العراق رصيداً شديد التناقض بين سموّ الأفكار ونبلها والواقع على الأرض.
استحالة الإصلاح انعكاس موضوعيّ لغياب وجهة إصلاحيّة يمكن أخذ النظام والناس نحوها، بما يتجاوز مجرّد الافتقار إلى الإرادة السياسيّة للإصلاح. في ظلّ هذا الفراغ، تنحصر خيارات خامنئي، في واقع الأمر، بين التمسّك بالجمود الهيكليّ أو مواجهة خطر الانهيار الشامل.
أضف إلى ذلك أنّ الهزيمة الإقليميّة للمحور بعد إضعاف “الحزب”، وسقوط نظام الأسد، وتدمير “حماس” في غزّة، وترويض الحوثيّ في اليمن، وضبط الميليشيات العراقيّة، تجعل الإصلاح أصعب لا أسهل. لم يكن “محور المقاومة” يوماً سياسة خارجيّة في المقام الأوّل، بقدر ما كان تقنيّة سياسيّة داخليّة.
برّرت المواجهة الخارجيّة القمع الداخليّ، وميزانيّات الجيش، والقيود الاقتصاديّة، وهيمنة الحرس الثوريّ. وعليه لن ترضى قيادات الحرس، ممّن بنوا مسيرتهم على مواجهة أميركا، بصفقة تهمّشهم، وهم يملكون السلاح لمواجهة هذا الاحتمال.
أيّ إصلاح حقيقيّ، على شاكلة القيود الدستوريّة، أو المساءلة الانتخابيّة، أو الفصل بين السلطات، يتطلّب من خامنئي تقليص البعد الإلهيّ لسلطته
يُضاف إلى كلّ ما تقدّم أنّ الأنظمة الشموليّة، كالنظام الإيرانيّ، تطوّر تشوّهات في نظام المعلومات والوعي على مستوى القيادة. لن يستغرب القارئ أنّ بيئة خامنئي المعلوماتيّة “مفلترة” بشدّة، وتعطيه ما يريد سماعه ويعزّز قناعاته المسبقة. ردّ فعله على انتفاضة كانون الثاني 2026 وتحميل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب المسؤوليّة عنها ووصفه المتظاهرين بالإرهابيّين، برهان عن أنّنا بإزاء قائد لا يستطيع التمييز بين المؤامرة الخارجيّة وبين انهيار الشرعيّة الداخليّة. من يعتقد أنّ احتجاجات الأسابيع الماضية هي تدبير استخباراتيّ وليست نتاج 47 عاماً من فشل النظام، لن يتفاوض أبداً على التغييرات الجوهريّة التي يسعى إليها ويتكوف.
الإصلاحات المطلوبة
عند تجميع هذه القيود، تصبح الصورة واضحة. الإصلاح يتطلّب من خامنئي الذي لا يملك ترف الوقت أو الرؤية أن يقوم بكلّ هذه الأمور بالتزامن:
1- تقليص سلطته الإلهيّة.
2- تهديد المؤسّسات التي يعتمد عليها للبقاء مادّيّاً.
3- فتح مضمار التنافس على الخلافة وتعميق صراعات الأجنحة.
4- تبنّي إطار أيديولوجيّ دينيّ جديد لا توجد مؤسّسات داعمة له.
5- الاعتراف بواقع صُمّم نظامه لإخفائه.
لا يوجد قائد يمكنه فعل كلّ ذلك. عندما يعلن خامنئي أنّ المطالب الأميركيّة هي “هراء”، فهو لا يبيع أوهاماً وعنتريّاتٍ لجمهوره، إنّما يقرّ بحقيقة بنيويّة مفادها أنّ النظام الذي ورثه لا يمكنه الانحناء من دون أن ينكسر.
إقرأ أيضاً: ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين
مأساة الجمهوريّة الإسلاميّة تكمن في كونها نظاماً استعصى على التحوّل المتفاوَض عليه، ما يجعل نهايتها مرهونة بشكل من أشكال التصدّع، سواء عبر التحلّل البطيء لأركانها أو الانهيار المفاجئ تحت وطأة الأزمات. إنّ التمييز الجوهريّ هنا هو أنّنا أمام نظام “يعجز” بنيويّاً عن الإصلاح، وهو شأن أخطر من كوننا أمام نظام يرفض ويُمانع التغيير. هذا الإدراك لواقع الانسداد التاريخيّ في نظام الجمهوريّة الإسلاميّة هو ما يجب أن يرسم ملامح المرحلة المقبلة والتعامل الدوليّ مع طهران.
لمتابعة الكاتب على X:
