بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد السؤال: ماذا فعل؟ بل: ماذا كسر في الطريق إلى ما فعل؟
عاد ترامب لا ليُدير الدولة، بل ليختبر قدرتها على الاحتمال. لم يعد رئيساً يبحث عن التوازن، بل قائداً يختصر الزمن بالقرار. لم يُراهن على المؤسسات، بل على الإرادة. وهكذا كان عامه الأول في ولايته الثانية عاماً مكثفاً، صاخباً، حاسماً… كأنه أربع سنوات مضغوطة في اثنتي عشرة شهراً كانت هذه سنة الحسم، لا سنة التدرّج. سنة الفعل، لا سنة الشرح.
بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان قد نجح، بل حول الكلفة التي دُفعت مقابل هذا النجاح. فالرجل لم يعد إلى واشنطن ليُدير النظام، بل ليختبر حدوده. لم يسعَ إلى التوافق، بل إلى الحسم. ولم يحاول ترميم المؤسسات، بل استخدمها حتى آخر طاقتها كانت هذه سنة القرار، لا سنة الإجراءات. سنة القوة، لا سنة التوازنات.
اعتباراً من 20 يناير/كانون الثاني 2026، تظهر استطلاعات RealClearPolitics تراجع معدل تأييد ترامب ليصل إلى نحو 42.5% مقابل 55.1% رفضاً له وهو اتجاه يتسق مع تقديرات Silver Bulletin بصافي سلبي -12.9 على بيانات حتى 19 يناير. وتشير استطلاعات منفردة مثل CNN/SSRS إلى 39% موافقة، فيما تثبت AP-NORC وجود نحو 40% موافقة على أدائه. وكذلك تُظهر أرقام نيويورك تايمز حوالي 42% موافقة و55% رفض.
تعكس هذه الأرقام انخفاضاً من بداية ولايته الثانية، مدفوعة بآراء الجمهور حول الاقتصاد والهجرة والسياسة الخارجية، ما يترجم صورة شعبية أكثر توتراً مما كان متوقعاً في ظل الزخم السياسي الكبير.
بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كان قد نجح، بل حول الكلفة التي دُفعت مقابل هذا النجاح
أبرز ملامح عام ترامب الأول ظهرت خارج الحدود. تحوّلت السياسة الخارجية الأميركية من الردع الكلامي إلى الردع التنفيذي. في إيران، استُهدفت منشآت نووية محورية، وتراجعت قدرة النظام على المناورة الإقليمية بعد تفكك شبكات الوكلاء. لم يذهب ترامب إلى تغيير النظام، لكنه جعله أضعف مما كان عليه منذ عقود.
في غزّة، تخلّت واشنطن عن لغة الضبط، وتماهت كلياً مع المنطق العسكري الإسرائيلي. أما في فنزويلا، فكان اعتقال نيكولاس مادورو لحظة مفصلية كسرت قاعدة غير مكتوبة في النظام الدولي: أن القادة محصنون مهما بلغوا من ضعف.

هكذا أعاد ترامب الخوف إلى خصومه، والوضوح إلى حلفائه، لكن بثمن كبير: تآكل القواعد التي تنظّم السلوك الدولي.
نجاح سريع… لكن أرضه مهتزّة
في ولاية ترامب الثانية، لم تعد التحالفات علاقات ثابتة، بل ترتيبات قابلة لإعادة التفاوض. الناتو لم يُفكك، بل أُعيد تسعيره. دول الخليج لم تُعامل كحلفاء تقليديين، بل كشركاء استثمار في الأمن. أما أوروبا، فخسرت موقعها الوسيط لصالح علاقات ثنائية مباشرة. قد لا يحب الحلفاء هذا النهج، لكنهم فهموه. وقد لا يرحبون به، لكنهم امتثلوا له. أميركا اليوم أقل محبة… وأكثر تأثيرًا.
اللافت أنّ ترامب، الذي اشتهر بالضجيج في ولايته الأولى، تعامل مع الصين في عامه الثاني بهدوء محسوب. لم تعد المواجهة شعارات، بل بنى تحتية وسلاسل توريد وتقنيات متقدمة. الفصل التكنولوجي تسارع، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي أصبح أولوية سيادية، فيما بقيت تايوان مساحة ضغط لا تفجير. لم يعد ترامب يواجه الصين بالصوت العالي، بل بالمدى الطويل.
داخلياً، حكم ترامب بسلطة الأمر التنفيذي. أُحكمت السيطرة على الحدود، أُعيد تشكيل الوكالات الفيدرالية لتصبح أكثر ولاء له على مستوى القيادة. وتعزز النفوذ المحافظ في القضاء. لكن في المقابل، تراجع دور الكونغرس، وازداد الانقسام الاجتماعي، وباتت الدولة أقل مرونة في استيعاب الصدمات. لم يُعد ترامب بناء المؤسسات، بل تجاوزها. ولم يوحّد المجتمع، بل أعاد ترتيبه بالقوة.
عاد ترامب لا ليُدير الدولة، بل ليختبر قدرتها على الاحتمال. لم يعد رئيساً يبحث عن التوازن، بل قائداً يختصر الزمن بالقرار
رئيس قوي… ونظام أكثر هشاشة
بعد عام واحد فقط، باتت عقيدة ترامب واضحة المعالم:
القيادة قرار، والردع فعل، والاستقرار يولد من الخوف، والمؤسسات أدوات لا قيود. إنها رئاسة ما بعد ليبرالية، لا تؤمن بالإقناع، ولا تنتظر الإجماع، وتتعامل مع السلطة بوصفها غاية ووسيلة في آن.
إقرأ أيضاً: ترامب وإيران: عندما يصبح السّقوط أخطر من البقاء
ربح ترامب عامه الأول. ربحه بسرعة، وبقوة، وبلا تردد. لكنه فعل ذلك باستهلاك الرصيد الذي طالما حمى الدولة الأميركية من نفسها: رصيد القواعد، والتقاليد، والضبط الذاتي. أنصاره يرون قائدًا حاسمًا. خصومه يرون خطراً متراكماً. والحقيقة أنّ التاريخ غالباً لا يختار بين الروايتين… بل يحتفظ بهما معاً. ترامب سبق النظام بخطوة. والنظام يحاول أن يلحق به… دون أن ينكسر.
لمتابعة الكاتب على X:
