ليس التحالف الثلاثيّ الذي يدور الحديث عنه بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان فكرة حالمة أو طرحاً نظريّاً وحسب، بل يندرج في إطار فرصة استراتيجيّة محتملة لتعزيز نفوذ الدول الثلاث وتحقيق مصالحها المشتركة، وتلبية رغبة إسلاميّة إقليميّة مطروحة منذ عقود. يتّجه المشهد الإسلاميّ الإقليميّ نحو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التوازنات والمصالح، تتراجع فيها المسلّمات القديمة، وتُطرح فيها خيارات تحالفيّة غير تقليديّة تعكس حجم التحوّلات الجيوسياسيّة الجارية. هل نحن أمام حلف ضرورة تفرضه التحدّيات، أم خيار استراتيجيّ يعكس تحوّلاً في الرؤى والأولويّات؟
لا يحجب المشروع وجود تحدّيات تتعلّق بإدارة التباينات بين مصالح الدول الثلاث، تأثير القوى الدوليّة والإقليميّة، وسبل التعامل مع ملفّات استراتيجيّة حسّاسة، وتمثّل عقبة أساسيّة أمام بلورة هذا التحالف. تتوزّع هذه التحدّيات بين اختلاف الأولويّات والملفّات الاستراتيجيّة المعقّدة، التي يتقدّمها العديد من القضايا الأمنيّة والعسكريّة ذات الحساسيّة العالية.
إلّا أنّ الدوافع الكامنة خلف هذا المشروع، وإمكان تحوّله إلى قوّة توازن إقليميّ ودوليّ، تبقى من العوامل التي تدفع باتّجاه تسريع ولادته، ولو ضمن مسار تدريجيّ حذِر. هناك الكثير من الفرص التي لا يمكن تجاهلها، وتشمل تنسيق السياسات الإقليميّة، تخفيف وطأة الضغوط الخارجيّة، وفتح الباب أمام توسيع دائرة التحالف مستقبلاً وفق معايير مدروسة.
في هذا السياق، يبرز الكثير من الأسئلة الجوهرية: ما هي الأسباب والأهداف الحقيقيّة الكامنة وراء إنشاء هذا التحالف؟ كيف يمكن للدول الثلاث موازنة مصالحها المختلفة وتحويل هذه الفكرة إلى واقع ملموس؟ ما حجم التحدّيات والعراقيل التي قد تواجهه داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً؟ هل يشكّل هذا التحالف نواة لتكتّل إسلاميّ أوسع يُبنى على دوائر توسعة مبرمجة، وفق استعداد الدول المرشّحة وثقلها الوطنيّ والإقليميّ؟
يذهب الكثير من التحليلات والمؤشّرات باتّجاه أنّ المسار يتمّ ضمن إطار دفاعيّ مرن لا يُنظر إليه بوصفه موجّهاً ضدّ دولة بعينها
خطوات عمليّة
تؤكّد مؤشّرات ولقاءات متعدّدة الأطراف والجوانب بين الدول الثلاث أنّ الحوار وجهود التواصل من أجل هذا التحالف المحتمل لا تسير باتّجاه كونه طرحاً استشرافيّاً أو قراءة تحليليّة، بل خطوات عمليّة بدأت تأخذ بعداً متقدّماً، تعكسه طبيعة الحراك السياسيّ والعسكريّ بين الدول المعنيّة.
شكّلت الزيارات المكثّفة والرفيعة المستوى بين تركيا وباكستان والمملكة السعوديّة، منذ مطلع العام المنصرم، الإطار العمليّ الأوّل لفهم توجّه الدول الثلاث نحو تعزيز التعاون الدفاعيّ. لم تكن هذه اللقاءات بروتوكولات دبلوماسيّة روتينيّة وحسب، بل أسّست لتصوّر مشترك يقوم على ضرورة تنسيق الجهود العسكريّة والأمنيّة في مواجهة التحدّيات التقليديّة وغير التقليديّة، بما في ذلك التهديدات السيبرانيّة وحروب المعلومات.
ساهم هذا الحراك السياسيّ – العسكريّ في الانتقال من مستوى تبادل الرؤى إلى البحث في إنشاء إطار تعاون دفاعيّ أوسع، يستثمر الخصوصيّات الاستراتيجيّة لكلّ دولة، ويمهّد لتوجّه تنفيذيّ يتجاوز منطق التحالفات الظرفيّة أو الضيّقة.
لعبت اللقاءات المكثّفة بين القيادات في الرياض وإسلام آباد السعوديّة – الباكستانيّة، إلى جانب الاتّصالات السعوديّة – التركيّة – الباكستانيّة، والزيارة المقرّرة للرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان لباكستان في شباط 2025، دوراً مهمّاً في تحريك هذا النهج. ويعكس إعلان مسوّدة اتّفاق دفاعيّ ثلاثيّ، أُشير إلى أنّها لا تزال قيد المراجعة والتوافق، توجّهاً نحو تأطير تعاون أوسع يتقدّم بحذر، لكنّه يسير في اتّجاه هدف واضح.

من جهة أخرى، يأتي هذا الحراك في توقيت إقليميّ ودوليّ بالغ الحساسيّة، تتقاطع فيه التحوّلات داخل النظام الدوليّ مع تراجع قدرة الأطر التقليديّة على إنتاج الاستقرار، وهو ما يمنح هذه المبادرة الكثير من الحظوظ. ليس التحرّك الآن صدفة، بل استجابة لظروف متغيّرة تفرض على الدول الثلاث تسريع خطوات التنسيق الاستراتيجيّ قبل أن تتراجع فرص التوازن الإقليميّ أمام عوامل خارجيّة متسارعة.
تقود المملكة السعوديّة النفوذ الماليّ والاقتصاديّ في المنطقة، وتملك وزناً محوريّاً في العالمين العربيّ والإسلاميّ
توزيع المسؤوليّات: نووية – اقتصادية – سياسية
عند مناقشة ركائز هذا التحالف، تبرز مسألة تقاسم الأدوار وتوزيع المسؤوليّات بين عناصر القوّة المختلفة، العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة، مع مراعاة خصوصيّة كلّ دولة. تمتلك تركيا قوّة عسكريّة متقدّمة وصناعة دفاعيّة متنامية، ودوراً دبلوماسيّاً نشطاً، إلى جانب ارتباطها بالمنظومة العسكريّة الغربيّة. بينما تقود المملكة السعوديّة النفوذ الماليّ والاقتصاديّ في المنطقة، وتملك وزناً محوريّاً في العالمين العربيّ والإسلاميّ. في حين توفّر باكستان قوّة عسكريّة كبيرة، وإمكانات جيوسياسيّة حيويّة، وموقعاً نوويّاً يمنحها خصوصيّة الصعود الإقليميّ والجلوس إلى طاولات القرار.
تحوّل كلّ هذه المقوّمات التحالف المرتقب من خيار سياسيّ إلى استجابة استراتيجيّة لبيئة إقليميّة معقّدة تتطلّب توحيد الرؤى والمصالح في العالم الإسلاميّ. الهدف هو التعامل مع تحدّيات أمنيّة وسياسيّة مشتركة، إلى جانب تعزيز التنسيق مع حلفاء موثوقين، بما يساهم في موازنة النفوذ الإيرانيّ والتمدّد الإسرائيليّ، وتحقيق أهداف استراتيجيّة مشتركة.
اصطفاف جديد؟
يبقى تناول السؤال التالي: هل يشكّل هذا الحراك اصطفافاً جديداً أم إطاراً توازنيّاً مختلفاً عن النماذج التقليدية؟
يذهب الكثير من التحليلات والمؤشّرات باتّجاه أنّ المسار يتمّ ضمن إطار دفاعيّ مرن لا يُنظر إليه بوصفه موجّهاً ضدّ دولة بعينها، بل كآليّة لإدارة المخاطر المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليميّ في بيئة دوليّة متعدّدة الأقطاب. سيتميّز هذا النموذج عن التحالفات العسكريّة التقليديّة بمرونته وقابليّته للتكيّف مع المتغيّرات السياسيّة والأمنيّة، مع إبقاء خيار التوسعة المستقبليّة قائماً وفق معايير مدروسة تتّصل بجاهزيّة الدول المرشّحة وحجم أدوارها الاستراتيجيّة.
لن يكون هذا التحالف، في حال تبلوره، اتّفاقاً سياسيّاً عابراً وحسب، بل مشروع استراتيجيّ متعدّد الأبعاد يتيح إمكان التحوّل إلى منصّة عسكريّة وأمنيّة إسلاميّة تساهم في حماية المصالح المشتركة وتعزيز موقع العالم الإسلاميّ الفاعل المؤثّر في محيطه الإقليميّ والدوليّ.
ليس التحالف الثلاثيّ الذي يدور الحديث عنه بين تركيا والمملكة السعوديّة وباكستان فكرة حالمة أو طرحاً نظريّاً وحسب
لا يمكن تجاهل أنّ تباين المصالح الوطنيّة وأولويّات كلّ دولة في الملفّات الداخليّة والخارجيّة قد تشكّل تحدّياً حقيقيّاً أمام تحقيق أهداف التحالف، وقد تثير ولادته قلق قوى إقليميّة أو تواجه تحفّظات غربيّة، ولا سيما الولايات المتّحدة، خاصّة في الملفّات الحسّاسة التي يتقدّمها التعاون الدفاعيّ والتقنيّ العالي المستوى. غير أنّ القدرة على إيجاد توازن دقيق بين المصالح المختلفة، وبناء هيكليّات ناظمة مرنة تقوم على قواعد واضحة وآليّات تعاون متدرّجة، يبقيان المفتاح الأساسيّ لتجاوز هذه العقبات.
تكتّل إقليميّ
من هذا المنطلق، لا يُنظر إلى أنّ التحالف الثلاثيّ المحتمل اتّفاق سياسيّ أو أمنيّ فقط، بل خطّة عمليّة لتحويل الرؤى الاستراتيجيّة المشتركة إلى واقع ملموس يعكس موقع العالم الإسلاميّ ودوره في نظام دوليّ متعدّد الأقطاب. يشكّل هذا التحالف، إذا ما توافرت شروط نضجه واستدامته، نواة لتكتّل إسلاميّ إقليميّ متوازن، قادر على إعادة رسم أسس الأمن الإقليميّ، مع إبقاء خيار التوسعة المستقبليّة مفتوحاً وفق اعتبارات النضج السياسيّ والاستراتيجيّ لكلّ دولة، بما يدعم ترسيخ أهداف التحالف ودوره على المدى الطويل.
إقرأ أيضاَ: الصّراع التّركيّ – الإسرائيليّ: توتّر استراتيجيّ قابل للانفجار
غير أنّ نجاح هذا المسار على المدى المتوسّط يظلّ مرهوناً بقدرته على تجاوز اختبار التباينات الداخليّة وضغوط البيئة الدوليّة.
لمتابعة الكاتب على X:
