مهمّة سيمون كرم إلى التّقاعد المبكر؟

مدة القراءة 5 د

لبنان أمام المجهول. معادلة فرضتها الأزمة التي أصابت “الميكانيزم”، فأعادتها إلى لجنة تفاوض تقنيّ – عسكريّ، بعدما تعطّل الجانب السياسيّ فيها. حتّى الآن، لا يملك لبنان أيّ تفسير للتعليق غير الرسميّ للتفاوض السياسيّ – المباشر الذي كان يتولّاه السفير السابق سيمون كرم مع الجانب الإسرائيليّ، برعاية أميركيّة. الاعتبارات الشكليّة كثيرة، لكنّ الجوهر، كما تدلّ المؤشّرات، واحد: لا بدّ من رفع مستوى التمثيل.

 

عُقد اجتماعان يتيمان رأس خلالهما السفير كرم الوفد اللبنانيّ المفاوض في لجنة “الميكانيزم”. الأوّل في 3 كانون الأوّل، والثاني في 19 منه. طرح لبنان خلالهما عودة السكّان إلى قراهم أساساً للتفاوض، وهو شرط يرفض أن يتنازل عنه، فيما تمسّك رئيس الوفد اللبنانيّ بمبدأ أن تكون ورشة الإعمار هي المدخل للبعد الاقتصاديّ في التفاوض. يقول المعنيّون: “أصرّ الجانب اللبنانيّ على تبنّي لجنة “الميكانيزم” إعلان الجيش اللبنانيّ سيطرته على جنوب الليطاني”. يؤكّدون أنّ “الطرح الإسرائيليّ في المفاوضات قاسٍ ومضمونه الأساسيّ أمنيّ”.

أمّا الاجتماع الثالث فلا يبدو ثابتاً أبداً. تحدَّد موعده في 14 كانون الثاني، ضمن جدول مسبق جرى الاتّفاق عليه بين أطراف “الميكانيزم”، لكن حين اقترب الموعد غاب الجانبان الأميركيّ والإسرائيليّ عن السمع. هذا مع العلم أنّ الإطار التفاوضيّ السياسيّ هو مطلب أميركيّ بالدرجة الأولى، أصرّت عليه مورغان أورتاغوس منذ زيارتها الأولى.

لكنّ موعد الجلسة الثالثة طار، وباتت “الميكانيزم” في مهبّ الريح، لاعتبارات ثلاثة:

– بُنيتها (رغبة الجانب الأميركيّ بإبعاد الفرنسيّين عن اللجنة، ممثّل الجانب الأميركيّ في ضوء الالتباس الذي يحيط بمهمّة مورغان أورتاغس، مصير “اليونيفيل” التي تغادر مكوّناتها تباعاً…).

– اتّفاق وقف إطلاق النار الذي تواصل إسرائيل خرقه عبر الاعتداءات اليوميّة.

لبنان أمام المجهول. معادلة فرضتها الأزمة التي أصابت “الميكانيزم”، فأعادتها إلى لجنة تفاوض تقنيّ – عسكريّ

– الظروف الإقليميّة والدوليّة التي تبدأ من الساحة السوريّة التي تتحرّك على وقع التطوّرات العسكريّة، ولا تنتهي بالملفّ الإيرانيّ الملتهب على وقع التهديدات والرسائل المشفّرة.

وفق المعنيّين، فوجئ لبنان بشغور قسريّ أصاب اللجنة، بعدما كان الرهان كبيراً على مسارها، وخصوصاً أنّ السفير كرم لم يتمكّن بعد من الغوص في التفاصيل، واكتفى في الاجتماعين، وما بينهما من اتّصالات ولقاءات أجراها مع مسؤولين أميركيّين، بتثبيت “المبادىء” التي سيفاوض عليها لبنان.

الميكانيزم

لكن ماذا بعد “الميكانيزم”؟

لا جواب واضحاً. الأكيد أنّ السلطة اللبنانيّة تخشى هذا الفراغ، ولهذا تتمسّك ببقاء الإطار التفاوضيّ الذي توفّره طاولة “اليونيفيل” في الناقورة. لكنّ المؤشّرات تدلّ على أنّ أميركا وإسرائيل تريدان أكثر من ذلك، وتطمحان إلى رفع مستوى التمثيل، الأمر الذي يراه لبنان بعيد المتناول، وغير قابل للتحقيق في المدى المنظور. هذا مع العلم أنّ جهات معنيّة بملفّ التفاوض تؤكّد أنّ لبنان لم يتلقَّ طلباً رسميّاً لرفع مستوى التفاوض. ولهذا ثمّة خشية في لبنان من تطيير “الميكانيزم” من دون إيجاد إطار بديل قادر على ملء الفراغ، وهو غير متوافر حتّى الآن.

لكنّ المقارنة بين مشهدين بالغَي الأهميّة قد تجيب عن السؤال الصعب: لماذا تعطّلت “الميكانيزم”؟

في الناقورة مسار تفاوضيّ طويل، معقّد، و”خجول” أُريد له أن يكون أشبه بربط نزاع، لا فكّ اشتباك، يسعى لشراء الوقت وإبعاد شبح الحرب الكبرى.

عُقد اجتماعان يتيمان رأس خلالهما السفير كرم الوفد اللبنانيّ المفاوض في لجنة “الميكانيزم”. الأوّل في 3 كانون الأوّل، والثاني في 19 منه

في باريس اجتماعات مباشرة بين سوريا وإسرائيل يقودها وزير خارجيّة سوريا أسعد الشيباني بحثاً عن “اتّفاق أمنيّ متكافئ يضع السيادة السوريّة الكاملة فوق كلّ اعتبار، ويضمن منع أيّ شكل من أشكال التدخّل في الشؤون الداخليّة السوريّة”.

بين المسار اللبنانيّ والمسار السوريّ قد يكمن كلّ الفرق. وقد يكون اجتماع باريس هو من أطاح باجتماع الناقورة، وأعاد لبنان إلى دائرة الخطر، إذ كانت “الميكانيزم”، وفق المعنيّين، الملجأ الوحيد المتاح. وإذا بالملجأ يُقفل بوجه اللبنانيّين.

إقرأ أيضاً: الجيش على ثلاث “جبهات”

إذاً اللجنة في موت سريريّ، بعدما تبيّن أنّ لبنان يفاوض طرفاً واحداً أميركيّاً – إسرائيليّاً، لأنّهما على رأي واحد، وأنّ إسرائيل تسعى فعليّاً إلى ترتيبات أمنيّة مستدامة لا أكثر. من هنا استعادة اتّفاق الهدنة لوضعه على طاولة التفاوض بحثاً عن صيغة متطوّرة تلائم التطوّرات. أمّا الخلاصة فهي أنّ التفاوض ضمن “الميكانيزم” لم يعطَ فرصته كاملة لكي يختبر هذه التجربة، فيما البحث عن إطار بديل دونه صعوبات كثيرة يعسُر على لبنان تجاوزها في لحظته الراهنة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@clairechakar

مواضيع ذات صلة

الجيش على ثلاث “جبهات”

تتزامن زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، بعد التأجيل الأميركيّ لها، مع سلسلة معطيات أفرزتها مرحلة الخوض في نزع السلاح شمال الليطاني. ربّما المعطى الأهمّ…

بعد “قسد”… السّويداء على طاولة الاختبار الأخير

مع انتقال ملفّ “قوّات سوريا الديمقراطيّة” (قسد) إلى مسار تفاهم سياسيّ– أمنيّ، تتّجه بوصلة دمشق جنوباً نحو محافظة السويداء، بوصفها الاستثناء الأخير خارج نموذج الحسم…

إسرائيل تُسقط “الميكانيزم”: لمفاوضات ثنائيّة برعاية أميركيّة

بعدما نجح لبنان في تسجيل نقطة لمصلحته أمام المجتمع الدوليّ، عبر تعيين السفير سيمون كرم رئيساً مدنيّاً للوفد اللبنانيّ المفاوض في لجنة “الميكانيزم”، يبدو أنّ…

برّي يدعو لجلسة “انتخابيّة” قبل 10 شباط؟

من دون أدنى شكّ تبدو الحكومة مُقبلة على “خبّوصة” انتخابيّة تشكّل استكمالاً للمسار المضطرب الذي يَطبَع القرار السياسيّ الغامض حتّى الآن بـ”إجراء هذه الانتخابات حتماً…