الشّعور الأقلّويّ… عدوّ سوريا الأكبر !

مدة القراءة 5 د

أصعب ما يمكن للشعوب الخارجة من الحروب أن تكتشفه هو أنّ كبرى معاركها ليست مع الركام ولا مع الاقتصاد المنهَك ولا حتّى مع السياسة المعقّدة، بل مع فكرة كامنة في الوعي الجمعيّ اسمها “الشعور الأقلّويّ”. هذا الشعور الذي يبدو في ظاهره غريزة دفاع، يتحوّل سريعاً إلى عبء ثقيل يشدّ المجتمعات إلى الخلف في اللحظة التي يفترض فيها أن تنطلق إلى الأمام.

 

في الحالة السوريّة، بعد سقوط نظام الأسد وعودة سوريا إلى الخارطة السياسيّة والاقتصاديّة، بدا واضحاً أنّ هذا الشعور لم يغادر المشهد، بل أعاد ترتيب نفسه داخل المكوّنات المختلفة، مؤجِّلاً لحظة النهوض الحقيقيّة التي ينتظرها السوريّون منذ ما يقارب عقدين من الزمن.

مشكلة الشعور الأقلّويّ أنّه لا يكتفي بتغذية المخاوف، بل ينتج سلوكاً سياسيّاً واجتماعيّاً قادراً على تعطيل القرار، تشويش الأولويّات، وخلق مسافات وهميّة بين أبناء الوطن الواحد. هنا يتراكم الإحباط الشعبيّ، ويتسلّل التململ الدوليّ الذي ينظر إلى سوريا اليوم باعتبارها فرصة تحتاج إلى بيئة داخليّة متماسكة، لا إلى مجتمع يعيد إنتاج هواجسه القديمة بلغة جديدة.

تجربة المسيحيّين

كانت تجربة المكوّن المسيحيّ بعد سقوط نظام الأسد نموذجاً واضحاً لهذا الإرباك. إذ استغرق جزء معتبَر من هذا المكوّن وقتاً طويلاً لهضم فكرة التغيير، وتحوّل الخطاب من القلق المشروع إلى نوع من التوجّس السياسيّ الذي لعب فيه البطريرك يوحنّا العاشر اليازجي دوراً أساسيّاً في ترسيخ مناخ التململ قبل أن ينتقل لاحقاً إلى التسليم بالتغيير كأمر واقع لا مفرّ منه. لم تكن المشكلة في الحذر بحدّ ذاته، بل في الزمن الذي ضاع، وفي الرسائل التي وصلت إلى الداخل والخارج بأنّ جزءاً من المجتمع السوريّ ما يزال يتعامل مع التحوّلات بوصفها تهديداً لا فرصة، وهو ترف لا تملكه دولة خارجة من حرب طويلة.

ليس العدوّ الأكبر لسوريا نقص الموارد ولا تعقيدات الجغرافيا السياسيّة، بل ذلك الشعور الأقلّويّ الذي يسرق من السوريّين شجاعتهم على العيش

انسحب الأمر نفسه وبصورة أكثر كلفة على تجربة المكوّن الدرزيّ. لم يضيّع التردّد والانقسام والتململ وقتاً ثميناً من عمر المرحلة الانتقاليّة فقط، بل كلّف هدر دماء وشرخاً داخل الطائفة نفسها، وانحرافاً عن خطّها العروبيّ التاريخيّ الذي شكّل دائماً رافعة وطنيّة لا عبئاً على الدولة. هنا أيضاً، لم تكن المشكلة في طرح الأسئلة أو المطالبة بالضمانات، بل في تحوّل هذه المطالب إلى حالة شلل سياسيّ فتحت الباب أمام تدخّلات ومزايدات كان يمكن تفاديها لو أُنجز الانتقال بسرعة وحسم.

سوريا

يتكرّر المشهد اليوم مع المكوّن الكرديّ في ظلّ الإشكال القائم مع تنظيم “قسد” على الرغم من صدور مرسوم رئاسيّ سوريّ واضح يؤكّد التزام خصوصيّة الأكراد بوصفهم مكوّناً أصيلاً من نسيج الشعب السوريّ. ومع ذلك، ما تزال الحسابات الأمنيّة والتنظيميّة تتقدّم على منطق الاندماج في الدولة، وكأنّ التجربة السوريّة لم تكن كافية لإثبات أنّ الكيانات الموازية لا تصنع استقراراً ولا تحمي حقوقاً، بل تؤجّل الصدام وتضاعف كلفته عندما يقع.

أخطاء المرحلة

من باب الموازنة الذهنيّة في الطرح، لا يمكن إعفاء المكوّنات السنّيّة والعلويّة من أخطاء المرحلة أيضاً. داخل البيئة السنّيّة، ظهرت نزعات استعجال للغلبة السياسيّة بدل الاستثمار في بناء عقد وطنيّ جامع، فيما واجه جزء من البيئة العلويّة صعوبة في الانتقال النفسيّ من منطق الدولة الأمنيّة إلى منطق الدولة المدنيّة، مع ما حمله ذلك من تردّد في الانخراط الكامل في مشروع وطنيّ جديد.

لا تعني هذه الأخطاء المتقاطعة تَساوي المسؤوليّات، لكنّها تؤكّد أنّ الشعور الأقلّويّ ليس حكراً على طائفة بعينها، بل ذهنيّة تنتقل من جماعة إلى أخرى كلّما ضعفت فكرة المواطنة الجامعة.

تحتاج سوريا إلى أن تُظهر، سريعاً وبوضوح، أنّ شعبها يحبّ الحياة كما يحبّ العدالة، وقادر على بناء وطنه بيديه

الخطر الأكبر في استمرار هذه الذهنيّة أنّه يعيد إنتاج فكرة قاتلة سادت طويلاً في الخطاب الإقليميّ والدوليّ، مفادها أنّ سوريا لا يمكن أن تُحكَم إلّا عبر أنظمة البطش والقبضة الحديديّة. وكلّما تأخّر السوريّون في تقديم نموذج مختلف، متماسك وقادر على إدارة تنوّعه، زادت فرص عودة هذه المقولة إلى التداول السياسيّ، وازدادت معها شهيّة التدخّلات الخارجيّة التي لا تبحث عن استقرار سوريا بقدر ما تبحث عن توظيف هشاشتها.

هنا تحديداً، لا يصبح الاندماج في الدولة السوريّة الجديدة خياراً أخلاقيّاً فقط، بل ضرورة استراتيجيّة. كلّ خطوة حقيقيّة نحو بناء مؤسّسات جامعة تقلّص هامش التدخّل الخارجيّ، وتحديداً الإيرانيّ، وتقطع الطريق على أيّ محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء تحت عناوين حماية الأقليّات أو موازنة النفوذ.

الدولة القويّة بمواطنيها هي وحدها القادرة على إقفال الأبواب أمام الوصايات، وليست التفاهمات الهشّة ولا المناطق الرماديّة.

الوقت ثمين جدّاً

الوقت السوريّ اليوم أثمن من أن يُهدر في حسابات الخوف المتبادَل. تحتاج سوريا إلى أن تُظهر، سريعاً وبوضوح، أنّ شعبها يحبّ الحياة كما يحبّ العدالة، وقادر على بناء وطنه بيديه لا بالاستقواء بالخارج ولا بالاحتماء بالهويّات الضيّقة.

إقرأ أيضاً:  بعد “قسد”… السّويداء على طاولة الاختبار الأخير

كلّ يوم تأخير هو فرصة ضائعة للنموّ والاستقرار واستعادة الثقة الدوليّة، وكلّ تراجع إلى منطق الأقلّويّات هو خطوة إضافيّة نحو إعادة إنتاج الكارثة بأدوات مختلفة. ليس العدوّ الأكبر لسوريا نقص الموارد ولا تعقيدات الجغرافيا السياسيّة، بل ذلك الشعور الأقلّويّ الذي يسرق من السوريّين شجاعتهم على العيش معاً في دولة واحدة، بينما لا يملكون ترف تجربة فشل جديدة.

مواضيع ذات صلة

غزّة: “مجلس” ترامب بديل “الصّفقة” ولجنة تكنوقراط بديلة للفصائل

تلقى العاهل الأردني والرئيسان المصري والتركي دعوات للانضمام إلى “مجلس السلم” لإنهاء حرب غزّة، والذي ما زال قيد التشكل.  شيء ما ما زال غامضاً في…

تعيين غراسيا القزّي: الدّولة تُكافئ الاشتباه وتُقيل المسؤوليّة

استولت على عهد الرئيس اللبنانيّ جوزف عون فكرة التعثّر السياسيّ والإداريّ وفقدان أدوات الدولة لـ”صوابها العدليّ”، بعدما عيّن مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة السيّدة غراسيا…

برّي لـ”أساس”: السّعوديّة مع القرار للدّولة وهذا موقفنا

يؤكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لـ”أساس” أنّ “السعوديّين يشدّدون على أن يكون القرار للدولة اللبنانيّة (تمكينها)، أي على تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاريّ، ونحن…

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

انفجر الوضع في الحيَّين الشيخ مقصود والأشرفية شرقيّ حلب. وتبادل الجيش ومسلّحو الأكراد الاتّهامات. لكن حصل فجأةً ما كان قد حصل قبل عام عند خروج…