تتزامن زيارة قائد الجيش رودولف هيكل لواشنطن، بعد التأجيل الأميركيّ لها، مع سلسلة معطيات أفرزتها مرحلة الخوض في نزع السلاح شمال الليطاني. ربّما المعطى الأهمّ في هذا السياق هو تأكيد مرجعيّات رسميّة أنّ إسرائيل لن تركن إلى “الميكانيزم” في شمال الليطاني، بعدما حَكمت عملها جنوب الليطاني حتّى لو شكليّاً، بسبب تجاوزها آليّة عملها مراراً، وكأنّها غير موجودة.
أشار موقع “أساس” في مقال نُشِر في 15 كانون الجاري إلى قرب تحديد موعد لقائد الجيش لزيارة واشنطن، بعدما حُدّد موعد سابق لها في 18 تشرين الثاني الماضي، وذلك قبل أسابيع من انعقاد مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار المقبل، وبالتزامن مع تدشين مرحلة بدء نزع السلاح شمال الليطاني.
يؤكّد مصدر حكوميّ لـ”أساس” أنّه حتّى الآن لم يُحدَّد موعد لجلسة مجلس الوزراء بداية شباط المقبل، ولم يُعرف هل تحصل قبل زيارة قائد الجيش لواشنطن أو بعدها، فيما المؤكّد أنّ اجتماعات “الميكانيزم” في الناقورة معطّلة، لكنّ التنسيق العسكريّ بين ممثّلي الدول العسكريّين في اللجنة قائم ومستمرّ.
ثلاث “جبهات”
عمليّاً، يتوزّع دور الجيش راهناً على ثلاثة خطوط:
– الأوّل: تحضير الخطّة العملانيّة لشمال الليطاني بموجب قرار مجلس الوزراء في الثامن من كانون الثاني الجاري، لجهة “الشروع في وضع خطّة لشمال الليطاني، استناداً إلى تقويم عامّ تعكف على إعداده قيادة الجيش، على أن يتمّ عرضه ونقاشه ضمن التقرير الشهريّ المقبل الذي سيقدّمه قائد الجيش إلى مجلس الوزراء في شهر شباط المقبل”.
يؤكّد مصدر حكوميّ لـ”أساس” أنّه حتّى الآن لم يُحدَّد موعد لجلسة مجلس الوزراء بداية شباط المقبل
الخطّة، بحسب المعلومات، مختلفة في العمق لجهة آليّة تنفيذها عن الخطّة التي حَكمت جنوب الليطاني، لسبب أساس هو معارضة “الحزب” لتطبيق الخطّة على كامل الأراضي اللبنانيّة، باستثناء جنوب النهر. قد تصطدم آليّة التنفيذ بعوائق عدّة، بسبب الفيتو الحزبيّ عليها، وسيؤسّس عرضها بحدّ ذاته على مجلس الوزراء لمُشكل سياسيّ تتحفّظ قوى تدور في فلك الثنائيّ الشيعيّ عن تأكيد حدوثه فعلاً، متسلّحة بشعار “لا صدام مع الجيش”.
في ظلّ القفز الإسرائيليّ فوق “آليّة” “الميكانيزم”، لن يتغيّر الأمر، سواء بقيت اجتماعاتها مُجمّدة أو استُؤنفت بمنحاها العسكريّ-المدنيّ، مع تسجيل استمرار حدوث الاعتداءات جنوب الليطاني، لا سيّما تفجير المنازل، على الرغم من صدور قرار حكوميّ “أثنى على الجهود المبذولة من الجيش في منطقة جنوب الليطاني لناحية “سيطرته العملانيّة” على المنطقة، وعلى جهود احتواء السلاح في منطقة شمال الليطاني وضبط الحدود ومنع التهريب ومكافحة المخدّرات ومحاربة الإرهاب”، في حين أنّ بيان الجيش أكّد “تحقيق أهداف المرحلة الأولى (جنوب الليطاني) بشكل فعّال وملموس على الأرض”. على ما يبدو “سيستلهم” الجيش من توجّه الحكومة لـ”احتواء” السلاح شمال النهر في خطّته العسكريّة.
دخل رئيس الجمهوريّة جوزف عون مباشرة على الخطّ ليؤكّد أنّ “السيطرة العملانيّة” تعني منع استخدام كامل منطقة جنوب الليطاني نهائيّاً لأيّ أعمال عسكريّة (ضدّ إسرائيل). مع ذلك، الشغل الإسرائيليّ “ماشي” جنوب الليطاني.
الاستعداد لمؤتمر الدّعم
– الثاني: تحضير برنامج عمل مؤتمر دعم الجيش الذي تشغّل رئاسة الجمهوريّة كلّ محرّكاتها لضمان خروجه بتمويل “مرضٍ” يتناسب مع احتياجات الجيش الآنيّة الملحّة، وعلى المديَين المتوسّط والبعيد. عقد عون اجتماعاً أمنيّاً خُصّص في جزءٍ منه لهذا الملفّ من خلال الطلب من “الأجهزة الأمنيّة إعداد تقارير دقيقة عن حاجاتها، ليكون المشاركون في مؤتمر باريس على بيّنة منها”. حتّى الساعة، سَمِع لبنان الرسميّ، وفق المعطيات، تأكيداً أميركيّاً وسعوديّاً بأنّ الغلّة ستكون مُشجّعة، وستشكّل سنداً عملانيّاً لكلّ مراحل خطّة الجيش.
وفق المعلومات، يحمل قائد الجيش ملفّاً متكاملاً بدءاً من سلاح “الحزب” إلى المعابر الحدوديّة الشرقيّة والشماليّة
– الثالث: زيارة قائد الجيش لواشنطن. وفق المعلومات، يحمل قائد الجيش ملفّاً متكاملاً بدءاً من سلاح “الحزب” إلى المعابر الحدوديّة الشرقيّة والشماليّة، المخدّرات، والمخيّمات الفلسطينيّة (وضع السلاح داخلها وما تمّ تسلّمه). سيقدّم العماد هيكل عرضاً لما تمّ إنجازه جنوب الليطاني، ومن ضمنه تفكيك منشآت “الحزب” والمخازن العسكريّة وعدد الأنفاق التي تمّت معالجتها والتي لم تخضع للمعالجة بعد، مع عرض لـ”احتواء” السلاح شمالاً، والخطّة بمراحلها المرتقبة، وحاجات الجيش العسكريّة، مع التأكيد أنّ الأعمال “التقنيّة” جنوب الليطاني (تفجير ذخائر وسحب سلاح من الأنفاق) لم تنتهِ بعد.

إذا صحّت المعطيات فسيسمع الأميركيّون من العماد هيكل مفاصل خطّة شمال الليطاني قبل أن يستمع إليها الوزراء في الحكومة، إذ ستُعقد الجلسة على الأرجح بعد عودة هيكل من الولايات المتّحدة الأميركيّة.
البرنامج قيد التّحضير
المؤكّد أنّ عدداً من المسؤولين العسكريّين وفي الإدارة الأميركيّة سيتعرّفون بدايةً عن قرب إلى العماد هيكل، مع العلم أنّ أكثر من شخصيّة دبلوماسيّة غربيّة تعمل في لبنان تؤكّد أنّه “رجل صلب وعسكريّ بامتياز ومتواضع”. لا يزال برنامج الزيارة في طور التحضير، والأرجح سيشمل من كان يجب أن يلتقيهم في تشرين الثاني الماضي، أي نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الأميركيّ، إضافة إلى مسؤولين في الكونغرس والبيت الأبيض.
يُذكر أنّ قائد الجيش سبق أن “مرّ” في فلوريدا آتياً من بريطانيا في خلال زيارة رسميّة في آب الماضي، وقد التقى يومها قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة CENTCOM آنذاك مايكل كوريلا في تامبا. سيلتقي في زيارته المقبلة قائد القيادة المركزيّة الحاليّ الأميرال براد كوبر. كان الأخير قد شارك في اجتماع “الميكانيزم” في أيلول الماضي، بحضور مورغان أورتاغوس، ثمّ قاما بجولة في المناطق الحدوديّة بطوّافة عسكريّة. أعرب يومها عن ترحيبه بخطّة الجيش، مؤكّداً أنّ الأميركيّين مندفعون باتّجاه دعم الجيش.
عون: جنوب الليطاني “نظيف” من سلاح “الحزب” غير الشرعيّ
عون: أوقفنا المغامرات الانتحاريّة
تسبق زيارة هيكل لواشنطن عدّة مسلّمات عرضها أمس رئيس الجمهوريّة أمام أعضاء السلك الدبلوماسيّ:
– تدليلاً على السيطرة العملانيّة للجيش، “لم تطلق رصاصة واحدة خلال رئاستي على مدى عام” (المقصود “الحزب”).
– جنوب الليطاني بات “نظيفاً من كلّ سلاح غير شرعيّ، مهما كانت تبعيّته ولأيّ طرف”.
– حَرِصنا على “عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحاريّة دفعنا ثمنها سابقاً الكثير، وعملنا على وقف أيّ استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا، فيما الآخرون، من دون استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم”.
إقرأ أيضاً: مؤتمر دعم الجيش يَخترق “مناخ الحرب”
– اللافت تكرار عون أمس أمام السلك الدبلوماسيّ أنّ “الانتخابات النيابيّة ستحصل في موعدها، على الرغم من كلّ الكلام والحملات المغايرة”، وذلك بعد يوم واحد من دعوته “اللبنانيّين إلى الاقتراع بكثافة، وانتخاب من يحمل مشروعاً سياسيّاً واضحاً، وليس من يشتريهم بالمال، ومن يقدّم خدمات آنيّة”.
لمتابعة الكاتب على X:
