وصف وزير الاقتصاد عامر البساط في مطالعته للأسباب التي توجب إقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة (الانتظام الماليّ وإعادة الودائع) في مجلس النوّاب، أنّه “المسار الواقعيّ القابل للتنفيذ” بدلاً من “الانتظار من دون أفق”، والتسوية غير المثاليّة، لكن الممكنة، بين المودعين والبنوك ومصرف لبنان والدولة.
ردّ البساط في مقاله في جريدة “النهار”، ومن ورائه الحكومة، على جملة من الانتقادات لمشروع القانون بجملة نقاطٍ تدافع عن المشروع ربّما أهمّها:
1- ينهي أزمة صغار المودعين.
2- يوفّر مساراً تدرّجيّاً للسداد لبقيّة المودعين، بدلاً من المراوحة والاقتطاع الضمنيّ.
3- يوزّع مسؤوليّات السداد بين مصرف لبنان والبنوك والدولة.
4- المحاسبة ركيزة أساسيّة فيه، إذ سيخضع مصرف لبنان وجميع المصارف لتدقيقات محاسبيّة وجنائيّة دوليّة وتقويمات شاملة لجودة الأصول.
قد تكون الحكومة محقّة في قلقها على مصير مشروع القانون بعدما سلك طريقه إلى لجنة المال والموازنة النيابيّة، فقد يموت هناك قبل أن يصل إلى الهيئة العامّة، كما ماتت من قبله مشاريع كثيرة، لا سيّما أنّ المجلس لم يبقَ من عمره سوى أقلّ من أربعة أشهر، ما لم يمدِّد لنفسه. لكنّ في مشروع القانون إشكالات عميقة، ينبغي أن تعالجها لجنة المال والموازنة بجدّيّة، بدلاً من أن تقتله وتغرقه في المستحيلات.
ماذا لو سئل الحاكم؟
ربّما يظهر الإشكال الأكبر إذا دُعيَ حاكم مصرف لبنان كريم سعيد إلى إبداء رأيه في مشروع القانون. قد يُسأل عمّا إذا كان لديه ما يكفي من السيولة للوفاء بجدول الاستحقاقات لأوّل 100 ألف دولار لجميع المودعين، مقسّطة على أربع سنوات. وقد يُسأل عمّا إذا كانت أصوله تكفي لدعم “الشهادات المعزّزة” (Asset-backed-securities) التي ستُستخدم لسداد الودائع المتوسّطة والكبيرة والكبيرة جدّاً. وقد تُستعمل أجوبته لقتل مشروع القانون في مهده.
حدث لبسٌ كبير في عهد رياض سلامة بين واجب المصرف المركزيّ في توفير السيولة للبنوك المتعثّرة، وواجب اخترعه سلامة خلافاً للقانون
ما قاله الحاكم في تصريح إعلاميّ من أنّ سداد الودائع يقتضي “الاستناد إلى برنامج سداد يتمتّع بالصدقيّة”، وأنّ “الجدول الزمنيّ المقترَح لسداد الجزء النقديّ من الودائع يُعدّ طموحاً إلى حدٍّ ما”، مقترحاً “عند الاقتضاء، تعديله من دون المساس بحقوق المودعين”.
يتعلّق الإشكال هنا، كما يلخّصه الحاكم، بمدى توافر الأصول والسيولة لدى مصرف لبنان لتنفيذ السداد، وببقاء مسؤوليّة الدولة في هذا الإطار عائمة غير محدّدة بوضوح.

لكنّ الإشكال أعمق من ذلك. هيكل سداد الودائع يضع الثقل الأكبر على كاهل مصرف لبنان، بل إنّه هو من يصدر الشهادات المعزّزة لأصحاب الودائع المتوسّطة والكبيرة، أي تتحوّل من دين في ذمّة البنك إلى دين في ذمّة مصرف لبنان!
لا نقاش في أنّ مصرف لبنان هو المتعثّر الأكبر اليوم في الدولة، وهو العقدة الأهمّ في سلسلة الأزمة النظاميّة لأنّه يحمل مطلوبات تجاه البنوك بأكثر من 80 مليار دولار، ولو أنّه استمرّ في سداد استحقاقاته لما تعثّر العديد من البنوك الكبرى في سداد الودائع. لكنّ ذلك لا يعني وجوب إبقائه في قلب الأزمة لعشرين سنة مقبلة.
يجعل الهيكل المقترح في القانون مصرف لبنان المسؤول عن إصدار الشهادات وسدادها من إيرادات أصوله ومن العائدات المحتملة لتصفيتها، فيما تساهم البنوك بما لا يقلّ عن 20% من السداد. تبقى مساهمة الدولة هنا عنواناً عائماً غير محدّد بالنسبة أو الكيفيّة. لكن ماذا لو تعثّر أيّ من البنوك في سداد نسبته، فهل يعفي ذلك مصرف لبنان من سداد الشهادات؟
يحتاج لبنان إلى صندوق سياديّ يُدار بمعايير احترافيّة دوليّة، وبمعايير مشدّدة للحكومة
يتجاهل مشروع القانون الحاجة الإصلاحيّة الجوهريّة، وهي إعادة مصرف لبنان إلى وظيفته التي وُجد لأجلها، وهي حفظ الاستقرار النقديّ، واستقرار الأسعار، وتنظيم القطاع المصرفيّ. وُجدت الاحتياطات، من ذهب وغيره، لتحقيق هذه الأهداف. إذا كانت خطايا المرحلة الماضية قد جعلت مصرف لبنان مديناً للقطاع المصرفيّ بأرقام تعادل أضعاف حجم الاقتصاد الوطنيّ، فإنّ الخطيئة الكبرى في زمن الإصلاح الإبقاء على هذا الوضع الشاذّ، بل وتحويل مصرف لبنان من مدين للبنوك إلى مدينٍ مباشرة للمودعين. وهذه حالة لا مثيل لها في العالم.
لبنان حالة استثنائيّة
هل من مصرف مركزيّ آخر يحمل في ميزانيّاته مطلوبات تجاه عشرات آلاف العملاء؟
لا يمكن لمصرف لبنان أن يدير استقرار الليرة، ويضمن توافر الاحتياطات الأجنبيّة اللازمة لذلك، فيما هو منشغلٌ بتوفير السيولة لسداد استحقاقات المودعين على مدى عشرين عاماً.
المشكلة الكبرى أنّ دور مصرف لبنان وتفويضه (mandate) متضخّمان جدّاً، ولا مثيل لهما في أيّ نظام مصرفيّ متقدّم. هو يدير النقد، ويمارس الرقابة على المصارف، وهو أكبر مقرضٍ لها، وأكبر زبونٍ لديها، وهو الذي يحكم بتعثّرها، وهو الذي يقرر كيفيّة معالجة هذا التعثّر، وهو الذي يستثمر فيها لإنقاذها عبر الهندسات الماليّة، وهو الذي يقرّر دمجها أو إفلاسها، وهو أيضاً الصندوق السياديّ بحكم الأمر الواقع (de facto)، الذي يدير شركة الطيران الوطنيّة والكازينو ومحفظة كبيرة من العقارات.
حدث لبسٌ كبير في عهد رياض سلامة بين واجب المصرف المركزيّ في توفير السيولة للبنوك المتعثّرة، وواجب اخترعه سلامة خلافاً للقانون، وهو أن يتولّى رسملة البنوك المتعثّرة بما سمّاها هندسات ماليّة هي في حقيقتها أموال سهلة حصلت عليها بعض البنوك المتعثّرة بتكلفة متدنّية للغاية لإعادة تكوين رساميلها من دون تكلفة على المساهمين.
يتجاهل مشروع القانون الحاجة الإصلاحيّة الجوهريّة، وهي إعادة مصرف لبنان إلى وظيفته التي وُجد لأجلها
كان هذا التضخّم والتعارض في المصالح من الأسباب الرئيسة التي قادت إلى الأزمة، بغضّ النظر عمّا إذا كان الحاكم فاسداً أم نزيهاً. لا يمكن الخروج من الأزمة من دون معالجة هذا الوضع التنظيميّ البائس.
أتى قانون إعادة هيكلة المصارف بحلول مجتزأة، ولم يعالج جوهر المشكلة، بل غرق في علّة التقاسم الطائفيّ للنفوذ، وقارب البعض الأمر من زاوية صلاحيّات حاكم مصرف لبنان، وتلك وصفة مثاليّة لوأد أيّة فكرة إصلاحيّة.
إخراج مصرف لبنان
التعديل الجوهريّ الذي يجب إدخاله إلى قانون الفجوة الماليّة في مجلس النوّاب هو إخراج مصرف لبنان من الأزمة نهائيّاً عبر الهيكل التالي:
1- يتمّ إصدار الشهادات المعزّزة من خلال صندوق سياديّ يتمّ إنشاؤه لتعزيز قيمة الأصول العامّة، ويكون من مهامّه إدارة الموارد اللازمة لإنهاء مفاعيل الأزمة. هذا الصندوق ليس ملكاً للمودعين، بل من مهامّه توفير الموارد الماليّة لسداد ودائعهم.
2- تُنقل إلى هذا الصندوق أصول سائلة وغير سائلة من مصرف لبنان، ومن الدولة، تشمل جزءاً من الذهب، وجزءاً من التوظيفات الإلزاميّة للبنوك (باعتبارها جزءاً من أموال المودعين التي سيتمّ سدادها)، والأصول التي ليس شأن مصرف لبنان أن يمتلكها، مثل “الميدل إيست” والكازينو وغيرهما. بذلك يتخفّف مصرف لبنان من مطلوبات هائلة، مع الاحتفاظ بما يكفي من الأصول لضمان الاستقرار النقديّ. لكنّ أهميّة هذه الخطوة أنّها تحدّد سقف العبء الذي يتحمّله مصرف لبنان لمرّة واحدة وأخيرة، وتُخرجه من سلسلة التعثّر.
لا نقاش في أنّ مصرف لبنان هو المتعثّر الأكبر اليوم في الدولة، وهو العقدة الأهمّ في سلسلة الأزمة النظاميّة
3- تُنقل أيضاً إلى الصندوق ديون الدولة لمصلحة مصرف لبنان، بما فيها الـ16.5 مليار دولار التي أقرّت بها الدولة، والمطالبات الأخرى التي كشف عنها الحاكم في مؤتمره الصحافيّ الأخير، والتي تعادل ثلاثة أضعاف هذا الرقم. تصدر سندات لمصلحة الصندوق بهذه المستحقّات، ويمكن أن تساهم فيه أيضاً بأصول ملموسة (عقارات وأسهم في شركتَي الاتّصالات، وغيرها).
4- تُصدر البنوك سندات لمصلحة الصندوق، بتواريخ استحقاق محدّدة، تمثّل مساهمتها في سداد الودائع.
5- يتولّى الصندوق، بما لديه من موارد، عمليّات الإنقاذ (bailout) للبنوك ذات الأهميّة النظاميّة التي يتخلّف مساهموها عن إنقاذها.
إقرأ أيضاً: نقل معاكس للثروة: استعادة 30% من القروض المسددة بالليرة
يحتاج لبنان إلى صندوق سياديّ يُدار بمعايير احترافيّة دوليّة، وبمعايير مشدّدة للحكومة. قد تكون هذه الأزمة الفرصة المناسبة لإطلاقه وتحقيق أهدافٍ متعدّدة في آن معاً.
لمتابعة الكاتب على X:
