تعيين غراسيا القزّي: الدّولة تُكافئ الاشتباه وتُقيل المسؤوليّة

مدة القراءة 8 د

استولت على عهد الرئيس اللبنانيّ جوزف عون فكرة التعثّر السياسيّ والإداريّ وفقدان أدوات الدولة لـ”صوابها العدليّ”، بعدما عيّن مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة السيّدة غراسيا يوسف القزّي مديرة عامّة للجمارك، على الرغم من كونها موظّفة رسميّة مُدّعى عليها بجرائم الرشوة وتبييض الأموال والاستغلال الوظيفيّ، وفي ملفّ انفجار 4 آب.

 

ليس تعيين المدير العامّ للجمارك تفصيلاً إداريّاً في دولة متماسكة، فكيف في دولة كلبنان تقوم، منذ عقود، على هشاشة مؤسّساتها وتداخل وظائفها؟

الجمارك بوصفها ضابطة عدليّة ليست دائرة تقنيّة محايدة، بل عقدة سياديّة تتقاطع عندها الماليّة العامّة مع الأمن، والحدود مع الاقتصاد، والتهريب مع السياسة. لم يكن تعيين القزّي مديرةً عامّةً، وتذرّع الحكومة بـ”قرينة البراءة” لتبرير هذا التعيين، إجراءً إداريّاً عاديّاً، بل حدث سياسيّ مكتمل بكلّ دلالاته.

الاعتراض على هذا التعيين ينطلق من فهم الدولة الحديثة بوصفها توازناً دقيقاً بين الحقّ القانونيّ والملاءمة السياسيّة والأخلاقيّة. قرينة البراءة مبدأ قانونيّ لا يُمسّ، غير أنّ إدارة الشأن العامّ لا تُختزل بها وحدها. الدولة تُدار بالحكمة، وبالقدرة على قراءة السياق، وبحساسيّة الرموز التي تُعيد بناء الثقة أو تُقوّضها.

في بلد، مثل لبنان، فقد مواطنوه ثقتهم بالإدارة العامّة، تتحوّل التعيينات إلى رسائل سياسيّة مباشرة. تعيين شخصيّة كالسيّدة القزّي في موقع بالغ الحساسيّة، فيما المسار القضائيّ لم يبلغ خواتيمه والجدل العامّ في ذروته، لا يمكن فصله عن أثره الرمزيّ.

هنا ليست المعضلة شخصيّة فقط، بل بنيويّة: عقل سياسيّ يتصرّف كأنّ الدولة في منأى عن الغضب العامّ، وكأنّ الذاكرة الجماعيّة قابلة للمحو بمرسوم حكوميّ. هكذا يتحوّل القرار إلى اختبار فاشل للتمييز بين الممكن قانوناً والمطلوب سياسيّاً، وبين ما يُسمح به نظريّاً وما يجب تجنّبه عمليّاً. هو اختبار يكشف خللاً عميقاً في فهم معنى المسؤوليّة العامّة.

كانت الجمارك دائماً في قلب هذه المنظومة، من التهريب إلى التسويات، ومن غضّ النظر إلى شبكات المصالح العابرة للحدود

قرينة البراءة وحدودها في الفعل العامّ

ليس التمسّك بقرينة البراءة خياراً أخلاقيّاً، بل شرط من شروط العدالة. كان رئيس الحكومة نوّاف سلام واضحاً في تغريدته على منصّة “إكس”، ردّاً على حملات الاعتراض على تعيين القزّي، حين شدّد على استقلال القضاء، وعلى أن لا يُشكّل أيّ موقف سياسيّ تدخّلاً في مساره، وأنّ كلّ من تثبت إدانته تُطبّق بحقّه الإجراءات القانونيّة كاملة. هذا الموقف يصح في بلد طالما شهد تسييس العدالة أو تعطيلها، لكن أن يتمسّك بالتعيين إلى حين صدور حكم عن القضاء حتّى يُبنى على الشيء مُقتضاه، فهذا ما يُسجَّل عليه.

إلى ذلك لا تُشكّل قرينة البراءة، في الفعل العامّ، تفويضاً سياسيّاً مفتوحاً. ثمّة فارق جوهريّ بين غياب الإدانة القضائيّة والاستحقاق السياسيّ لمنصب على غرار موقع المدير العامّ للجمارك. ليس المنصب العامّ حقّاً شخصيّاً، بل وظيفة ثقة تُمنح حين تتوافر الشروط القانونيّة والرمزيّة معاً.

لا تنتظر الدولة الحديثة صدور الأحكام النهائيّة كي تُقدّر المخاطر العامّة، ولا تختبئ خلف النصوص لتبرير قرارات قابلة للاشتعال. بل تعتمد “مبدأ التحوّط”، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمواقع ارتبطت تاريخيّاً بالفساد والنفوذ.

الحال هذه، لا يكون السؤال الجوهريّ، إذاً، قانونيّاً صرفاً، بل سياسيّ بامتياز: لماذا هذا التوقيت؟ حين تعجز السلطة عن طرح هذا السؤال على نفسها، لا تحمي القضاء، بل تُثقله بعبء قراراتها، وتُحوّل قرينة البراءة من ضمانة للعدالة إلى ذريعة لإلغاء السياسة المسؤولة.

غراسيا القزّي مديرة عامّة…”أوقح تعيين”

عليه، ليس شتيمةً لغويّةً وصفُ تعيين غراسيا القزّي بأنّه “أوقح تعيين في الإدارة منذ الاستقلال”، بل توصيف لسلوك سلطويّ فاقع. الوقاحة، هنا، ليست انفعالاً، بل نمط حكم يقوم على تجاهل السياق، وكسر الأعراف غير المكتوبة التي تحفظ ما بقي من هيبة الدولة.

الاعتراض على تعيين غراسيا القزّي محاولة للدفاع عن معنى السياسة نفسها

منذ قيام لبنان الكبير، عرفت الإدارة اللبنانيّة تعيينات فجّة ومحاصصات مهينة، لكنّ ما يميّز هذا التعيين هو أنّه يأتي بعد الانهيار لا قبله، وبعد انكشاف الدولة لا في زمن قوّتها. الوقاحة، هنا، هي الإصرار على إرسال رسالة مفادها أنّ السلطة ماضية في خياراتها مهما كان الثمن الرمزيّ.

هكذا يصبح القرار الحكوميّ فعلاً سلبيّاً يُعمّق القطيعة بين الدولة ومجتمعها، ويؤكّد أنّ النظام السياسيّ عندنا لم يتعلّم شيئاً من كارثة تفجير المرفأ، ولا من الكوارث التي سبقته ولا تلك التي لحقته.

ثلاثيّ الضّاهر ـ عبدالغفور ـ سلّوم: شبكة المعنى الإداريّ

ليس انتقائيّةً في الأسماء ربطُ تعيين غراسيا القزّي بثلاثيّ المدير العامّ السابق للجمارك بدري الضاهر، رئيس مصلحة تسجيل السيّارات أيمن عبدالغفور، ورئيسة هيئة إدارة السير والآليّات والمركبات هدى سلّوم، بل تفكيك لشبكة معنى تحكم الإدارة اللبنانيّة.

مثّل بدري الضاهر لسنوات نموذج المدير العامّ المُحصّن، إلى أن جاءت كارثة المرفأ فكسرت هذه الحصانة. شكّل أيمن عبدالغفور وهدى سلّوم حالتين في كيفيّة التعاطي معهما بوصفهما مُشتبَهَين بهما قبل أن تتمّ تبرئتهما. فلماذا لا تسري عليهم قرينة البراءة ويبقون في مناصبهم إلى حين صدور الحكم القضائي؟

ليس القاسم المشترك بينهم الإدانة القضائيّة أو عدمها، بل أهمّية الدور الرمزيّ في الإدارة. حين يأتي تعيين جديد في هذا السياق، لا يمكن فصله عن الذاكرة العامّة. لا تبدأ الدولة من الصفر مع كلّ مرسوم، بل تحمل إرثها معها. إذاً ليست المعضلة في الأشخاص بقدر ما هي في المنطق الذي يعتبر الثقة العامّة تفصيلاً ثانويّاً، لا شرطاً تأسيسيّاً لأيّ إصلاح.

يتحوّل تعيين غراسيا القزّي إلى دليل على فقدان النظام السياسيّ اللبنانيّ “صوابه العدليّ”

حين يفقد النّظام صوابه العدليّ

في مقاربة أعمق، يتحوّل تعيين غراسيا القزّي إلى دليل على فقدان النظام السياسيّ اللبنانيّ “صوابه العدليّ”، أي ذلك الحسّ الذي يُفترض أن ينظّم العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذيّة من دون تدخّل أو تواطؤ.

أُقيل بدري الضاهر من منصبه على وقع شبهة انفجار مرفأ بيروت، من دون أن يكون مُشتبهاً به في جرائم ماليّة كالإثراء غير المشروع. لم تكن الإقالة حكماً قضائيّاً، بل قرار سياسيّ استند إلى منطق المسؤوليّة الرمزيّة.

في المقابل، يُصار إلى تعيين القزّي في موقع الضاهر فيما هي مُشتبهٌ بها بجنايتين: الأولى مرتبطة بانفجار المرفأ، والثانية بملفّ الإثراء غير المشروع. مرّة أخرى. تكمن المفارقة في معيار الدولة نفسه: كيف تُقال إدارة كاملة بالشبهة، وتُمنح الترقية في حالة اشتباه مزدوج؟

أمّا أيمن عبدالغفور وهدى سلوم فقد خرجا من المشهد تحت ضغط التحقيقات. وهو ما يجعل السؤال حتميّاً: ما الضرورة السببيّة لتعيين القزّي قبل صدور القرار الظنّيّ بحقّها وفي القضيّتين؟

في الدول التي لم تفقد صوابها العدليّ، يكون الجواب بسيطاً: لا ضرورة. التريّث هو القاعدة.

الفساد منظومة لا حوادث

ليس الفساد في لبنان سلسلة انحرافات فرديّة، بل منظومة متكاملة تتغذّى من السياسة والمال والطائفيّة. كانت الجمارك دائماً في قلب هذه المنظومة، من التهريب إلى التسويات، ومن غضّ النظر إلى شبكات المصالح العابرة للحدود.

لذلك أيّ تعيين على رأس الجمارك يجب أن يخضع لمعيار مضاعَف من الحذر. لأنّ الموقع مُحمَّل بتاريخ ثقيل. القضاء يُحاسِب الأفعال، لكنّ السياسة تُحاسب الرموز. لا يُهزَم الفساد بالمجاهرة بالبراءة، بل ببناء مناخ لا يسمح بالالتباس، ولا يكافئ المناطق الرماديّة.

ليس شتيمةً لغويّةً وصفُ تعيين غراسيا القزّي بأنّه “أوقح تعيين في الإدارة منذ الاستقلال”، بل توصيف لسلوك سلطويّ فاقع

دولة بلا ملاءمة هي دولة بلا بوصلة

الاعتراض على تعيين غراسيا القزّي محاولة للدفاع عن معنى السياسة نفسها. ما نشهده اليوم ليس خطأً معزولاً، بل تعبير مكثّف عن نظام فقد بوصلته الأخلاقيّة والعدليّة معاً.

في دولة تحترم نفسها، لا تُمنح المناصب السياديّة في لحظة اشتباه، ولا تُختبر ثقة الناس إلى هذا الحدّ. ليس التريّث ضعفاً، بل حكمة. وعدم التعيين، أحياناً، هو القرار السياديّ الوحيد الممكن.

إقرأ أيضاً: جوزف عون يستعيد خطاب القسم من خاطفيه

يُثبت ما جرى في قرار تعيين غراسيا القزّي أنّ النظام السياسيّ اللبنانيّ لا يزال عاجزاً عن التعلّم، وعن إدراك أنّ الدولة الحديثة لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بالملاءمة، وبالقدرة على قول “لا” حين تكون الـ”لا” هي آخر أشكال المسؤوليّة. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان أسير حلقة الوقاحة نفسها: تعيينات تستفزّ، عدالة تُستنزَف، وثقة تُدفَن مرّة بعد مرّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@jezzini_ayman

مواضيع ذات صلة

برّي لـ”أساس”: السّعوديّة مع القرار للدّولة وهذا موقفنا

يؤكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لـ”أساس” أنّ “السعوديّين يشدّدون على أن يكون القرار للدولة اللبنانيّة (تمكينها)، أي على تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاريّ، ونحن…

أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

انفجر الوضع في الحيَّين الشيخ مقصود والأشرفية شرقيّ حلب. وتبادل الجيش ومسلّحو الأكراد الاتّهامات. لكن حصل فجأةً ما كان قد حصل قبل عام عند خروج…

ترامب وإيران: عندما يصبح السّقوط أخطر من البقاء

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، لم تواجه الولايات المتّحدة تحدّياً مستمرّاً ومعقّداً مثل التحدّي الإيرانيّ. سبعة رؤساء أميركيّين تعاقبوا على البيت الأبيض، من جيمي…

وحدة الصّومال خطّ أحمر مصريّ

ليست العلاقة بين مصر والصومال وليدة الانتماء المشترك إلى جامعة الدول العربيّة، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا. ليست مصر وادي النيل فقط،…