منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، لم تواجه الولايات المتّحدة تحدّياً مستمرّاً ومعقّداً مثل التحدّي الإيرانيّ. سبعة رؤساء أميركيّين تعاقبوا على البيت الأبيض، من جيمي كارتر إلى دونالد ترامب، وكلٌّ منهم حاول مقاربة إيران بأسلوب مختلف: احتواء، عقوبات، تفاوض، ردع، ثمّ مواجهة غير مباشرة. لكنّ الثابت أنّ إيران بقيت، على الدوام، خصماً استراتيجيّاً لمصالح واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط، ومصدراً دائماً لعدم الاستقرار في المنطقة.
مع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، تجد واشنطن نفسها أمام إيران مختلفة جذريّاً عن تلك التي عرفتها في العقدين الماضيَين: دولة منهكة اقتصاديّاً، شبكاتها الإقليميّة وأذرعها متآكلة، برنامجها النوويّ متضرّر، وشرعيّتها الداخليّة في أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود. مع ذلك، لا يزال النظام متماسكاً أمنيّاً، ممسكاً بمفاصل القوّة في الداخل، وقادراً على قمع الاحتجاجات وتأجيل الانفجار الكبير.
لم يعد السؤال المركزيّ في واشنطن: كيف نردع إيران؟ بل كيف نُدير مرحلة ما بعد ضعفها؟
عقدة جيوسياسيّة؟
رسميّاً، لا تتبنّى الإدارة الأميركيّة سياسة “تغيير النظام” في إيران، وليس السبب أخلاقيّاً ولا قانونيّاً، بل استراتيجيّ بحت. الخبرة الأميركيّة في العراق وليبيا وأفغانستان جعلت صانعي القرار في واشنطن شديدي الحساسيّة تجاه فكرة إسقاط أنظمة من دون وجود بديل واضح أو بنية انتقاليّة قابلة للحياة.
ليست الخشية الكبرى من سقوط النظام الإيرانيّ بحدّ ذاته، بل من طريقة سقوطه: هل يكون انهياراً منظّماً يقوده الداخل؟ أم تفكّكاً فوضويّاً يفتح الباب أمام حرب أهليّة؟ أم صراع إثنيّ–مناطقيّ؟ أم صعود ميليشيات متناحرة على مساحة جغرافيّة تمتدّ من الخليج إلى القوقاز؟
رسميّاً، لا تتبنّى الإدارة الأميركيّة سياسة “تغيير النظام” في إيران، وليس السبب أخلاقيّاً ولا قانونيّاً، بل استراتيجيّ بحت
ليست إيران دولة هامشيّة. إنّها عقدة جيوسياسيّة. أيّ فوضى داخلها ستنعكس فوراً على:
1- أمن الخليج وأسواق الطاقة.
2- استقرار العراق وأذربيجان وأفغانستان.
3- طرق التجارة العالميّة.
4- ميزان القوى بين روسيا والصين والولايات المتّحدة.
لهذا تتجنّب واشنطن حتّى الآن دفع النظام إلى “حافة الانهيار”، مفضّلة سياسة إضعاف مضبوط بدل إسقاط غير محسوب.
ما يميّز مقاربة ترامب الحاليّة هو الفصل الواضح بين إضعاف النظام وإنقاذ الدولة. الإدارة لا تسعى إلى إصلاح النظام تدريجاً، لأنّها تعتبره غير قابل للإصلاح، لكنّها في الوقت نفسه لا تريد تحمّل كلفة تفكّكه. لذلك تعتمد واشنطن على أربع ركائز متوازية:
1- خنق القدرة على التوسّع الخارجيّ، عبر ضرب الأذرع، تقليم نفوذ الوكلاء، وتجفيف التمويل، كما جرى في سوريا ولبنان والعراق واليمن.
2- منع العودة إلى دولة نوويّة، ليس عبر اتّفاق شامل، بل من خلال عمليّات ردع، ضربات محدودة، ورسائل أمنيّة مباشرة.

3- ترك التّغيير للدّاخل الإيرانيّ، عبر السماح للاحتجاجات بأن تستنزف النظام ببطء.
4- التّحضير الصامت لسيناريو اليوم التّالي، وهو الجزء غير المعلن: واشنطن تدرس السيناريوهات، لا لتصميم إيران جديدة، بل لمنع انفجار إقليميّ إذا انهارت إيران.
كيف ننجو؟
في الماضي، كانت إيران ورقة يمكن احتواؤها أو ردعها أو التفاوض معها. أصبحت اليوم ورقةً مجهولة: نظاماً ضعيفاً لكن عنيداً، مجتمعاً غاضباً لكن غير موحّد، معارضة واسعة لكن غير منظّمة، ودولة عميقة قادرة على القمع لكن فقدت القدرة على الإقناع.
هذا المجهول هو ما يقلق واشنطن أكثر من النظام نفسه. فالسقوط قد يفتح باباً على شرق أوسط أكثر اضطراباً، لا أقلّ.
مع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، تجد واشنطن نفسها أمام إيران مختلفة جذريّاً عن تلك التي عرفتها في العقدين الماضيَين
لهذا لن تكون المرحلة المقبلة مرحلة “إسقاط النظام”، ولا مرحلة “إعادة تأهيله”، بل مرحلة إدارة التآكل: ترك النظام يضعف، تقليص أخطاره، ومنع سقوطه من التحوّل إلى زلزال إقليميّ.
لا تتعامل الولايات المتّحدة مع إيران اليوم بصفتها خصماً تجب هزيمته بل ملفّاً يجب احتواء تداعياته. وتدرك أنّ التغيير قادم، لكنّ توقيته وشكله هما العاملان الأخطران. لذلك استراتيجية واشنطن في عهد ترامب ليست إنهاء النظام ولا إنقاذه، بل ضمان ألّا يتحوّل سقوطه، إن حصل، إلى كارثة إقليميّة تتجاوز إيران نفسها.
إقرأ أيضاً: إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية
في السياسة الأميركيّة، لم يعُد ينطبق على إيران سؤال “ماذا نفعل بها؟”، بل سؤال “كيف ننجو من اليوم الذي تتغيّر فيه؟”. ربّما هذا هو موقف دول المنطقة التي عانت لعقود من نظام “الثورة الإسلاميّة”.
لمتابعة الكاتب على X:
