أحمد الشّرع للأقلّيّات: سورية موحّدة

مدة القراءة 6 د

انفجر الوضع في الحيَّين الشيخ مقصود والأشرفية شرقيّ حلب. وتبادل الجيش ومسلّحو الأكراد الاتّهامات. لكن حصل فجأةً ما كان قد حصل قبل عام عند خروج قوّات الشرع من إدلب باتّجاه حلب. إذ توالى سقوط المدن خلال أسبوع وصولاً إلى دمشق، والآن بين 14 و15 من الشهر الجاري و19 و20 منه انهارت الجبهة الكرديّة في غرب الفرات وشرقه، وسيطر الجيش والعشائر على محافظات عربيّة في شرق الفرات، وتمّ إعلان اتّفاق وقف إطلاق النار والاندماج الكامل. فهل انتهت المشكلة الكرديّة في سورية؟

 

وضعت “قسد” نفسها على حدّ السكين، من خلال التحرّش بالسكّان المدنيّين وقوّات الأمن في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفيّة شرقيّ حلب وما وراءها. وفق اتّفاق 10 آذار 2025، كان من المفترض أن تنسحب “قسد” من مناطق شرقيّ حلب وغرب الفرات قبل نهاية العام، وأن تبدأ بدمج قوّاتها العسكريّة ضمن الجيش السوريّ، إلّا أنّ ذلك لم يحدث، على الرغم من رجاءات الرئيس السوريّ أحمد الشرع ورحلات المبعوث الأميركيّ توم بارّاك.

لماذا تأخّر تنفيذ الاتّفاق؟

وقّعت “قسد” على اتّفاق 10 آذار ثمّ تردّدت في تطبيقه، وذلك لأسباب عدّة:

1- المعارضة الدّاخليّة لقائد “قسد”

واجه قائد “قسد” مظلوم عبدي، الذي وقّع الاتّفاق في دمشق، معارضة شديدة من أتباعه وحلفائه. المناطق التي يسيطرون عليها منذ أكثر من عقد تحتوي على معظم نفط سورية وغازها، إضافة إلى كميّات كبيرة من المياه والأراضي الزراعيّة.

كان طموحهم الوصول إلى فدراليّة واسعة، بينما اقتصر الاتّفاق على اللامركزيّة، ولذا لجؤوا إلى الأميركيّين لمحاولة تعديل الاتّفاق بما يخدم مصالحهم، لكنّ الولايات المتّحدة رفضت ذلك، معتبرة أنّ الفدراليّة قد تؤدّي إلى تفكيك الدولة السوريّة.

رحّب بارزاني ببيان الرئيس أحمد الشرع بشأن الحقوق الثقافيّة والوطنيّة للأكراد، لكنّه لا يستطيع التدخّل العسكريّ

خلال الأيّام الأخيرة، عندما كانت قوّات الحكومة السوريّة توجّه إنذارات وتهاجم قوّات “قسد” وحزب العمّال الكردستانيّ في حيَّي شرقي حلب، التقى توم بارّاك ومظلوم عبدي بمسعود بارزاني في إربيل لطلب الوساطة. رحّب بارزاني ببيان الرئيس أحمد الشرع بشأن الحقوق الثقافيّة والوطنيّة للأكراد، لكنّه لا يستطيع التدخّل العسكريّ، ويقتصر دوره على الدعم المعنويّ، وربّما تسهيل التفاوض مع عناصر حزب العمّال الكردستانيّ، الذين لم تعُد الدولة بحاجة إليهم وأصبحوا عبئاً على القوى الكرديّة.

2- القوّة العسكريّة لـ”قسد” وحزب العمّال الكردستانيّ

على الرغم من ضخامة أعداد “قسد” (200 ألف كرديّ + 150 ألف عربيّ)، ليست القوّة العسكريّة الأولى في المناطق الكرديّة. تعتمد بشكل كبير على قوّات حزب العمّال الكردستانيّ، التي جاءت للنجدة من جبال قنديل شمال العراق وسنجار، ويبلغ تعدادها نحو 30 ألف عنصر.

ساعدت هذه القوّات في إخراج تنظيم داعش من المناطق الكرديّة بين عامَي 2016 و2017 تحت غطاء طائرات التحالف الدوليّ، لكنّها اليوم تواجه مأزقاً، إذ لن يقبلها السوريّون، وتركيا ترفض وجودهم لأنّه يتعارض مع المصالحة التركيّة-الأوجلانيّة، فيما الولايات المتّحدة لا توفّر لهم حماية دائمة.

الشرع

الخيارات المتاحة أمام هذه القوّات محدودة: العودة إلى جبال قنديل، البقاء قرب بارزاني، أو الاستقرار في المحافظتين الكرديّتين الحسكة والقامشلي ضمن حكم ذاتيّ جزئيّ. وفق اتّفاق 10 آذار، يمكن للجيش السوريّ استيعاب ثلاث فرق من “قسد”، ويضمّ الجيش الجديد آلاف المتطرّفين الذين جاؤوا مع الشرع من إدلب، وبعضهم أصبحوا ضبّاطاً كباراً. أمّا الذين لا يمكن دمجهم في الجيش فسيبقون ضمن الشرطة في المحافظتين الكرديَّتين مع حكم ذاتيّ محدود.

3- قضيّة المعتقلات والسّجون

لمّا تجد حلّاً المعتقلاتُ التي تضمّ الدواعش الذين ثلثاهم من النساء والأطفال. القلّة منهم سوريّون، بينما الأغلبيّة عراقيّة، إضافة إلى بضعة آلاف من جنسيّات أوروبيّة وآسيويّة وإفريقيّة.

تبقى الأمور شديدة الصعوبة والحساسيّة، لكنّ حركة الجيش السوريّ والعشائر تمثّل خطوة مهمّة لمصلحة وحدة سورية واستراتيجية الرئيس أحمد الشرع

يتمّ استرداد العراقيّين ببطء شديد، وأمّا الآخرون فقد أسقطوا جنسيّاتهم أو رفضت دولهم استرجاعهم. تحرس هذه المعتقلات قوّات “قسد” بمساعدة الأميركيّين والمفوضيّات الإنسانيّة من الأمم المتّحدة ودول أخرى. تعهّدت الحكومة السوريّة بالإشراف على المعتقلات بدلاً من “قسد”، لكنّ الأميركيّين يخشون أن يتفلّت الوضع، خاصّة أنّ بعض النساء المحتجزات يشكّلن “قنابل موقوتة”.

التّطوّرات الميدانيّة الكاسحة

تقدّمت القوّات السوريّة بعد حيَّي شرقيّ حلب، واستولت على بلدات غرب الفرات مثل دير حافر ومسكنة، وصولاً إلى جسر العبور عند الطبقة ومطارها باتّجاه الرقّة شرق الفرات.

كان من المفترض أن تُسلَّم هذه المناطق للحكومة قبل عدّة أشهر، لكنّ اتّفاق 10 آذار لم يُنفَّذ أيُّ جزء منه، ولذلك جاء تقدّم الجيش نتيجة انهيار الجبهة الكرديّة، بينما اقتصر القتال الفعليّ على جسر الفرات ومطار الطبقة، وبقيت المقاومة محدودة في باقي المناطق.

قبل أن يقرّر الجيش الخطوة التالية بعد الطبقة، تحرّك عرب الرقّة، وانشقّ شبّانهم عن “قسد”، وبدؤوا بالسيطرة على المراكز العسكريّة والأمنيّة، مع مقاومة كرديّة ضعيفة. شهدت محافظة دير الزور تمرّداً مشابهاً، حيث سيطرت العشائر على المدينة وآبار النفط والغاز، وناشدت الحكومة السوريّة التدخّل.

يوم الأحد 18 كانون الثاني 2026، تصاعدت الأصوات الأميركيّة احتجاجاً على زحف القوّات السوريّة، ودعا توم بارّاك إلى وقف القتال وعودة الطرفين للتفاوض على تنفيذ الاتّفاق.

لم يتجاوز الطرف العربيّ الرسميّ والعشائريّ الخطوط الحمر، فقد سيطر على المحافظات ذات الأكثريّة العربيّة. أعلن الرئيس السوريّ وقف إطلاق النار ودعا العشائر إلى الهدوء، ثمّ بدأ التفاوض مع مظلوم عبدي وتنظيمه، بوساطة بارّاك وبارزاني، في تنفيذ بنود الاتّفاق، وأوّلها دمج القوّات الكرديّة في الجيش.

إقرأ أيضاً: الشّرع يربك “قسد”: صفعة عسكريّة وقنبلة سياسيّة

تبقى الأمور شديدة الصعوبة والحساسيّة، لكنّ حركة الجيش السوريّ والعشائر تمثّل خطوة مهمّة لمصلحة وحدة سورية واستراتيجية الرئيس أحمد الشرع، وستؤثّر على الوضع في كلّ سورية. حتّى الهجري من السويداء يدعو الآن إلى التهدئة والسلم. كانت الحملة ضروريّة، إذ كل الأقلّيّات كانت تتحفّز وكان اعتمادها على عسكر “قسد”.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

برّي لـ”أساس”: السّعوديّة مع القرار للدّولة وهذا موقفنا

يؤكّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي لـ”أساس” أنّ “السعوديّين يشدّدون على أن يكون القرار للدولة اللبنانيّة (تمكينها)، أي على تنفيذ خطاب القسم والبيان الوزاريّ، ونحن…

ترامب وإيران: عندما يصبح السّقوط أخطر من البقاء

منذ قيام الجمهوريّة الإسلاميّة عام 1979، لم تواجه الولايات المتّحدة تحدّياً مستمرّاً ومعقّداً مثل التحدّي الإيرانيّ. سبعة رؤساء أميركيّين تعاقبوا على البيت الأبيض، من جيمي…

وحدة الصّومال خطّ أحمر مصريّ

ليست العلاقة بين مصر والصومال وليدة الانتماء المشترك إلى جامعة الدول العربيّة، بل هي علاقة ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا. ليست مصر وادي النيل فقط،…

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…