أعادت موجة الاحتجاجات التي تجتاح إيران إشعال النقاشات الإقليميّة والدوليّة في مستقبل الجمهوريّة الإسلاميّة، ودورها ونفوذها الواسع في الشرق الأوسط. في هذا السياق، يحلّل أربعة خبراء من مجلس العلاقات الخارجيّة الأميركيّ (CFR)، متخصّصين في شؤون إسرائيل، دول الخليج، لبنان، وتركيا، كيفيّة تأثير الأزمة الداخليّة الإيرانيّة على إعادة تشكيل النظام الإقليميّ.
يُعدّ مجلس العلاقات الخارجيّة، الذي تأسس عام 1921 ويُصدر مجلّة فورين أفيرز، من أبرز مراكز الفكر الأميركيّة، ويُعنى بإنتاج التحليلات المرتبطة بالسياسات العامّة، جمع الخبراء وصنّاع القرار، وتعزيز الحوار العامّ المستنير، بهدف التأثير في أبرز القضايا التي تواجه الولايات المتّحدة والعالم.
إسرائيل: أمل في التّغيير… لكن مع تجارب قاسية
يعتقد الباحث إليوت أبرامز، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، والذي شغل منصب نائب مساعد الرئيس ونائب مستشار الأمن القوميّ في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وأشرف على سياسة البيت الأبيض في الشرق الأوسط، وشغل منصب الممثّل الخاصّ لإيران وفنزويلّا في إدارة الرئيس دونالد ترامب، أنّ “الإسرائيليّين ينظرون إلى احتمال انهيار الجمهوريّة الإسلاميّة بكثير من الأمل، لكن مع توقّعات شديدة التحفّظ”.
سياسة طهران القائمة على شعار “الموت لإسرائيل”، إلى جانب برنامجها النوويّ، ودعمها لوكلاء مسلّحين مثل “الحزب” و”حماس”، جعلت إيران في صميم التهديدات الوجوديّة للأمن القوميّ الإسرائيليّ لعقود. يرى أبرامز أنّ سقوط الجمهوريّة الإسلاميّة قد يضع حدّاً لمواجهة دامت ستّة وأربعين عاماً، مستحضراً مرحلة حكم الشاه، حين كانت العلاقات الإيرانيّة–الإسرائيليّة قائمة على التعاون والتحالف السرّيّ. عزّز ظهور رضا بهلوي، نجل الشاه، هذا الشعور بالتفاؤل لدى بعض الأوساط الإسرائيلية.
غير أنّ هذا التفاؤل، وفق أبرامز، يبقى محدوداً لعدّة أسباب:
تستعدّ حكومات الخليج للتعامل مع إيران أضعف، لكنّها ربّما أكثر غموضاً، بعد انحسار الاضطرابات
– استعداد النظام الإيرانيّ لاستخدام القمع الجماعيّ، واعتماده على أجهزة أمنيّة موالية ومسلّحة تسليحاً جيّداً. ولا يزال صانعو القرار في إسرائيل متأثّرين بدروس “الربيع العربيّ” الذي أُجهِضت فيه حركات التغيير أو قادت إلى فوضى طويلة الأمد وعودة أنظمة استبداديّة.
– احتمال استبدال الجمهوريّة الإسلاميّة بنظام آخر قد لا يكون أقلّ عدائيّة، مثل دكتاتوريّة عسكريّة علمانيّة تسعى إلى امتلاك السلاح النوويّ والصواريخ البالستيّة، مع الإبقاء على موقف معادٍ لإسرائيل.
– احتمال تجدّد الدبلوماسيّة الأميركيّة–الإيرانيّة، إذ تخشى إسرائيل أن يؤدّي أيّ اتّفاق جديد إلى رفع العقوبات عن طهران، مع الإبقاء على برامجها الصاروخيّة وشبكاتها الإقليميّة بالوكالة، وهو ما قد ينتج نظاماً أكثر ثراءً واستقراراً، لكن لا يزال عدائيّاً في جوهره.
يخلص أبرامز إلى أنّ شرقاً أوسط تسعى فيه إيران إلى السلام والاستقرار من شأنه أن يُحدث تحوّلات عميقة في المنطقة بأسرها، من تحسين العلاقات الإسرائيليّة مع جيرانها، إلى خفض التهديدات الأمنيّة، وربّما تقليص ميزانيّة الدفاع الإسرائيليّة. إلّا أنّ هذا السيناريو، برأيه، لا يزال بعيداً عن الواقع المتوقّع.
دول الخليج: توقّع بقاء النّظام… والاستعداد للتقلّبات
يرى ستيفن كوك، الخبير في السياسة العربيّة والتركيّة، وفي سياسة الولايات المتّحدة تجاه الشرق الأوسط، ومؤلّف كتاب “نهاية الطموح: ماضي أميركا وحاضرها ومستقبلها في الشرق الأوسط”، أنّ دول الخليج قد تستفيد من ضعف النظام الإيرانيّ أو سقوطه، لكنّها في الوقت ذاته ستكون في طليعة المتضرّرين من أيّ فوضى أو اضطرابات ناتجة عن ذلك.
يفسّر هذا الواقع المزدوج ردود الفعل الخليجيّة الحذرة تجاه الاحتجاجات الإيرانيّة، على الرغم من التقارب الدبلوماسيّ الذي شهدته العلاقات بين طهران وعدد من دول الخليج بعد سنوات من التوتّر. على الرغم من هذا الانفراج، لا يزال انعدام الثقة قائماً، إذ تتّهم عواصم الخليج إيران بمواصلة سياساتها المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك تهريب الأسلحة إلى الحوثيّين في اليمن، وتقديم الدعم الماليّ والعسكريّ لـ”الحزب” في لبنان.
—-
خلال حرب “الأيّام الاثني عشر” في حزيران 2025، ساد قلق بالغ في العواصم الخليجيّة خشية ردّ إيرانيّ مباشر، حتّى لو رحّبت هذه الدول سرّاً بإضعاف النظام الذي تعتبره مصدراً دائماً لعدم الاستقرار الإقليميّ.
بحسب كوك، تشير التقديرات الخليجيّة إلى أنّ القيادة الإيرانيّة ستبقى في السلطة على الأرجح، على الرغم من حدّة الاحتجاجات غير المسبوقة. لذلك تستعدّ حكومات الخليج للتعامل مع إيران أضعف، لكنّها ربّما أكثر غموضاً، بعد انحسار الاضطرابات. حتّى في حال انهيار النظام، وهو احتمال مستبعَد، ستكون أولويّة هذه الدول حماية مجتمعاتها من تداعيات الفوضى المحتملة.
يُميّز كوك موقف سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً دبلوماسيّاً ثابتاً، معتبراً أنّ استمرار تواصلها مع طهران، بما في ذلك اللقاءات الرفيعة المستوى التي تشدّد على الحوار وضبط النفس، قد يكون مؤشّراً إلى رغبة إيرانيّة في إعادة فتح قنوات التواصل مع واشنطن.
لبنان: لحظة حاسمة لـ”الحزب”
ترى إليزا إيورز، الخبيرة في الأمن القوميّ والسياسة الخارجيّة الأميركيّة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، أنّ الاحتجاجات الإيرانيّة تحمل دلالات خاصّة للبنان. اكتسب شعار المتظاهرين “لا لغزّة، لا للبنان، حياتي فداءٌ لإيران” صدىً عميقاً لدى اللبنانيّين، إذ عبّر المحتجّون الإيرانيّون بوضوح عن رفضهم استنزاف موارد إيران من أجل جماعات مثل “الحزب” وحركة حماس، وهو ما يعكس إحباطاً إيرانيّاً مزمناً.
تشير إيورز، التي شغلت مناصب في إدارتَي باراك أوباما وجورج دبليو بوش، وفي مجلس الأمن القوميّ ووزارتَي الخارجيّة والدفاع، إلى أنّ هذه الاحتجاجات تأتي في توقيت بالغ الحساسيّة بالنسبة للبنان. تتزامن مع إضعاف إسرائيل لقدرات “الحزب” العسكريّة، واستمرار استهداف مواقعه، ومع محاولات الدولة اللبنانيّة بسط سلطتها في الجنوب، وترسيخ مبدأ حصريّة السلاح بيدها.
تشير التقديرات الخليجيّة إلى أنّ القيادة الإيرانيّة ستبقى في السلطة على الأرجح، على الرغم من حدّة الاحتجاجات غير المسبوقة
تأتي أيضاً في ظلّ تصريحات رسميّة لبنانيّة تؤكّد أنّ الوقت قد حان لكي “يتصرّف الحزب بحكمة” ويتخلّى عن سلاحه الذي بات يُنظر إليه على أنّه عبء على البلاد، وهي دعوات يرفضها “الحزب” حتّى الآن بحجّة استمرار الحاجة إلى سلاحه للدفاع الوطنيّ.
تحذّر إيورز من احتمال لجوء النظام الإيرانيّ، مباشرة أو عبر “الحزب”، إلى افتعال أزمات خارجيّة لصرف الأنظار عن أزمته الداخليّة، بما قد يهدّد وقف إطلاق النار الهشّ مع إسرائيل. على الرغم من التقليل العلنيّ من شأن الاحتجاجات الإيرانيّة، قد يصبح هذا الموقف غير قابل للاستمرار إذا طال أمد الاضطرابات أو أثّرت على قدرة طهران على دعم “الحزب” ماليّاً وعسكريّاً.
تخلص إيورز إلى أنّ “الحزب” يواجه خياراً مصيريّاً: إمّا التكيّف سياسيّاً وتقليص اعتماده على السلاح، أو الاستمرار في الارتباط براعٍ إقليميّ يزداد ضعفاً، مع تحمّل كلفة الضربات الإسرائيليّة المتواصلة. أمّا بالنسبة لكثير من اللبنانيّين، فتمثّل الاحتجاجات الإيرانيّة أملاً في مستقبل تتراجع فيه هيمنة “الحزب” وقبضة إيران على لبنان.
تركيا: مكاسب ومخاوف استراتيجيّة
يشير هنري باركي، الخبير في الشؤون التركيّة، إلى أنّ الموقف الرسميّ التركيّ من الاضطرابات الإيرانيّة اتّسم بتحفّظ مقصود، إذ تعتبر أنقرة أنّ معالجة الأزمة يجب أن تتمّ داخليّاً على يد الإيرانيّين أنفسهم.
بحسب باركي، الذي يدرّس في مجلس العلاقات الخارجيّة مستقبل الأكراد الاستراتيجيّ في الشرق الأوسط، ويشغل عضويّة مجلس أمناء الجامعة الأميركيّة في السليمانيّة، فإنّ الأزمة الإيرانيّة معقّدة بالنسبة لتركيا. منذ عقود، شكّل النفوذ الإيرانيّ الإقليميّ عائقاً أمام الطموحات التركيّة، غير أنّ سلسلة من النكسات التي مُنيت بها طهران، من سقوط نظام بشّار الأسد، إلى تراجع نفوذ “حماسّ” و”الحزب”، وصولاً إلى مواجهاتها مع إسرائيل والولايات المتّحدة، أدّت إلى عزلتها إقليميّاً.
يخلص أبرامز إلى أنّ شرقاً أوسط تسعى فيه إيران إلى السلام والاستقرار من شأنه أن يُحدث تحوّلات عميقة في المنطقة بأسرها
استفادت أنقرة من هذا التراجع، خصوصاً في سوريا، حيث حلّ النفوذ التركيّ محلّ النفوذ الإيرانيّ، وامتدّ تأثير تركيا لاحقاً إلى ما هو أبعد من سوريا، مدعوماً باقتصاد أكثر ديناميكيّة ودور دوليّ متنامٍ. وفي هذا السياق، يتحدّث بعض السياسيّين وقادة الرأي في تركيا عن نظام إقليميّ جديد قائم على قوّتين أساسيّتين: تركيا وإسرائيل.
يحدّد باركي التحدّي التركيّ تجاه إيران في مسارين:
– في حال انزلاق إيران إلى حرب أهليّة، قد تواجه تركيا تداعيات خطِرة، تشمل موجات لجوء جديدة، تجدّد الاضطرابات الكرديّة على حدودها، وزعزعة الاستقرار الهشّ في العراق.
إقرأ أيضاً: والي نصر: هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران
– أمّا في حال سقوط النظام، فسيكون السؤال المطروح: هل ترحّب أنقرة بحكومة إيرانيّة جديدة موالية للغرب؟ على الرغم من الفوائد الاقتصاديّة الفوريّة، قد تتحوّل إيران الجديدة إلى منافس سياسيّ وإقليميّ لتركيا.
لذلك يرجّح باركي أن تفضّل أنقرة تغييراً مضبوطاً أو حتّى بقاء الوضع على ما هو عليه، بما يسمح للإيرانيّين بحلّ أزمتهم داخليّاً من دون إشعال موجات عدم استقرار إقليميّة واسعة.
