لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003، ردّاً على قمع طهران للمتظاهرين، اختار ترامب الصمت ثمّ إبطال الهجوم. لم يكن ذلك تراجعاً، في حسابات الرئيس الأميركيّ، بل عمليّة «جني أرباح» سياسيّة من تهديد لم يكلّفه رصاصة واحدة، ونافذة واضحة على ما يميّز استراتيجيته عن غيره من الرؤساء، وعمّا عرفته واشنطن لعقود.
في السابق، كانت “المصداقيّة” تعني أن ينفّذ الرئيس تهديده حرفيّاً، وإلّا طارده الفشل. هذا ما حصل مع الرئيس باراك أوباما عام 2013، بعد فشله في تنفيذ تهديده لدمشق حين تجاوز بشّار الأسد “الخطّ الأحمر” الأميركيّ وشنّ هجوماً كيماويّاً على مدنيّين سوريّين. وهذا ما حصل أيضاً مع جورج بوش الأب عام 1990، حين ثار الأكراد العراقيّون ضدّ صدّام حسين بدفعٍ منه، لكنّ أميركا اكتفت بتحرير الكويت ولم تُكمل باتّجاه إسقاط نظام بغداد.
بيد أنّ لترامب رؤية أخرى. لا تكمن قوّة الردع، في نظره، في المصداقيّة، بل في “التقلّب” الذي يُربك الخصوم ويشلّ قدرتهم على الفهم والتوقّع.
حتّى الآن، لا تستطيع حكومة في العالم أن تُقدّر ما إذا كان الرئيس الأميركيّ قد أسقط خيار ضرب إيران أم أرجأه فحسب
المفاتيح القاتلة؟
نجح تهديده الأخير في وقف الإعدامات لأنّ طهران لم تستطِع تقدير المخاطر. فالمرشد يتذكّر أنّ منشآته النوويّة قُصفت في حزيران 2025، وبوسعه أن يراهن، في الوقت نفسه، على أنّ ترامب قد يتراجع في اللحظة الأخيرة. هذا الضياع الإيرانيّ بين احتمال أن “يضرب مجدّداً” أو “لا يكرّرها” هو ما دفع وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي إلى التواصل مع المبعوث الدوليّ لترامب ستيف ويتكوف، في واحدة من علامات الخوف والارتباك الإيرانيَّين. بهذه المعايير يقيس ترامب النصر الحقيقيّ: دفع الخصم إلى التفاوض الدائم خوفاً ممّا قد يفعله في الساعة التالية.
حتّى الآن، لا تستطيع حكومة في العالم أن تُقدّر ما إذا كان الرئيس الأميركيّ قد أسقط خيار ضرب إيران أم أرجأه فحسب، ولا سيما أنّ الحاجز النفسيّ أمام استهداف إيران، من حيث المبدأ، سقط منذ ضربة 2025.
رغم ميله إلى تجنّب الحروب المكلفة، فإنّ هناك “مفاتيح” محدّدة في ذهن ترامب سيؤدّي الضغط عليها إلى انطلاق الصواريخ فوراً، وهي في الغالب حسابات ربح وخسارة شخصيّة وسياسيّة:
1- الخسائر البشريّة الأميركيّة: مقتل أيّ أميركيّ سيجعل الردّ أمراً حتميّاً لا يمكن لترامب تجنّبه أمام ناخبيه، ما يُسقط فوراً أيّ اعتبار لديه لتحفّظات حلفاء واشنطن في المنطقة.
2- الإهانة الشخصيّة: يقوم نظام ترامب على “إظهار الهيمنة الدائمة”. فإذا بالغ المرشد، وهو قريب من ذلك، بخطوات أو خطابات تجعل الرئيس الأميركيّ يبدو “ضعيفاً” أو “مخدوعاً” (كاستئناف الإعدامات بعدما شكرهم علناً على إبطالها)، فسيضرب لترميم صورته الشخصيّة قبل أيّ شيء آخر.
3- السباق نحو القنبلة: أيّ محاولة إيرانيّة لإعادة بناء البرنامج النوويّ ستُعتبر فشلاً شخصيّاً لترامب. لن يسمح بأن يُقال إنّ “ترامب ترك إيران تمتلك القنبلة”.
4- الحاجة السياسيّة الداخليّة: مع اقتراب الانتخابات النصفيّة عام 2026، قد يجد ترامب في “عمليّة عسكريّة خاطفة”، ذات هدف كبير ومحدّد وبكلفة منخفضة، وسيلةً لرفع شعبيّته.
لا يزال بوسع ترامب، في المدى المنظور، أن يراهن على تجنّب الضربة نهائيّاً إذا انهار النظام الإيرانيّ من الداخل من دون تدخّل أميركيّ. فإذا تجدّدت الاحتجاجات وتصاعدت إلى مستوى ثورة حقيقيّة، وبدأ الحرس الثوريّ بالانشقاق، أو ظهر بديل سياسيّ موثوق (ولا سيما من داخل النظام)، فإنّ ترامب يحصل على نصر مجّانيّ، أو على نافذة لضربة مضمونة الأهداف سلفاً. سينسب سقوط النظام إلى سياسته من دون كلفة الحرب. يمنحه هذا السيناريو السرديّة المثاليّة: “ضغطي وتهديدي والعقوبات القصوى حرّرت إيران من دون إطلاق رصاصة”. لكنّ الوقت لا يزال يلعب لمصلحة النظام لا لمصلحة ترامب، في ظلّ عدم بروز أيّ تصدّعات جدّيّة وواعدة في بنية نظام الملالي.
إلى ذلك، تُعدّ صدمة أسعار النفط القيد الاقتصاديّ الأكبر على قرار ترامب. فأيّ ضربة على إيران تهدّد بإغلاق مضيق هرمز، الذي تمرّ منه 20% من إمدادات النفط العالميّة، ما قد يرفع الأسعار إلى 150–200 دولار للبرميل لأسابيع، ويرفع بالتالي أسعار الوقود في أميركا قبل انتخابات 2026 النصفيّة، ويؤدّي إلى كارثة سياسيّة محتملة لترامب.
ترامب يستمع إلى الحلفاء بقدر ما يخدم مصالحه فقط. فهو يدير الصراع مع إيران بمحاكاة فوريّة لمصلحته اللحظيّة
سوء تقدير كارثيّ؟
حتّى الآن، تقاطعت غرائز ترامب المناهضة للحروب والفوضى مع المصالح المباشرة لحلفائه الإقليميّين. فالدول الخليجيّة تفضّل نظاماً ضعيفاً مُداراً في طهران بدل الفراغ والفوضى المحتملَين إذا سقط النظام. إذ يعني سقوط الجمهوريّة الإسلاميّة احتمال تدفّق ملايين اللاجئين نحو الخليج، وتفكّك الدولة الإيرانيّة إلى ميليشيات عرقيّة مسلّحة (أذربيجانيّين، أكراد، تركمان، عرب الأحواز)، وفوضى قد تمتدّ عقداً كاملاً على غرار سوريا والعراق.
أمّا إسرائيل، فتريد تنسيقاً أكبر يضمن أعلى درجات الجهوزيّة الدفاعيّة، وهندسة الهجوم لتحقيق مروحة أوسع من الأهداف. فبعد أن دمّرت “الحزب” وحركة حماس وأضعفت “محور المقاومة”، تخشى أن يؤدّي انهيار النظام إلى فقدان السيطرة على الأسلحة النوويّة والكيماويّة الإيرانيّة، وظهور فاعلين جدد أكثر تطرّفاً أو لامركزيّة، ما يحوّل التهديد الإيرانيّ من خطر مُدار ومحتوى إلى فوضى لا يمكن التنبّؤ بها.
إقرأ أيضاً: ترامب يختبر استعداد بزشكيان-عراقجي لتفاوض مباشر
لكنّ ترامب يستمع إلى الحلفاء بقدر ما يخدم مصالحه فقط. فهو يدير الصراع مع إيران بمحاكاة فوريّة لمصلحته اللحظيّة. تماماً كما يُظهر ولاءه للمحتجّين وإحساسه بالمسؤوليّة الأخلاقيّة تجاههم بقدر ما يمكن توظيفهم أداةَ ضغط في مفاوضاته الكبرى مع طهران.
تعتمد فعّاليّة هذه الاستراتيجية المتقلّبة، وتبديد اليقين السياسيّ لدى صنّاع القرار في العالم، على وجود ترامب في السلطة، لأنّها تستمدّ أثرها من شخصيّته لا من مؤسّسات الدولة. غير أنّ خطورتها تكمن في أنّها قد تؤدّي إلى سوء تقدير كارثيّ، ولا سيما أنّ التوقّعات تشير إلى أنّ عام 2026 سيكون عام المواجهة، مع تنامي الظروف التي تجعل كلفة السكوت عن طهران أعلى، بمرور الوقت، من كلفة الضربة.
لمتابعة الكاتب على X:
