الاعتراف بالمشكلة هو أوّل طريق الحلّ. مرّ وقتٌ طويل قبل أن تعترف الدولة اللبنانيّة بالأزمة المصرفيّة التي انفجرت قبل ستّ سنوات، وتُقِرّ بحجمها عبر إقرار ما يُسمّى مشروع “قانون الانتظام الماليّ واسترداد الودائع”.
يتريّث مجلس النوّاب في مناقشة المشروع، بدايةً في لجنة المال والموازنة، لأنّ الأولويّة في الدورة الحاليّة هي لإقرار موازنة العام الجاري. وعلى الرغم من أنّ تقديم وإقرار الموازنة هما موجبٌ دستوريّ، يُفترض أن تدفع أسباب جوهريّة أخرى رئيس مجلس النوّاب ورئيس الحكومة إلى الاستعجال في القيام بخطوات تحضيريّة وتمهيديّة تساعد على إقرار مشروع قانون الفجوة الماليّة بأقصى سرعة عند عرضه.
من المفيد جدّاً أن تبدأ الحكومة دون إبطاء بإطلاق حوار جادّ مع الكتل النيابيّة، خارج الجلسات الرسميّة، لتوفير قاعدة نيابيّة واسعة مؤيّدة للمشروع عند عرضه على الهيئة العامّة، ولو اقتضى ذلك إدخال تعديلات جوهريّة على المشروع.
تذليل أسباب الاعتراض
في حالتنا الراهنة الوقت من ذهب، فمعظم خسائر المودعين والاقتصاد ناجمة عن التأخّر في اتّخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب. لو اتّفقت السلطتان التشريعيّة والتنفيذيّة على سنّ القوانين واتّخاذ القرارات اللازمة في الأسابيع الأولى للأزمة، لوفّر البلد على نفسه نسبةً كبيرة من الانهيار، واستعاد المودعون قدراً أكبر من أموالهم.
الأمثلة على ذلك عديدة. عشيّة الانهيار المصرفيّ كانت ودائع الزبائن في المصارف تبلغ حوالي 175 مليار دولار أميركي، بينها ما يقارب 124 ملياراً محرّرة بالعملات الأجنبيّة. في أيلول الماضي، أي بعد مرور ستّ سنوات على الانهيار، أصبح رصيد الودائع بالعملات الأجنبيّة 82 مليار دولار، والأصحّ “لولار”، أي إنّ رصيد هذه الودائع انخفض بمبلغ 42 مليار دولار، والقسم الأكبر من هذا الانخفاض ناجمٌ عن خسائر أصحاب الودائع الذين اضطرّوا إلى تصفية أموالهم بأسعار صرف منخفضة لتلبية حاجاتهم المعيشيّة، إضافةً إلى مفاعيل تعاميم مصرف لبنان الشهيرة.
هناك جوانب جوهريّة يمكن أن تشكّل أسساً وعناوين للحوار الداخليّ المطلوب في شأن قانون الفجوة، وفي بتّها مصلحة وطنيّة
بعدما أُقِرّ مشروع القانون في الحكومة بصيغته النهائيّة، واجهته عاصفة من الانتقادات والاعتراضات من الكتل النيابيّة والهيئات الاقتصاديّة والمصارف وممثّلي المودعين والمحامين والاقتصاديّين والنقابات الكبرى وسواها.
من الحريّ برئيس الحكومة والوزيرين اللذين ساعداه في إنجاز المشروع أن يبدؤوا في الوقت الضائع حواراً مع المعترضين لتذليل أسباب الاعتراضات وتكوين نوع من الإجماع، أو التوافق، عليه إلى حين إنجاز قانون الموازنة.
لكنّ رئيس الحكومة فضّل، على ما يبدو، صرف الوقت في استدراج “المدائح” الدوليّة، غير المفيدة، للقانون، بدل التوجّه نحو الحوار المفيد مع القوى المعترضة عليه لتحسين مضمونه وأحكامه وإزالة أسباب شكاوى المعترضين عليه.
افتعال الابتهاج؟
ذكرت مصادر إعلاميّة أنّ رئيس الحكومة كان يرغب بصدور بيان عن سفراء اللجنة الخماسيّة الذين زاروه يوم الإثنين الماضي، يعلنون فيه تأييدهم لمشروع قانون الفجوة الماليّة. ولأنّ هذه الرغبة لم تلقَ قبولاً من جميع السفراء الخمسة، تمّ الاكتفاء بعبارة وردت في تصريح السفير المصريّ علاء موسى بعد الزيارة، ذكر فيها أنّ “قانون الانتظام الماليّ أو الفجوة الماليّة هو خطوة في الاتّجاه الصحيح لاستعادة ثقة المؤسّسات الدوليّة”.

هذا يذكّرنا بتصريح السفارة الأميركيّة الذي أعلنت فيه أنّ موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون الفجوة الماليّة تُساهم في عودة ثقة المؤسّسات الماليّة الدوليّة بالاقتصاد اللبنانيّ. وكان وزير خارجيّة فرنسا سارع إلى التصريح بأنّ موافقة الحكومة اللبنانيّة على مشروع قانون الفجوة الماليّة هي “خطوة أولى وأساسيّة نحو استعادة ثقة الشعب اللبنانيّ بالنظام المصرفيّ اللبنانيّ”.
في مجال الأرقام نفسها، على الدولة أن توضّح بشكل علميّ دقيق أثر المشروع في حال تطبيقه على محاور الاقتصاد اللبنانيّ
يبيّن ذلك أنّ الحكومة اللبنانيّة هي التي تقف وراء هذه التصريحات ذات النصوص المتشابهة، للإيحاء بوجود نوع من “الابتهاج الدوليّ” بقانون الفجوة، وهو ابتهاج، حتّى لو كان صحيحاً، لا يفيدنا.
هناك جوانب جوهريّة يمكن أن تشكّل أسساً وعناوين للحوار الداخليّ المطلوب في شأن قانون الفجوة، وفي بتّها مصلحة وطنيّة أكيدة للاقتصاد اللبنانيّ وفائدة لا جدال فيها للنظام المصرفيّ وللمودعين. من أهمّ محاور البحث بين الحكومة والأطراف المعنيّة: إعادة البحث في مسؤوليّة الدولة ومساهمتها الحتميّة في الخسائر، وإزالة الغموض عمّا يتعلّق بمخزون الذهب، وهل إجازة استعمال عائداته المفترضة تعني ضمناً نيّة بيعه جزئيّاً أو كلّيّاً؟
يتطلّب مشروع القانون موضع البحث تعزيزه بأرقام موثوقة تطمئن المودعين إلى قدرة مصرف لبنان والمصارف على تسديد الدفعات الموعودة لأصحاب الحقوق في أوقاتها المحدّدة، لأنّ ردود الفعل الأولى تثير الشكّ في أنّ المصارف ومصرف لبنان ليست قادرة على تسديد الدفعات الموزّعة بين أربع سنوات وعشرين سنة.
إقرأ أيضاً: فلتُفتَح الأبوابُ أمام المصارف الخارجيّة
في مجال الأرقام نفسها، على الدولة أن توضّح بشكل علميّ دقيق أثر المشروع في حال تطبيقه على محاور الاقتصاد اللبنانيّ، وخصوصاً على الماليّة العامّة، النموّ الاقتصاديّ، وتطوّر الأسعار.
