هل كانت زيارة نوري المالكي لإربيل لقاء سياسيّاً عابراً أم دشّنت مساراً جديداً لإعادة تشكيل السلطة في العراق؟ من يحدّد اليوم ملامح الرئاسات الثلاث؟ وهل يتّجه العراق إلى إعادة إنتاج تجربة “المجرَّب” أم إلى تسوية اضطراريّة تفرضها توازنات الداخل وضغوط الخارج؟
لم تكن الزيارة التي قام بها زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لرئيس الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ مسعود بارزاني في إربيل، في الحادي والعشرين من تشرين الثاني 2025، زيارة بروتوكوليّة عاديّة بين شريكين في العمليّة السياسيّة العراقيّة التي تشكّلت بعد عام 2003. بل بدت، في مضمونها وتوقيتها، محطّة مفصليّة لم يلتفت كثيرون إلى أبعادها العميقة، لا سيما أنّها جاءت في ظلّ مشهد سياسيّ جديد أفرزته الانتخابات البرلمانيّة الأخيرة، وفي وقت لم يُخفِ المالكي طموحه إلى العودة إلى رئاسة الحكومة لولاية ثالثة.
بالتوازي مع الضغوط السياسيّة والدستوريّة التي مارستها مختلف القوى الممثّلة للمكوّنات العراقيّة من أجل التزام المهل القانونيّة في انتخاب الرئاسات الثلاث، نجح المكوّن السنّيّ في تمرير انتخاب رئيس مجلس النوّاب بأقلّ قدر ممكن من الخسائر السياسيّة، وضمن المهلة التي حدّدتها المحكمة الاتّحاديّة العليا. وتمكّنت غالبيّة قوى “المجلس الوطنيّ”، الإطار التمثيليّ الأوسع للمكوّن السنّيّ، من تجاوز خلافاتها الداخليّة وحسم خياراتها، عبر التوافق على منح امتياز تسمية رئيس البرلمان لزعيم حزب “تقدّم” ورئيس أكبر كتلة سنّيّة، محمد الحلبوسي، ليكون تعويضاً سياسيّاً بعد رفض إعادة انتخابه من داخل المكوّن السنّيّ نفسه ومن مكوّنات أخرى.
أعاد هذا الموقف تأكيد حرص مرجعيّة النجف على الاكتفاء بالدور الإرشاديّ، وتجنّب التحوّل إلى ما يشبه نموذج “ولاية الفقيه”
عقدة الرّئاسة الكرديّة… صراع مفتوح بلا تسوية
كان اختيار “هيبت الحلبوسي”، المرشّح التوافقيّ الذي ليست لديه طموحات زعاميّة أو سياسيّة كبرى داخل المكوّن، في مواجهة رئيس حزب “حزم” مثنّى السامرائيّ، خطوةً عكست رغبة في احتواء الأزمة لا تفجيرها. وقد كشف تمرير هذا الاستحقاق بسلاسة نسبيّة عن موقف واضح لدى المكوِّنَين الشيعيّ والكرديّ، اللذين، على الرغم من تحفّظهما على محمّد الحلبوسي شخصيّاً، التزما خيارات المكوّن السنّيّ، مقابل رهان واضح على التزام السّنّة تمرير الاستحقاقات المقبلة، ولا سيما رئاسة الجمهوريّة للكرد، ورئاسة الحكومة للشيعة.
على الرغم من إنجاز استحقاق رئاسة البرلمان ضمن المهلة الدستوريّة، يبدو أكثر تعقيداً الانتقال إلى المرحلة الثانية، أي انتخاب رئيس الجمهوريّة من المكوّن الكرديّ قبل السابع والعشرين من كانون الثاني 2026. لا يزال التوافق متعثّراً بين قطبَي المكوّن الكرديّ: الاتّحاد الوطنيّ الكردستانيّ، الذي يسعى إلى تكريس حقّه التاريخيّ في اختيار الرئيس من صفوفه، والحزب الديمقراطي الكردستانيّ، الذي يرفض التسليم بهذه القاعدة، ويسعى إلى إيصال مرشّحه الخاصّ.
يفتح هذا الانقسام الباب مجدّداً أمام تكرار سيناريو عام 2022، عبر التوجّه إلى البرلمان بأكثر من مرشّح، وترك الحسم لقدرة أحد الحزبين على نسج تحالفات عابرة للمكوّنات مع الكتل الشيعيّة والسنّيّة، ضمن ما يُعرف بـ”الفضاء الوطنيّ العامّ”. حتّى الآن، لم تفلح اللقاءات الثنائيّة بين الحزبين، ولا الاجتماعات التي عقدها كلّ منهما مع القوى البرلمانيّة الشيعيّة والسنّيّة، في جسر الهوّة أو إنتاج مرشّح توافقيّ.
في هذا السياق، تبرز أهمّيّة زيارة المالكي لإربيل ولقائه مع بارزاني، إذ لم تقتصر نتائجها على التباينات الكرديّة، بل أسّست لتفاهمات أعمق تجاوزت الخلافات الظاهريّة، وظهرت ملامحها في التوافق على استبعاد “المحمّدين”: محمّد الحلبوسي عن رئاسة البرلمان، ومحمّد شياع السوداني عن رئاسة الحكومة.
برز أوّل مؤشّرات كسر الإجماع داخل “الإطار” عبر موقف تيّار الحكمة الذي يتزعّمه عمّار الحكيم، فيما عبّر زعيم عصائب أهل الحقّ قيس الخزعلي عن تحفّظات واضحة
“الإطار التّنسيقيّ”… صدمة التّرشيح والصّفقات المضمرة
أدّى التأخير في حسم استحقاق رئاسة الجمهوريّة إلى إرباك داخل “الإطار التنسيقيّ”، الذي يضمّ الكتل الشيعيّة الكبرى، ومنع حسم مرشّحه النهائيّ لرئاسة الحكومة. وشكّل إعلان رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شيّاع السوداني انسحابه من السباق لمصلحة نوري المالكي صدمةً حقيقيّةً داخل “الإطار”، خصوصاً أنّ التنافس بين الرجلين كان يُفترض أن ينتهي بتسوية على مرشّح توافقيّ إداريّ بلا طموحات سياسيّة كبيرة.
أسقط انسحاب السوداني عمليّاً إمكان عودته خياراً بديلاً في حال تعثّر التوافق على المالكي، وفتح الباب أمام تكهّنات واسعة في الأوساط السياسيّة والناشطة بوجود صفقة غير معلنة، تخلّى بموجبها السوداني عن طموحه مقابل وعود بإغلاق ملفّات فساد أو تحييد الضغوط القضائيّة التي لوّحت بها بعض الجهات خلال ولايته.

برز أوّل مؤشّرات كسر الإجماع داخل “الإطار” عبر موقف تيّار الحكمة الذي يتزعّمه عمّار الحكيم، فيما عبّر زعيم عصائب أهل الحقّ قيس الخزعلي عن تحفّظات واضحة. ولجأ الحكيم إلى سياسة الإحراج السياسيّ من خلال طرح مسألة “استمزاج رأي مرجعيّة النجف” بشأن المرشّحين، إلّا أنّ ردّ المرجعيّة، على لسان السيّد محمد رضا نجل السيّد علي السيستاني، جاء حاسماً برفض التدخّل، والتذكير بالموقف السابق الرافض لتسييس المرجعيّة أو الزجّ بها في تفاصيل الصراع السياسيّ.
أعاد هذا الموقف تأكيد حرص مرجعيّة النجف على الاكتفاء بالدور الإرشاديّ، وتجنّب التحوّل إلى ما يشبه نموذج “ولاية الفقيه”، بما يحفظ لها موقعها المعنويّ، ويجنّبها تحمّل مسؤوليّة إخفاقات السلطة التنفيذيّة أو الانخراط في صراعات الأحزاب.
يُعدّ ملفّ حلّ الميليشيات، بما فيها تلك الشريكة في “الإطار التنسيقيّ” والمؤيّدة لترشيح المالكي، التحدّي الأبرز
المالكي بين العودة والأزمات… اختبار الدّولة لا السّلطة
في ضوء موقف المرجعيّة، برزت قراءات متعدّدة لدوافع الأطراف التي طالبت باستمزاج رأي النجف. فالبعض رأى فيها محاولة لعرقلة عودة المالكي تحت غطاء المرجعيّة، والبعض الآخر اعتبرها رفضاً للصفقة التي أُبرمت بين المالكي والسوداني وفرضت أمراً واقعاً داخل “الإطار”، فيما ذهب فريق ثالث إلى أنّها محاولة لتحسين شروط الشراكة السياسيّة والحصول على مكاسب إضافيّة، وسط حديث متداول في الكواليس عن سعي تيّار الحكمة لنيل وزارة النفط، ورغبة “العصائب” في السيطرة على جهاز الأمن الوطنيّ.
على الرغم من كلّ ذلك، لا تبدو حظوظ المالكي في العودة إلى رئاسة الحكومة ضعيفة، إذ إنّ غالبيّة القوى السنّيّة والكرديّة لا تعارض هذا الخيار، بل يذهب بعضها إلى الترحيب به انطلاقاً من مبدأ احترام خيارات المكوّن الشيعيّ. غير أنّ المالكي، في حال عودته، سيواجه إرثاً ثقيلاً من الأزمات، في مقدَّمها الإفلاس الماليّ، شحّ السيولة، وتعقيدات الوضع الاقتصاديّ، إضافة إلى التحدّي الأخطر المتمثّل في ملفّ الميليشيات المسلّحة، والمطلب الأميركيّ الواضح لعدم مشاركة الفصائل في الحكومة المقبلة.
يفرض هذا الواقع على المالكي تبنّي مقاربة مختلفة عن تلك التي كانت في ولايته الثانية (2010–2014)، تقوم على رؤية واضحة لا تستفزّ المجتمع الدوليّ، ولا سيما الولايات المتّحدة، وتسعى إلى تحسين العلاقات الخارجيّة وطمأنة المحيط الإقليميّ إلى الانتقال من منطق المحاصصة والسلطة إلى منطق الدولة والنظام.
لا تبدو حظوظ المالكي في العودة إلى رئاسة الحكومة ضعيفة، إذ إنّ غالبيّة القوى السنّيّة والكرديّة لا تعارض هذا الخيار
يُعدّ ملفّ حلّ الميليشيات، بما فيها تلك الشريكة في “الإطار التنسيقيّ” والمؤيّدة لترشيح المالكي، التحدّي الأبرز، بدءاً من نزع السلاح الثقيل والطائرات المسيّرة، وصولاً إلى دمج العناصر في المؤسّسات العسكريّة أو تسريحها. وفي هذا السياق، شكّلت تصريحات المالكي خلال استقباله القائم بالأعمال الأميركيّ في العراق جوشوا هاريس، حين أكّد أنّ “حصر السلاح بيد الدولة هو الركيزة الأساسيّة لاستقرارها”، مشيراً إلى استعداد محتمل للتعاون في هذا الملفّ.
إقرأ أيضاً: خامنئي: الحوار انتهى… الكلمة للميدان!
سيطلق نجاح الكرد في حسم استحقاق رئاسة الجمهوريّة ضمن المهلة المحدّدة، سواء بمرشّح واحد أو أكثر، عمليّاً مسار حسم رئاسة الحكومة عبر تسجيل الكتلة الكبرى. غير أنّ التباينات داخل “الإطار التنسيقيّ” والتصعيد الإقليميّ المتزايد يعيدان خلط الأوراق، خصوصاً مع عودة بعض الفصائل إلى التلويح بالمواجهة إلى جانب إيران، وتهديدات كتائب حزب الله باستهداف منشآت اقتصاديّة في السعوديّة، وهو ما يجعل المشهد مفتوحاً على مزيد من التعقيد وعدم اليقين.
