فاجأ الرئيس السوريّ أحمد الشرع تنظيم “قسد” ثلاث مرّات متتالية: أوّلاً بقدرته الفائقة على إخراج التنظيم من قلاعه في حلب بأقلّ خسارة وأدنى ضجيج، وثانياً بحواره العالي النبرة مع قناة “شمس” الكرديّة ذات الإدارة اللبنانيّة التي تبثّ من إربيل عاصمة كردستان العراق، وهو ما اضطرّ القناة إلى إلغاء بثّ المقابلة، وثالثاً بإصداره مرسوماً يعترف فيه بالحقوق الثقافيّة واللغويّة للكرد في سوريا، وهو الأوّل من نوعه منذ استقلال سوريا عام 1946.
انتقل الرئيس السوريّ أحمد الشرع من محاولات تفكيك تنظيم “قسد” ميدانيّاً، إلى محاولة تفكيك العقدة الكرديّة التاريخيّة، وذلك بعد الضربة العسكريّة الموجعة التي وجّهها لهم في حلب، في ثلاثة أيّام من القتال مطلع الشهر الحالي في الأحياء الاستراتيجيّة التي كان التنظيم الكرديّ يسيطر عليها، متحكّماً بمصير أكبر مدينة في سوريا، وشريانها الاقتصاديّ: الشيخ مقصود والأشرفيّة وبني زيد.
من تشجيع الأفراد المنضوين فيه على الانشقاق، لا سيما العنصر العربيّ في تلك القوّات، إلى فكّ القضيّة الكرديّة عن “قسد”، والفصل بين الحقوق الثقافيّة واللغويّة للكرد السوريّين وبين التنظيم الإرهابيّ العابر للحدود “حزب العمّال الكردستانيّ”، يحرّر الشرع الأكراد تدريجاً من حمولة التنظيم الأيديولوجيّة الثقيلة، التي تثير القلاقل والمخاوف في سوريا وتركيا معاً، وهذا مسار طويل ومركّب وصعب.
ما تواجهه دمشق ليس قضيّة ناشئة حديثاً، في سياق الثورة الشعبيّة التي انطلقت عام 2011، وما تبعها من تدخّلات دوليّة وإقليميّة، ولا تعقيداً محلّيّاً مختلف الاتّجاهات. وعمر القضيّة الكرديّة يسبق زمن قيام الدولة السوريّة، وهي من تركة الدولة العثمانيّة الآفلة عقب هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى، والتي شهدت تأسيس دول قوميّة، وجد الأكراد أنفسهم خارج نطاقها، ومقسّمين بين أربع دول مركزيّة هي إيران والعراق وتركيا وسوريا. وما زاد في تفاقم المسألة الكرديّة في سوريا ارتباطها بتطوّرات العلاقة بين الكرد وتركيا، وبإيران والعراق. وهي ذات بُعد إقليميّ أكثر من اعتبارها مسألة محليّة محدودة.
عمر القضيّة الكرديّة يسبق زمن قيام الدولة السوريّة، وهي من تركة الدولة العثمانيّة الآفلة عقب هزيمتها في الحرب العالميّة الأولى، والتي شهدت تأسيس دول قوميّة
استغلال أخطاء “قسد”
في سبيل تحقيق أهدافه بتدرّج وتؤدة، أطلق الشرع عمليّة معقّدة ودقيقة، ذات طابع أمنيّ وعسكريّ وسياسيّ ودبلوماسيّ، ترعى التوازن الحرج بين ضرورة تحرير الشمال الشرقيّ السوريّ من هيمنة ميليشيا فئويّة، وعدم إغضاب الولايات المتّحدة وخسارة المكاسب السياسيّة الهائلة التي حصل عليها النظام الجديد في سوريا على مدار العام الماضي. لذا استغلّ في المقام الأوّل أخطاء مظلوم عبدي ومن وراءه من قادة حزب العمّال الكردستانيّ في جبال قنديل على الحدود العراقيّة الإيرانيّة. فمع قرب انتهاء المهلة الممنوحة للتنظيم نهاية عام 2025 لتنفيذ اتّفاق 10 آذار مع دمشق، لا سيما تسليم الشمال الشرقيّ إلى الدولة السوريّة، ومعه الممرّات والمعابر الحدوديّة، وحقول النفط والغاز، ودمج الميليشيا القسديّة في الجيش السوريّ، لجأت الميليشيات الكرديّة المسلّحة في حلب إلى ممارسة الضغط الأمنيّ على الحكومة، من خلال استهداف الأحياء المجاورة للأحياء الواقعة تحت سيطرة “قسد”، بالقصف والقنص، منتهكة اتّفاق الأوّل من نيسان الماضي، الذي قضى آنذاك بخروج “قسد” من الشيخ مقصود والأشرفيّة.

كان هذا الخطأ الأوّل هو مفتاح الدخول، تطهير الأحياء، واقتلاع التنظيم من تحصيناته وأنفاقه بعملية أمنيّة وعسكريّة مدروسة فاجأت التنظيم نفسه كما الخبراء العسكريّين بالسهولة التي تمكّن فيها جيش ناشئ من الانتصار سريعاً في منطقة سكنيّة كبيرة ومكتظّة، وبأقلّ الخسائر. وحرصت القوّات السوريّة على إخراج المدنيّين أوّلاً، ثمّ على تحديد المناطق العسكريّة المراد قصفها ثانياً، وعلى استمالة المكوّنات السكانيّة قبل الاقتحام ثالثاً، فسُحبت من الخصم ورقة الابتزاز، وأُحبط مخطّط الإيقاع بالدولة الجديدة في فخّ جديد يُضاف إلى ما وقع في الساحل والسويداء العام الماضي.
إنجاز ثانٍ لدمشق في أسبوعين فقط يعزّز جهود الشرع لاحتواء التمرّد في مناطق الأقليّات في كلّ سوريا
ورّطت الهزيمة المؤلمة لـ “قسد” في حلب التنظيم في أخطاء أفظع حين أطلق مسيّرات انطلاقاً من شرق حلب الذي احتلّته الميليشيا عقب تحرير سوريا العام الماضي، مستهدفاً المناطق المدنيّة والحكوميّة في حلب، ومن أبرزها قصف مبنى المحافظة، ثمّ قطع المياه عن ملايين السكّان في المدينة، من مواقعها الاستراتيجيّة شرق حلب، التي تتحكّم بمحطّة “البابيري” لضخّ المياه. كانت هذه هي الذريعة الجاهزة للشرع كي يطلب انسحاب “قسد” من هذه المنطقة، لتوسيع الحزام الآمن حول المدينة، فحشَد قوّات كبيرة في سبيل ذلك الهدف لإجبار التنظيم على الانسحاب، وانتهج الطريقة نفسها، عبر وضع ممرّ آمن لخروج المدنيّين من المنطقة المستهدَفة، فأقدم “قسد” على خطأ إضافيّ ارتكبه في الشيخ مقصود والأشرفيّة، وهو محاولته منع المدنيّين من الخروج. وبالنظر إلى هذا كلّه وعدم التكافؤ في ميزان القوى، تدخّلت الولايات المتّحدة، دبلوماسيّاً وعسكريّاً، لإقناع “قسد” بالانسحاب دون قتال. وهو إنجاز ثانٍ لدمشق في أسبوعين فقط يعزّز جهود الشرع لاحتواء التمرّد في مناطق الأقليّات في كلّ سوريا، التي كانت تنسّق فيما بينها، ويؤثّر بعضها في بعض.
الحقوق الكرديّة الثّقافيّة واللّغويّة
لم يكتفِ الشرع بإظهار الغلبة العسكريّة والأمنيّة في حلب وما حولها، بما يوحي تماماً بقدرة الجيش الجديد على استرجاع معظم الشمال الشرقيّ دون عناء كبير، وفي وقت قياسيّ، بل جمع كعادته بين السياسة والعسكر، بين اللين والقوّة، وراعى الحساسيّات المحليّة والنزعات الخارجيّة، فكان إصداره المرسوم رقم 13، يوم الجمعة الماضي، الذي يمكن اعتباره الاعتراف الرسميّ الأوّل بالحقوق الثقافيّة واللغويّة للأكراد، ويؤكّد ما جاء في تصريحات ومواقف خلال الأيّام الماضية، لا سيما ما ورد في المقابلة غير المبثوثة مع قناة شمس، بشأن اعتبار الكرد مكوّناً أصيلاً في الدولة السوريّة.
انتقل الرئيس السوريّ أحمد الشرع من محاولات تفكيك تنظيم “قسد” ميدانيّاً، إلى محاولة تفكيك العقدة الكرديّة التاريخيّة
جاء في المادّة الأولى من المرسوم المذكور أنّ المواطنين السوريّين الأكراد جزء أساسيّ وأصيل من الشعب السوريّ، وأنّ هويّتهم الثقافيّة واللغويّة لا تنفصل عن الهويّة الوطنيّة المتعدّدة. وهنا إقرار بالتعدّدية، وعدم فرض الهويّة العربيّة على الأكراد. لكن هل ينسحب ذلك على نصوص الدستور.
قادة “قسد” اعترضوا العام الماضي على اسم الجمهوريّة العربيّة السوريّة ومسمّى الجيش العربيّ السوري الموروثَين من عهد البعث؟ ونصّت المادّة الثانية على ضمان حقّ المواطنين الأكراد في إحياء تراثهم وفنونهم وتطوير لغتهم الأمّ في إطار السيادة الوطنيّة. وفي المادّة الثالثة: “تعدّ اللغة الكرديّة لغة وطنيّة، ويُسمح بتدريسها في المدارس الحكوميّة والخاصّة في المناطق التي يشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكّان، لتكون جزءاً من المناهج الاختياريّة أو نشاطاً ثقافيّاً تعليميّاً”. أمّا المادّة الرابعة فتحلّ قضيّة المواطنة السوريّة لمئات الآلاف من الأكراد ممّن حرمهم إحصاء عام 1962 من نيل الجنسيّة، وجاء فيها: “يُلغى العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائيّة كافّة التي ترتّبت على إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وتُمنح الجنسيّة السوريّة للمواطنين من أصول كرديّة المقيمين على الأراضي السوريّة جميعهم، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم التامّة في الحقوق والواجبات”. وأكّدت المادّة الخامسة من المرسوم أنّ “عيد النوروز يُعدّ عطلة رسميّة مدفوعة الأجر في أنحاء الجمهوريّة العربيّة السوريّة كافّة، بصفته عيداً وطنيّاً يُعبّر عن الربيع والتآخي”.
يحرّر الشرع الأكراد تدريجاً من حمولة التنظيم الأيديولوجيّة الثقيلة، التي تثير القلاقل والمخاوف في سوريا وتركيا معاً
أمّا المادّة السادسة فحاولت تحصين تلك الحقوق في الخطاب الرسميّ، مع فرض عقوبات على من ينتهج سبيل التمييز والإقصاء، وورد فيها ما يلي: “تلتزم مؤسّسات الدولة الإعلاميّة والتربويّة تبنّي خطاب وطنيّ جامع، ويُحظر قانوناً أيّ تمييز أو إقصاء على أساس عرقيّ أو لغويّ، ويُعاقَب كلّ من يحرّض على الفتنة القوميّة وفق القوانين النافذة”.
إقرأ أيضاً: تحرير حلب بداية تفكيك “قسد”
لكن هل تكفي تلك الإجراءات الرسميّة غير المسبوقة لحلحلة العقدة الكرديّة المزمنة؟ وهل يتمكّن الشرع بوساطتها من تفكيك “قسد” أو فكّ الفرع السوريّ عن مرجعيّته في قنديل؟ من المؤكّد أنّ النجاحات العسكريّة والأمنيّة والدبلوماسيّة معطوفة على الإجراءات القانونيّة، تتضافر معاً في سبيل الهدف المنشود، بل تقرّب سوريا من الاستقرار والتوحّد. لكنّ الطريق ما تزال طويلة بعض الشيء ومحفوفة بالمفاجآت.
