واشنطن بين وهم تغيير الأنظمة وواقعيّة الاحتواء

مدة القراءة 9 د

أما زالت سياسة تغيير الأنظمة بالقوّة خياراً واقعيّاً في السياسة الخارجيّة الأميركيّة أم أصبحت عبئاً استراتيجيّاً يكلّف واشنطن أكثر ممّا يمنحها؟

 

اعتبر الدبلوماسيّ الأميركيّ المخضرم ريتشارد هاس أنّ “فشل الولايات المتّحدة المتكرّر في محاولات تغيير الأنظمة بالقوّة خلال العقود الأخيرة يجعل العودة إلى هذا الخيار اليوم في فنزويلّا وغزّة وإيران سياسةً مشوّهة السمعة ومكلفة النتائج تستدعي مراجعة عقلانيّة.

نصح هاس واشنطن بالتركيز أكثر على التفاعل مع التغيير الجذريّ الداخليّ ودعمه في الدول الأخرى عند سنوح الفرصة، بدلاً من السعي لإحداثه، وحذّرها من أنّ ضرب أهداف مرتبطة بالجيش والنظام الدينيّ الإيرانيّ قد يزيد من فرص سقوط النظام، لكنّه قد يُثير أيضاً ردّ فعل شعبيّاً قوميّاً إيرانيّاً. واقترح بدلاً من ذلك اتّباع سياسة حوافز مشروطة: تخفيف العقوبات مقابل تغيير السلوك الداخليّ والسلوك النوويّ والإقليميّ.

بالاستناد إلى تاريخ من التجارب الأميركيّة، أكّد هاس الذي شغل العديد من المناصب العليا في البيت الأبيض ووزارتَي الخارجيّة والدفاع، أنّ “المطالبة بتغيير الأنظمة أسهل بكثير من تحقيقه، وأصعب بكثير إدارته كما هو متوقّع، وغالباً ما يكون كارثيّاً عند القيام به دون خطّة واقعيّة لما يليه. والدرس الأساسيّ هو أنّه يجب على واشنطن أن تميّز بوضوح بين ردّ الفعل على تغيير الأنظمة المدفوع بقوى داخليّة وبين السعي الحثيث لتغيير الأنظمة ليكون أداة سياسيّة متعمّدة، وهو الهدف الأخير الذي لا ينبغي تبنّيه إلّا نادراً.

نصح هاس واشنطن بالتركيز أكثر على التفاعل مع التغيير الجذريّ الداخليّ ودعمه في الدول الأخرى عند سنوح الفرصة، بدلاً من السعي لإحداثه

سجلّ حديث للإخفاق

ذكّر هاس في هذا السياق بأنّه على مدى عقد من الزمان على الأقلّ، كان الإجماع السائد هو أنّ المحاولات الأميركيّة المباشرة لتغيير الأنظمة قد انتهت بشكل سيّئ، ولسبب وجيه. فأفغانستان والعراق وليبيا تمثّل ثلاثة نماذج مختلفة للفشل ذاته:

– في أفغانستان، أُطيح بحكم طالبان عام 2001، لكنّها عادت إلى السلطة عام 2021 بعد عقدين من الوجود العسكريّ الأميركيّ، الإنفاق الهائل، ومحاولات بناء الدولة. وأثبتت التجربة أنّ النجاح العسكريّ في إسقاط نظام لا يضمن نجاحاً سياسيّاً، خصوصاً حين تكون المؤسّسات المحليّة ضعيفة وتحتفظ القوى المتمرّدة بالقدرة والشرعيّة.

– أمّا في العراق فقد نجحت الولايات المتّحدة في إنهاء نظام صدّام حسين نهائيّاً، لكنّ النتيجة كانت غير متناسبة إطلاقاً مع التكاليف البشريّة والماليّة والاستراتيجيّة والسياسيّة. صحيح أنّ العراق اليوم دولة قائمة ولها ملامح ديمقراطيّة، لكنّ التفاؤل المفرط وسوء الإدارة وعدم فهم تعقيدات المجتمع العراقيّ حوّلت تغيير النظام إلى مغامرة باهظة الثمن وطويلة الأمد ومكلفة من حيث الأرواح والأموال.

– في ليبيا الدرس مختلف لكن لا يقلّ خطورة: إسقاط نظام دون خطّة لما بعده، فالتدخّل الذي قادته الولايات المتّحدة وحلف الناتو أدّى إلى سقوط معمّر القذّافي، لكنّ غياب المتابعة السياسيّة والمؤسّسيّة أدخل البلاد في فوضى وانهيار شبه كامل للدولة.

أشار هاس أيضاً إلى محاولات عديدة لتغيير الأنظمة خلال الحرب الباردة، نفّذت الكثير منها وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة. وربّما أشهرها أو أسوؤها سمعة هي المحاولة السيّئة التخطيط والتنفيذ التي نُفّذت في خليج الخنازير للإطاحة بالنظام الشيوعيّ في كوبا عام 1961. لقد كانت تلك المحاولة درساً مُذلّاً يفيد أنّ محاولات استفزاز تغيير الأنظمة قد تفشل فشلاً ذريعاً، خاصّة إذا كان الهدف محدّداً وراسخاً.

هاس: يتعيّن على واشنطن في الأشهر المقبلة التمييز بوضوح بين ردّ الفعل على تغيير النظام الجاري، وبين سياسة السعي الاستباقيّ لتغيير النظام

فنزويلّا وغزّة وإيران

بعد هذه الكوارث، بدا من الآمن، بحسب هاس، افتراض أنّ واشنطن ستتجنّب تغيير الأنظمة لفترة طويلة. لكن أعادت اليوم التطوّرات في ثلاثة أماكن هذا الخيار إلى الواجهة: فنزويلّا، غزّة وإيران. وتملك كوبا إمكان أن تكون رابع دولة.

  • في فنزويلّا سيواجه ترامب معضلة: كيف يجني ثمار تغيير النظام دون المخاطر والتكاليف المصاحبة له؟ لذا لم تسعَ الولايات المتّحدة فعليّاً إلى تغيير النظام، وما حدث هو تغيير في القيادة وسعيٌّ لضمان وصول الشركات الأميركيّة إلى نفطها والسماح لواشنطن بالإشراف على بيع هذا النفط. وتمارس إدارة ترامب ضغوطاً على فنزويلّا لتقليص علاقاتها الوثيقة مع الصين وكوبا وإيران وروسيا. وبالتالي المسار الأمثل، في رأي هاس، هو ربط جميع أشكال المساعدة الأميركيّة بتنفيذ حكومة فنزويلّا للتغييرات السياسيّة المرجوّة، بما في ذلك إشراك المعارضة في العمليّة السياسيّة.
  • في غزّة، يتمثّل الهدف الإسرائيليّ–الأميركيّ في إنهاء حكم “حماس”. ففي العامين الماضيين استخدمت إسرائيل قوّة عسكريّة كبيرة لتحقيق هذا الهدف، بدعم ومساعدة من واشنطن. انتهجت استراتيجية أحاديّة البعد تتمثّل في مهاجمة “حماس” وإجبارها على نزع سلاحها قبل أن تتمكّن من التقدّم سياسيّاً. ورفضت إنشاء كيان سياسيّ بديل في غزّة ومنعت السلطة الفلسطينيّة من تولّي دور فعّال خشية أن يُعطي ذلك زخماً للقوميّة الفلسطينيّة. وفشلت في تقديم أيّ مبادرة سياسيّة فعّالة لتحفيز الفلسطينيّين الراغبين في العيش بسلام مع دولة يهوديّة. في هذه الحالة، تفشل الإطاحة بالنظام جزئيّاً لعدم وجود أيّ خطّة لبناء الدولة، ومن الأجدر بإدارة ترامب إعادة النظر في دعمها شبه الكامل للنهج الإسرائيليّ.

  • أمّا إيران فهي الحالة الأكثر تعقيداً. فالنظام الحاليّ نفسه نتاج تغيير داخليّ عام 1979. واليوم يواجه ضغوطاً شعبيّة متزايدة بسبب الأزمة الاقتصاديّة والعقوبات والقمع. وعلى الرغم من أنّ سقوط النظام قد يكون مرحَّباً به داخليّاً وإقليميّاً، قد يؤدّي التدخّل الخارجيّ إلى ردّ فعل قوميّ ويعرّض المعارضة لمخاطر جسيمة. ومن غير الواضح ما إذا كان تغيير النظام وشيكاً، وماذا سيترتّب عليه في حال حدوثه. لذا سيكون من الحكمة أن تُصوغ الولايات المتّحدة سياسةً تُطبَّق على أيّ حكومة إيرانيّة، وتُحفّز التغيير المنشود، أي أن تكون مستعدّةً لتخفيف العقوبات مقابل موافقة إيران على إنهاء برنامجها النوويّ، وإنهاء استخدامها للجماعات المسلّحة في المنطقة وقمعها لمواطنيها، على أن يتوقّف مدى تخفيف العقوبات على مدى التغيير السلوكيّ الإيرانيّ النوويّ والإقليميّ والداخليّ.

التّغيير من الدّاخل والخارج.. وسياسة الاحتواء

لفت هاس إلى أنّ تغيير الأنظمة يتّخذ أشكالاً عديدة، وقد يكون مدفوعاً بقوى داخليّة أو خارجيّة أو كلتيهما. وعندما يُفرض تغيير النظام من الخارج، غالباً ما يقترن ببناء الدولة، وهو جهد مُركّز لتحقيق بديل مُفضّل. وربّما أنجح الأمثلة على هذا النهج، في رأيه، حدثت في أعقاب الحرب العالميّة الثانية عندما قرّرت الولايات المتّحدة، بالتنسيق مع حلفائها، السعي إلى إصلاح جذريّ في حوكمة وتوجّه كلّ من ألمانيا واليابان. لم يقتصر الدور الأميركيّ على الإطاحة بالنظامين السابقَين، بل شمل إعادة بناء شاملة للنظامَين السياسيّ والاقتصاديّ ودمجهما في نظام أمنيّ غربيّ حتّى تتمكّنا من المساهمة بفعّاليّة في مواجهة التحدّي الذي يمثّله الاتّحاد السوفيتيّ. ومع ذلك، تطلّب تحوُّلهما الناجح احتلالاً عسكريّاً أميركيّاً مطوّلاً، وانخراطاً وثيقاً من واشنطن في إعادة بنائهما السياسيّ. لكنّ هذه النجاحات لم تكن سريعة ولا رخيصة.

في المقابل أشار إلى رفض الولايات المتّحدة دعوات تغيير النظام في الاتّحاد السوفيتيّ. إذ اعتبرت الإدارات المتعاقبة هذا المقترح، الذي أطلق عليه مؤيّدوه اسم “التراجع”، وسعى إلى استبدال النظام الشيوعيّ بنظام ديمقراطيّ رأسماليّ، محفوفاً بالمخاطر في العصر النوويّ. وبدلاً من ذلك، استقرّت واشنطن على سياسة أكثر حذراً، وصفها مهندسها الرئيس، الدبلوماسيّ جورج كينان، بأنّها “احتواء طويل الأمد، صبور، لكن حازم ويقظ للنزعات التوسّعيّة الروسيّة”. وكان هدف السياسة الخارجيّة الأميركيّة هو توجيه السياسة الخارجيّة لموسكو، لا تغيير الاتّحاد السوفيتيّ نفسه.

في رأي هاس، أثبتت سياسة الاحتواء نجاحها خلال العقود الأربعة للحرب الباردة. وتمّ كبح جماح نفوذ الاتّحاد السوفيتيّ. بل إنّ سياسة الاحتواء فاقت التوقّعات، إذ مهّدت الطريق لتغيير النظام في الاتّحاد السوفيتيّ. تحقّق التراجع، وإن كان ذلك بشكل أقلّ عبر الجهود الغربيّة المباشرة، وأكثر عبر الجهود غير المباشرة، بما في ذلك تضامن حلف الناتو ومثال التفوّق الاقتصاديّ والعسكريّ الأميركيّ. لكنّ الأهمّ من ذلك أنّ تغيير النظام نتج عن قوى داخل الاتّحاد السوفيتيّ، وعلى رأسها صعود النزعة القوميّة وسياسات ميخائيل غورباتشوف الذي أدّى تسريعه للإصلاح السياسيّ وعدم رغبته في استخدام القوّة لقمع المعارضة في الداخل أو في ما يُسمّى الدول التابعة إلى نهاية تجربة الشيوعيّة السوفيتيّة التي دامت سبعين عاماً.

إقرأ أيضاً: هل يفرّ خامنئي إلى موسكو؟

خلص هاس إلى القول: يتعيّن على واشنطن في الأشهر المقبلة التمييز بوضوح بين ردّ الفعل على تغيير النظام الجاري، وبين سياسة السعي الاستباقيّ لتغيير النظام. قد تحتاج الولايات المتّحدة، في المستقبل، إلى ردّ فعل على الانهيار الداخليّ للأنظمة في إيران وكوبا، كما فعلت في إيران عام 1979 والاتّحاد السوفيتيّ عام 1991. عندئذٍ، يبرز التساؤل عن أفضل السبل لاستخدام أدوات السياسة الخارجيّة التقليديّة للتأثير على النتيجة.  أمّا أن يكون تغيير النظام سياسة مختارة فهو أمر مختلف تماماً. ينبغي تبنّيه نادراً، وبعد الإجابة على عدد من الأسئلة: هل هو ممكن؟ هل واشنطن في وضع يسمح لها بدعمه في ظلّ أولويّات أخرى؟ هل من المرجّح ظهور بدائل سياسيّة أفضل وأكثر جدوى؟ هل الولايات المتّحدة مستعدّة للانخراط لفترة طويلة بتكلفة باهظة؟ وهل يكون هذا الانخراط حاسماً ومرحَّباً به من قبل الدولة المستهدَفة؟

لأنّ من النادر أن تتمّ الإجابة على هذه الأسئلة بالإيجاب، أوصى هاس “واشنطن بالتركيز أكثر على التفاعل مع التغيير الجذريّ ودعمه في الدول الأخرى عند سنوح الفرصة، بدلاً من السعي لإحداثه، ففرص دعم تغييرات واسعة النطاق في السياسات، أو حتّى تغيير الأنظمة، قد تكون متاحة في مجالات متعدّدة إذا تصرّفت الولايات المتّحدة بمزيج من الانضباط والعزيمة”.

 

لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا

مواضيع ذات صلة

والي نصر: هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران

يرى الباحث الإيراني – الأميركي والي نصر أنّ الثورة الإيرانية دخلت مرحلتها النهائية، مرجّحاً تصاعد الغضب الشعبي في المرحلة المقبلة، لكنه يستبعد في المقابل انهيار…

هل يفرّ خامنئي إلى موسكو؟

يعتقد خبير روسيّ في السياسات الإيرانيّة أنّ الكرملين مستاء من الاحتجاجات الإيرانيّة، ويعتبر أنّ من السهل على روسيا إرسال مروحيّاتها إلى حليفتها إيران لمساعدتها على…

ماذا بين سليماني ومادورو؟

اعتبر الصحافيّ والكاتب الأميركيّ – الإيرانيّ شيموس مالكافزالي أنّ اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو لا يُعدّ حدثاً منفصلاً أو تطوّراً مفاجئاً في السياسة الأميركيّة، بل…

مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

اعتبر المؤرّخ والباحث الإيرانيّ – الأميركيّ الدكتور أراش عزيزي أنّه بسقوط نيكولاس مادورو “ماتت عمليّاً” الثورة الإسلاميّة، وأنّ عهد ما بعد خامنئي قد بدأ فعلاً،…