إيران: ثورة الأسئلة المفتوحة

مدة القراءة 10 د

ينظر المشاهد العربي إلى الاحتجاجات في إيران بشيء من الترقب الممزوج بالملل. هو مشهد يبدو كأنه إعادة متأخرة خمسة عشر عاماً لما عرف بالربيع العربي ومشهد يحتمل ان يكون الانعطافة النهائية في سلسلة الأحداث الدراماتيكية التي افتتحها مسرح الأحداث الغزي في السابع من تشرين الأول أكتوبر 2023. فلا الإيرانيون راكموا خلال سنوات احتجاجهم التي لم تنقطع أدوات سياسية جديدة للتعاطي مع نظام الثورة ولا يبدو ان الزخم الذي رافق انهيار ما يعرف بمحور المقاومة من دمشق إلى كاراكاس مروراً بجولة الصيف الماضي في طهران قد ترجم إلى أداة تغيير حقيقية تقلب المعادلة في طهران. وعليه يبدو المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات ومغلقاً عليها كلها في آن واحد.

 

الشارع: غضب بلا إطار

خصوم النظام ليسوا على قلب رجل واحد لا فيما يخص اليوم التالي ولا في كيفية الوصول اليه أصلاً. قد تبدو فكرة اسقاط النظام براقة لكنها أيضاً فكرة مبهمة ومعقدة خاصة كلما دخلنا في تفاصيلها. ففي ظل التعتيم الإعلامي وقطع الانترنت واحتكار السردية من قبل اعلام النظام والمعارضة الخارجية يصبح من الصعب تحديد المزاج الغالب على جموع المحتجين.

هل يريدون إصلاحات اقتصادية وتوسيع هامش الحريات؟

هل يريدون اسقاط النظام وإقامة دولة ديمقراطية على النمط الغربي؟

هل يؤيدون عودة الملكية؟

هل يريد الفرس ما تريده الأقليات الأخرى؟

هل يريد المركز ما تريده الأطراف؟

أسئلة كثيرة لا تبدو اللقطات النادرة المتسربة من الداخل قادرة على الإجابة عنها كما انها لا تجيب عن مدى الاستعداد لتحمل كلفة الدم والفوضى التي تصاحب تغييراً جذرياً بحجم سقوط النظام. لذا تبدو الاحتجاجات أقرب الى نسخة مكررة من تجارب الربيع العربي: مظاهرات بلا رأس وغضب بلا إطار سياسي ومعارضة بلا وجوه يسهل الباسها أي لبوس يناسب منتقديها ومؤيديها على حد سواء. وبالتالي هي لا تملك حتى الآن القدرة على احداث التصدع المطلوب داخل بنية النظام لإحداث الانهيار كما انها غير قادرة على بلورة مشروع بديل من الداخل يتمتع بالشرعية الثورية والتمثيلية في حال وصوله الى السلطة.

قد تبدو فكرة اسقاط النظام براقة لكنها أيضاً فكرة مبهمة ومعقدة خاصة كلما دخلنا في تفاصيلها

المعارضة في المنفى: تعدد الأصوات وغياب المشروع

أما المعارضة الإيرانية في الخارج فليست في وضع أفضل. لم تجتمع يوماً على مشروع يتجاوز كرهها للنظام وإدانة انتهاكاته ولا يبدو أنها قادرة – حتى مع رياح التغيير المواتية دولياً واقليمياً وداخلياً- على تشكيل قيادة في المنفى تصلح كبديل سياسي حقيقي.

فولي عهد الشاه الراحل رضا بهلوي الذي يتزعم التيار الملكي – الدستوري يحاول تسويق نفسه كبديل جاهز لكنه لا يملك حيثية داخلية كافية تصنع شرعية حكم، كما انه لا يملك المشروع ولا الكاريزما الذي تمتع بها والده في سياق تاريخي مختلف تماماً. ولا ينسى كثير من الإيرانيين بطش جهاز السافاك بهم ولا يتحمسون بالتالي للعودة الى مشروع يرونه من الماضي. كما لا تتحمس لدعمه قوى إقليمية وازنة ترى في عودته حكماً صديقاً لإسرائيل يوسع خارطة نفوذها خلف الضفة الشرقية للخليج.

أما المجلس الوطني للمقاومة- مجاهدي خلق بزعامة مريم رجوي فعلى الرغم من كونه الأكثر تنظيما تاريخيا في المنفى، ويقدم نفسه دوما كبديل جاهز، الا انه يعاني من رفض واسع داخل أوساط المعارضة بسبب رموزه وخطابه وبنيته المغلقة.

ومن تبقى من المعارضين فيتوزعون بين الشخصيات الحقوقية والأكاديمية كمسيح علي نجاد وكريم ساجد بور ووالي نصر وغيرهم الكثير والأحزاب القومية- المناطقية كالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني وكومله.  فهؤلاء يملكون القدرة على رفع الصوت وحشد الرأي العام الدولي لكن من غير المرجح أن يشكلوا تهديداً حقيقياً للنظام من الخارج.

تبدو إسرائيل الأكثر حماسة علانية لإسقاط النظام، أملاً في تحقيق طموح نتنياهو بتغيير صورة الشرق الأوسط للأبد والانتصار في حرب الجبهات السبع التي أعلنها إثر هجمات طوفان الأقصى

الولايات المتحدة: ضغط بلا استراتيجية نهائية

حال الولايات المتحدة لا يبدو أكثر وضوحاً. صحيح أن دونالد ترامب رسم خطاً أحمر وهدد بضرب إيران ان استمر قتل المحتجين، وطالبهم بتسجيل أسماء القتلة لمحاسبتهم لاحقاً، لكن تهديده بقي ملتبساً. فمنذ ولايته الأولى، بنى ترامب مقاربته لإيران على فكرة الضغط بهدف دفعها الى اتفاق نووي أفضل يشمل البرنامج الصاروخي ودعم الأذرع الإقليمية.

غير أن هذه المقاربة رغم حرب الأيام الاثني عشر، فشلت في كسر التعنت الإيراني، الذي لا يزال يتمسك ب”لاءاته” الأساسية. وعليه، يصبح السؤال هنا: هل أقنعت المظاهرات ترامب بضرورة تغيير النظام من فوق؟ وهل يمتلك ترامب الوصفة السحرية لليوم التالي التي ترضي الشعب الإيراني ولا تقلق حلفاء واشنطن الإقليميين وتحديداً السعودية وتركيا، اللتين لا تبدوان متحمستين لعشرية سوداء ايرانية تعيد خلط خرائط النفوذ والحدود في إقليم منهك.

تطور الأيام الماضية يشي ان مسعى التفاوض لم يصل بعد الى طريق مسدود رغم الإعلان عن ذلك. لم يكن ظهورعباس عراقجي على قناة فوكس نيوز سبقاً صحفياً بالمعنى التقليدي. فلكي تفتح الذراع الإعلامية للبيت الأبيض الهواء لوزير خارجية إيران ليقول ان الوضع تحت السيطرة والا قتل ولا اعدامات للمحتجين غداة اعلان ترامب انه الغى كل الاتصالات المباشرة مع المسؤولين الإيرانيين يعني أن تنسيقاً عالي المستوى قد افضى الى الاتفاق على نقل الرسالة علناً ومباشرة الى جمهور ماغا يقول ان الخط الأحمر الذي رسمه ترامب قد نجح ولا حاجة للضربة. وسرعان ما تبنى ترامب السردية الإيرانية فقال ان القتل قد توقف أو يتوقف أو ربما يتوقف… سنتأكد. ربما يريد التأكد من حجم التنازلات على الطاولة فيمنح إيران “فرصة ثانية” بناء على طلب سعودي- قطري- تركي بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

فطالما ان ترامب ليس لديه إجابة واضحة عن فاعلية ضربة ما تتيح له إعلان الانتصار النهائي سيبقى ميالاً إلى الصفقة فيما يبدو ان جناح الصفقة داخل النظام الإيراني بدأ بدوره يحقق مكاسب في هذا الاتجاه بعد أن بدا لبرهة داخل بيت الطاعة المتشدد. وطالما أن إيران قبلت ب”الفرصة الثانية” فما هو الوعد الذي قدمته؟ هل يكفي توقف القتل بعد كل هذه الدماء أم أن تنازلات في الملفات الأساسية باتت مطروحة؟

على عكس ما يعتقده كثير من المحللين، لم يفاجأ النظام الإيراني بالشارع ولم يرتبك. فقد تشكل تاريخياً على قاعدة الاشتباه الدائم بالمجتمع وبنى أدواته الأمنية والقانونية والأيديولوجية لمنع أي عمل سياسي مستقل

إسرائيل: الحماسة القصوى وحدود التأثير

تبدو إسرائيل الأكثر حماسة علانية لإسقاط النظام، أملاً في تحقيق طموح نتنياهو بتغيير صورة الشرق الأوسط للأبد والانتصار في حرب الجبهات السبع التي أعلنها إثر هجمات طوفان الأقصى. ينطلق التصور الإسرائيلي من ان ضرب “رأس الأفعى” سيؤدي حكماً إلى انهيار ما تبقى من الاذرع أي حزب الله والحوثيين. لكنه يبالغ في تقدير وزنه عند صانع القرار الأميركي الحالي الذي لا يرى مانعاً من استخدام العضلات الإسرائيلية حين تخدم مشروعه، لكنه لا يمنحها الكلمة الفصل.

أما سراً فيبدو، بحسب صحيفة الواشنطن بوست، ان تفاهماً سرياً رعته روسيا يقضي بعدم مبادرة أي من الطرفين إلى مهاجمة الآخر ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول الخطوط الحمر الفعلية لتل أبيب في طهران.

النظام: خبرة القمع وذاكرة التمرد

على عكس ما يعتقده كثير من المحللين، لم يفاجأ النظام الإيراني بالشارع ولم يرتبك. فقد تشكل تاريخياً على قاعدة الاشتباه الدائم بالمجتمع وبنى أدواته الأمنية والقانونية والأيديولوجية لمنع أي عمل سياسي مستقل ولتفكيك أي إمكانية لإعادة التجمع خارج منظومته.

فرغم تكرار الاحتجاجات وتصاعدها، لم يشعر النظام مطلقاً انه مضطر لتغيير دفتر التعليمات الذي طالما استخدم في قمع الاحتجاجات المتعاقبة منذ التمرد الكردي بين 1979  و 1983.  والذي تحول إلى نموذج اولي جرى تطويره لاحقاً عبر أدوات التحكم بأنظمة الاتصالات والانترنت وإدارة السرديات، صدرته طهران في 2011 لنظام الأسد في سوريا. وقد افرد له القيادي في الحرس الثوري حسين همداني فصلاً كاملاً في كتابه رسائل الاسماك. وقد تعلم النظام من هذا التمرد أربعة دروس أساسية لا يزال يطبقها حتى اليوم وهي:

  • عدم السماح بتسييس المطالب القومية او الاجتماعية
  • ضرب أي تنظيم قبل ان يتحول إلى فاعل سياسي
  • ربط أي احتجاج في الأطراف بسيناريو التفكك واي احتجاج في المركز بالمؤامرة الخارجية
  • تفضيل الحل الأمني المبكر على التفاوض المتأخر.

لكن النظام اليوم يبدو للمفارقة أن هذا التطور علق في لحظة 2011. تنضح من غرفة العمليات الإعلامية في طهران رائحة النظام السوري المتعفن الذي ادار تغطية الثورة منذ اليوم الأول باعتبارها مؤامرة خارجية وحرب كونية ترسل مجاميع الإرهابيين لتقويض الدولة من دون ان يجيب عن السؤال الأساسي الذي يوصل الأمور كل مرة إلى حافة الانفجار: متى توضع مصلحة الشعب الإيراني فوق اعتبارات بقاء النظام؟

إقرأ أيضاً: السّؤال الإيرانيّ الكبير على شطّ العرب

فالنظام الإيراني وان لمح في اول الاحتجاجات إلى مطالب معيشية محقة خرج من اجلها الناس إلى الشارع الا انه سارع مبكرا إلى الحديث عن خلايا إرهابية مسلحة وجماعات انفصالية ما يعني أنه لن يتوانى عن خوض حرب عصابات حتى الرمق الأخير. فالكتلة الصلبة العقائدية المؤيدة له والتي يقدرها المحللون بـ13 مليون صوتوا لسعيد جليلي في الانتخابات الأخيرة لن تتوانى عن تلبية نداء الجهاد المقدس إن أعلن. هذه الشريحة لا تطمح بأي حال من الأحوال إلى تغيير النظام ولا بالسفر للعيش في الخارج ولا تدغدغها أحلام الديمقراطية الغربية. وهي وان كانت تشكل اقلية داخل المجتمع الإيراني الا انها تبقى الأكثر تماسكاً وتأطيراً ووضوحاً في خياراتها والأكثر استعداداً للدفاع عنها. وعليه فإن سيناريو العسكرة الذي قد تسعى له إسرائيل وبعض المعارضة لا يخيف النظام الذي حول حرب العصابات إلى ركيزة أساسية بنى عليها عقيدة الدفاع عن الأمن القومي الاستراتيجي وأمضى كل يوم من عمره يستعد لهذه اللحظة.

في المحصلة، لا تبدو إيران اليوم على أعتاب ثورة مكتملة الأركان، ولا على شفا انهيار وشيك. هي عالقة في حقل الضباب، حيث لا يكفي الاحتجاج لإسقاط النظام، والقمع لا يكفي لإنهاء أسباب الغضب. ثورة الأسئلة المفتوحة هو توصيف لحالة بلا أجوبة شافية: شارع بلا برنامج، معارضة بلا مركز، نظام بلا استعداد للإصلاح، وقوى دولية بلا خطة لما بعد الصدمة.

في هذا الضباب، تُعلّق البلاد على ما يتفق أو يختلف عليه ترامب وخامنئي خلف الأبواب المغلقة. أما الإيرانيون، الذين يدفعون الكلفة الأكبر، فيبقون أسرى زمن انتظار ثقيل، لا يعرفون إن كان سيقودهم إلى انفراج، أم إلى جولة أخرى ولو بعد حين.

 

*كاتبة صحافية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة في جامعة كينغز كولدج لندن.

 

يمكنكم متبابعة الكاتبة على “LinkedIn

مواضيع ذات صلة

ترامب يحشر إيران في زاوية اللايقين

لا تُقاس قرارات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بميزان السياسة التقليديّة. فبينما كان العالم ينتظر، يوم الأربعاء الماضي، ضربة “صدمة وترويع” على غرار العراق عام 2003،…

“قسد” أمام خيارين: الاندماج أو الهزيمة

هل شكّل الانسحاب من الشيخ مقصود والأشرفيّة بداية تراجع أوسع لقوّات سوريا الديمقراطيّة؟ وهل كانت دير حافر محطّة مؤجَّلة في مسار فرضته موازين القوى لا…

زخم فرنسي بغطاء سعودي: محاولة “متقدّمة” لإنقاذ لبنان

هل تحمل عودة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت أكثر من طابعٍ استطلاعي؟ وما دلالة تزامنها مع الحضور السعودي المتقدّم؟ وهل نحن أمام…

قانون الأحزاب الفلسطينيّ: إصلاح مؤسّسيّ أم إقصاء سياسيّ؟

يرسم الرئيس محمود عبّاس ملامح النظام السياسيّ الفلسطينيّ المستقبليّ وفق رؤيته الخاصّة، مستنداً إلى واقع سياسيّ وقانونيّ استثنائيّ يملك فيه صلاحيّات شبه مطلقة، في ظلّ…