ماذا بعد حرب الإبادة التي شنّتها إسرائيل على غزّة؟
يُطرح هذا السؤال بعد كلّ حرب تشنّها إسرائيل على هذا الجزء المنكوب من بقيّة فلسطين. في عام 2021 شنّت إسرائيل الحرب قبل الأخيرة، وأسفرت عن استشهاد 242 فلسطينيّاً، وعن مقتل عشرة إسرائيليّين، أي مقابل كلّ قتيل إسرائيليّ 24 قتيلاً فلسطينيّاً. انتهت تلك الحرب لتمهّد للحرب المستمرّة منذ تشرين الأوّل 2024 حتّى اليوم. لا يُعرف عدد الضحايا بالضبط على الرغم من توقّف القتال. إلّا أنّ استمرار الحصار التجويعيّ في شتاء عاصف يفتح شهيّة المقابر الجماعيّة على طلب المزيد، وخاصّة من الأطفال الذين يموتون من شدّة البرد.
حاول الفلسطينيّون التفاهم مع الإسرائيليّين لتجنّب هذه الحروب، فكان اتّفاق أوسلو في عام 1993. ولكنّ رئيس الحكومة الإسرائيليّ الذي عمل على الاتّفاق مع الوعيم الراحل ياسر عرفات وأقرّه، دفع حياته ثمناً لذلك. اغتالته اليد التي تشنّ اليوم الحرب على غزّة والضفّة الغربيّة. وهي يد المتطرّفين اليهود الذين يرون أنّ كلّ من هو غير يهوديّ يستحقّ أن يعامَل معاملة إنسان لا يستحقّ العيش في الأرض التي يبحثون فيها عن بقايا الهيكل المقدّس.
لماذا طالت الحرب؟
كان في أوسلو تفاهم إسرائيليّ – فلسطينيّ على:
- تبادل أراضٍ محتلّة.
- تبادل ضمانات أمنيّة.
- تقاسم مدينة القدس.
- عودة “رمزيّة” من الفلسطينيّين إلى فلسطين 1948.
كان نتنياهو يراهن على تحويل الصراع إلى صراع فلسطينيّ – فلسطينيّ، فشجّع “حماس” على مواجهة السلطة الفلسطينيّة برئاسة محمود عبّاس (أبي مازن)
لكن بعد اغتيال “بطلَي” أوسلو ياسر عرفات وإسحق رابين انهار الاتّفاق وتحوّل إلى قصاصة ورق. وهكذا عادت العلاقات بين إسرائيل وفلسطين إلى ما كانت عليه قبل أوسلو، فباتت مسرحاً للتقاتل والتصارع في ضوء معادلات إقليميّة لم تكن في مصلحة الطموحات ولا حتّى ردود الفعل الفلسطينيّة، إذ كان البديل “حماس” في غزّة ونتنياهو في إسرائيل، وهما طرفا معادلة القتل من أجل القتل.
كان نتنياهو يراهن على تحويل الصراع إلى صراع فلسطينيّ – فلسطينيّ، فشجّع “حماس” على مواجهة السلطة الفلسطينيّة برئاسة محمود عبّاس (أبي مازن)، فكان المال يمرّ عبر إسرائيل إلى غزّة بحراً وبرّاً، وحتّى السلاح كان يمرّ عبرها. خسر نتنياهو الرهان عندما وقعت حادثة السابع من أكتوبر/ تشرين الأوّل من العام الماضي، وهو الرهان الذي يخشى نتنياهو أن يخضع للمحاكمة بسببه، فذهب إلى حرب لا عودة منها حتّى القضاء على آخر شاهد من “حماس”!.. ويبدو الآن أنّه لم يبقَ منهم أحد على قيد الحياة. وفي ذلك إجابة على أسباب إطالة الحرب على غزّة، ومطاردة قادة “حماس” حتّى قطر!
لم تعد مأساة غزة والحرب على ما تبقى فيها وعليها كافية لتبرير عدم محاكمة نتنياهو. ففتح جبهة أولى مع إيران، وفتح جبهة ثانية مع لبنان. ذلك أن المهم هو أن يبقى في حالة تستدعي عدم محاكمته أو حتى التحقيق معه. فرئيس الحكومة لا يخضع للتحقيق في تهم الفساد والدولة في حالة حرب. من غزة والضفة الغربية إلى لبنان وإيران، وما الاحتلالات التوسعية في مرتفعات الجولان السورية سوى حركات استكمالية لاختلاق مبررات الاستمرار واستبعاد المحاكمة. ولكن إلى متى؟
يجيب على هذا السؤال القضاء في إسرائيل، والقدر في البيت الأبيض. ذلك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر نتنياهو ويتعامل معه على أنه حليف قوي وموثوق به. ولقد عرف نتنياهو كيف “يدغدغ” مشاعر ترامب ونرجسيته عندما قدّم له نسخة من رسالة رسمية إسرائيلية ترشحه لنيل جائزة نوبل للسلام. ولكن من يرشّح من؟ نتنياهو يدمّر غزة عن بكرة أبيها وبكل من عليها، وترامب يعتقل الرئيس الفنزويلي مادورو ويصادر ثروة بلاده من النفط، ويعتبر ذلك مصدراً للفخر وللاعتزاز الوطنيين.
لم تعد مأساة غزة والحرب على ما تبقى فيها وعليها كافية لتبرير عدم محاكمة نتنياهو. ففتح جبهة أولى مع إيران، وفتح جبهة ثانية مع لبنان
حرب لا نهاية لها
ترافق مع الحرب الإسرائيلية على غزة انفلاش في بناء المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وتدمير ممنهج للمخيمات الفلسطينية، وتضييق إلى حد الاختناق على مدن الضفة وتقطيع أوصالها وشلّ حركة الحياة في شرايينها. والمقارنة بين بناء المستوطنات اليهودية وتدمير أحياء المدن الفلسطينية (من جنين إلى نابلس)، وكذلك المقارنة بين تسليح المستوطنين اليهود وتوفير مظلة الجيش الإسرائيلي لحمايتهم (خاصة أثناء اقتحامات المسجد الأقصى وقطع الطرق أمام وصول المصلين المسلمين إليه)، وقمع حركات الاحتجاج الفلسطينية وتدمير بيوتهم وإخراجهم منها، هذه المقارنة تشير إلى الأمر الأساسي والجوهري، وهو أنه لا مستقبل للعيش معاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مما يعني أنهما أمام حرب لا نهاية لها!..
من هنا السؤال: كيف يمكن تحقيق تسوية سياسية شاملة بين إسرائيل والدول العربية من دون احترام الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية؟
لعل الخطوة الأولى نحو أية تسوية سلمية تتمثل في الاعتراف بالحقيقة. والحقيقة هي أنه ما لم يشعر الفلسطينيون بالأمان والسيادة في بلادهم، فإن أبواب جهنم ستبقى مفتوحة أمام كل الاحتمالات الخطيرة التي لا تستثني أحداً.
إقرأ أيضاً: فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة
لم تنفع سياسة التهجير من قبل (1948 أو 1967)، ولن تنفع سياسة التهجير اليوم (غزة والضفة الغربية). لا المدفع الإسرائيلي كسر رأس الإنسان الفلسطيني، ولا التسويات السياسية العربية مع إسرائيل لوَت ذراعه.
من هنا فإن الخروج من الحلقة المفرغة – التهجير إلى السودان أو إلى أرض الصومال – لا يكون إلا بالدخول إلى الحلقة التي يجد فيها الفلسطينيون وطناً في أرضهم، يعيشون فيه بكرامة واحترام.
