مرّت السنة الأولى من ولاية رئيس الجمهوريّة جوزف عون وكأنّ خلاصتها اختُزلت في مقابلة تلفزيونيّة. ومع انتهائها، اندلعت العاصفة بينه وبين الثنائي الشيعيّ. فموقف الرئيس في مطلع السنة الجديدة، المنطلِق من قناعة بأنّه هو من يمسك بزمام الحكم، بدا على النقيض تماماً من الساعات القليلة التي سبقت جلسة انتخابه في 9 كانون الثاني 2025، حين صوّت له الثنائي الشيعيّ دونما أن يكون متحمّساً له.
سُجّلت مقابلة رئيس الجمهوريّة جوزف عون مساء السبت وبُثّت مساء الأحد بعد التحقّق من تفادي أيّ ثغرات في ما قد يدلي به عفواً. مع ذلك تركت تداعيات وانقساماً على ما قاله عن “الحزب”، بين فريق رحّب به وآخر غضب ممّا ورد، على صورة الانقسام الحاصل في البلاد في أيّ شأن آخر. أوّل ردود الفعل كان من النائب السابق محمد فنيش عبر قناة المنار، الذي تحدّث عن “اختلافٍ شكلاً ومضموناً مع كلام رئيس الجمهوريّة”، مميِّزاً بين منطقه ومنطق “الحزب” قبل أن يرفض مرحلة ثانية تلي جنوب نهر الليطاني. كان الردّ التالي من رئيس البرلمان نبيه برّي. لم يتقبّل بدوره إشارة عون إلى أنّ السلاح عبء على بيئته بقوله إنّ “المقاومة للّبنانيّين جميعاً وهي لحمايتهم”.
مرّت السنة الأولى من ولاية رئيس الجمهوريّة جوزف عون وكأنّ خلاصتها اختُزلت في مقابلة تلفزيونيّة. ومع انتهائها، اندلعت العاصفة بينه وبين الثنائي الشيعيّ
إيران لا تتدخّل بشؤون “الحزب”؟
لم يُفضِ كلام الثنائيّ الشيعيّ إلى قطع الطريق أمام ما قاله رئيس الجمهوريّة، وما سبقه إليه رئيس الحكومة نوّاف سلام قبل نهاية السنة، عن قرب الانتقال إلى المرحلة الثانية وحسب، بل أوشك أن يوحي بقطع الحوار مع رئيس الدولة.
سبق الوصول إلى الموقف السلبيّ، كما أبصره الثنائيّ الشيعيّ، ما كان نُقل إليه عن جانب من حوار رئيس الجمهوريّة مع وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي في 9 كانون الثاني، وتمنّيه عليه تدخّل الجمهوريّة الإسلاميّة لدى “الحزب” للتعاون على استكمال خطّة حصر السلاح في يد الدولة. جواب المسؤول الإيرانيّ أنّ “الحزب”، في تقديره، يتعامل بإيجابيّة مع السلطات اللبنانيّة، ولن يتدخّل لديه، “لكنّه يثق به”. وهي المرّة الثانية التي تُفاتَح إيران بتدخّلها لدى “الحزب” بعدما حمل الموقف نفسه قبل أشهر مستشار الرئيس وصهره العميد أندره رحال إلى السفير الإيرانيّ مجتبى أماني، فكان الردّ مطابقاً، وهو أنّ إيران لا تتدخّل في شؤون لبنان، حتّى إنّ عراقجي طوّر وجهة النظر الإيرانيّة في زيارته أخيراً بالقول إنّ دولته لا تتدخّل في شؤون “الحزب”.
في نهاية المطاف بدأت السنة الثانية للعهد من حيث لم تشتهِ نهاية السنة الأولى. بعض المعطيات المرتبطة بهذا المناخ السلبيّ يقيم في الآتي:
1 ـ ذكّرت عبارة عون لـ”الحزب” بـ”التعقلن” وتأكيده أنّ سلاحه “فقد دوره وبات عبئاً على بيئته”، بعبارة مشابهة إلى حدّ ما، تلقّفها “الحزب” بامتعاض من الرئيس السابق ميشال سليمان وتسبّبت بقطع علاقته به في الأشهر الثلاثة السابقة لنهاية ولايته عام 2014، وهي “المعادلة الخشبيّة”، في وصفه نظريّة “الحزب” القائمة على “جيش وشعب ومقاومة”. حتّى ذلك الوقت استنفد “الحزب” علاقته بسليمان وعطّل “إعلان بعبدا” لمنع الخوض في استراتيجية دفاعيّة. أمّا في ما يتعلّق بالرئيس الحاليّ، فيعاد طرح المشكلة في مطلع السنة الثانية من الولاية، وهو ما قد يفتح فصولاً جديدة على مواجهات مقبلة، ولو أنّ ميزان القوى مختلف عن عهد سليمان.
2 ـ يكمن جوهر الخلاف الفعليّ في مقاربة السلاح في أنّ الحكومة اللبنانيّة تبني سياساتها وخياراتها على قرارَيْ 5 آب و7 منه لإنهاء خطّة حصر السلاح في يد الدولة وتجريد “الحزب” منه على كلّ الأراضي اللبنانيّة بالتوسّع التدريجيّ المرحليّ، وهو ما أعادت تأكيده الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء في السنة الجديدة بتكليف الجيش وضع خطّة المرحلة التالية، فيما يتوقّف “الحزب” عند قرار مجلس الوزراء في 7 أيلول تجميد الخوض في ما يتجاوز شمال نهر الليطاني، ويتصرّف على أنّه قدّم كلّ ما عنده حيال سلاحه، وهو إخلاء جنوب نهر الليطاني فحسب، وهذا في الواقع هو المكمن الجديد للاشتباك.
ما لا يخفيه “الحزب” من انزعاج من رئيس الجمهوريّة هو ما كان سُرّب في الآونة الأخيرة، في معرض نفي الرئاسة اللبنانيّة أن يكون عون تقدّم بأيّ تعهّد لـ”الحزب” بعدم مسّ سلاحه قبل انتخابه رئيساً
توتّرٌ بين الرئيسَين؟
3 ـ ما لا يخفيه “الحزب” من انزعاج من رئيس الجمهوريّة هو ما كان سُرّب في الآونة الأخيرة، في معرض نفي الرئاسة اللبنانيّة أن يكون عون تقدّم بأيّ تعهّد لـ”الحزب” بعدم مسّ سلاحه قبل انتخابه رئيساً، عن قوله إنّ مَن لديه وثيقة ممهورة بتوقيعه فليُبرزها. أغضبت العبارة الثنائيّ لأنّ التفاوض في المرّة الأولى كان مع “الحزب”، وفي الثانية قبل ساعتين من جلسة انتخاب الرئيس مع ممثّلَيْ “الحزب” وحركة أمل. في لحظة كتلك لا أحد طلب تعهّداً خطّيّاً ولا أحد اقترحه لتأكيد الالتزام. كان الطرفان اللذان تعاونا معاً منذ عام 2017 وجهاً لوجه، في معرض تأكيد تبادل الثقة والتعاون في المرحلة المقبلة بالتزامات مسبقة لكليهما. ذلك ما حمل رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد على القول لاحقاً من باب التهكّم: قديماً كان المرء يحلف بشواربه كي يؤكّد صدقيّة التزامه ولم يكن يتطلّب ورقة وقلماً وتوقيعاً.
4 ـ ما خلا وجوده في قصر بعبدا في خلال زيارة البابا ليون الرابع عشر للبنان في 30 تشرين الثاني الفائت، انقطع برّي عن زيارة رئيس الجمهوريّة منذ آخر مقابلة بينهما في 20 تشرين الأوّل، بعدما درج مرّة في الشهر على الأقلّ على زيارة القصر منذ مطلع الولاية. السبب المعزوّ إليه هو الدوافع الأمنيّة، فيما ينطوي الأمر على أكثر من علامة استفهام في علاقة الرئيسين اللذين اعتادا أن يصفاها معاً بأنّها “ممتازة” مرّة، و”أكثر من ممتازة” مرّة أخرى. في نهاية المطاف تعاون برّي مع رئيس الجمهوريّة وحكومة الرئيس نوّاف سلام وتنظيم علاقة المؤسّسات الدستوريّة بعضها ببعض على وفرة متاعب كلّ منها مع الأخرى، لا يستثني التيقّن من أنّ الرجل هو اليوم أوّلاً قائد طائفته في السياسة وفي الشارع، ومعنيّ بمصالحها وحمايتها من الاستهداف وتبديد مخاوفها وهواجسها.
إقرأ أيضاً: لبنان المخاوف… والخوف الكبير
