ليس محمد طقوش وحده المسؤول عمّا آلت إليه الجماعة الإسلامية في لبنان، ولا عن تصنيفها كـ”منظمة إرهابية دولية” من قبل وزارتي الخارجية والخزانة الأميركيتين، مع ما يعنيه هذا التصنيف من تداعيات خطيرة تطال الجماعة وأنصارها وكل من يتعامل معها ماليًا أو سياسيًا، وفي مختلف القطاعات.
المسؤولية داخل الجماعة الإسلامية جماعية، وتشمل جميع مكوّناتها. تبدأ من المحور المرتبط بحزب الله وإيران وحماس كما يُقال. وهو الجناح الذي يقوده محمد طقوش، والذي اتخذ قرار الدخول في “حرب الإسناد” من دون استشارة أحد، أو الالتفات إلى النصائح والتحذيرات التي قُدّمت له في بدايات تلك الحرب. قرار جرى اتخاذه رغم الغياب الكامل للاستعداد العسكري والسياسي لمثل هذا الخيار.
لا تقف المسؤولية عند هذا الحد، بل تمتد إلى الجناح الذي يُصنَّف على أنه “المعارض لإيران”، والذي يُعدّ النائب عماد الحوت أبرز وجوهه، إلى جانب عدد من القيادات داخل التنظيم، من عزام الأيوبي إلى شخصيات وقيادات تاريخية في إقليم الخروب. هذا الجناح استسلم وسكت عن ممارسات طقوش وجماعته، بل ذهب أبعد من ذلك، فدافع عنهم واعتبر أنّ ما جرى مجرد مشكلة داخلية يُستحسن عدم إخراجها إلى العلن، وتجنّب محاسبة المسؤولين عمّا آلت إليه الأوضاع.
ليس محمد طقوش وحده المسؤول عمّا آلت إليه الجماعة الإسلامية في لبنان، ولا عن تصنيفها كـ”منظمة إرهابية دولية” من قبل وزارتي الخارجية والخزانة الأميركيتين، مع ما يعنيه هذا التصنيف من تداعيات خطيرة تطال الجماعة وأنصارها
الفرصة الضائعة
المسؤولية في الجماعة الإسلامية شاملة، بين المرتكبين للخطأ والساكتين عنه. وقد أُهدرت فرصة ثمينة كانت متاحة أمام الجماعة، تمثّلت بالفترة الفاصلة بين نهاية مغامرة “حرب الإسناد” الفاشلة وصدور القرار الأميركي بتصنيف الجماعة منظمة إرهابية دولية.
فسحة زمنية امتدت عاماً كاملًا، أي اثني عشر شهرًا بالتمام والكمال، لم تُقدِم خلالها قيادات الجماعة على أي خطوة جدّية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بل على العكس، ذهبت إلى تأجيل المؤتمر العام، والتهرّب من المحاسبة الداخلية الصريحة، وبصراحة فجة، خوفًا من محمد طقوش ورفاقه.
وكانت القيادات التي يمكن وصفها بـ”الحكيمة”، إن صحّ التعبير، قادرة على حصر الخسائر والحد من التداعيات، عبر سلسلة من الخطوات الصادمة والحازمة، تشكّل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن ليس كل الجماعة موافقة على ما حصل، وأنها قادرة على إعادة إنتاج نفسها ودورها وسياساتها.
كان يُفترض بهذه القيادات أن تطرح خارطة طريق واضحة للخروج من نفق طقوش، على الشكل الآتي:
- إقالة الأمين العام محمد طقوش.
- إقالة مسؤول الجماعة الإسلامية في صيدا بسام حمود، المرتبط بالتنسيق اليومي مع حزب الله.
- حلّ فصيل “قوات الفجر”.
- إعادة هيكلة فرع الجماعة في البقاع الغربي، وفك ارتباطه بحركة حماس.
إلا أن قيادات الجماعة استسلمت لسطوة ومغامرات محمد طقوش، فباتت شريكة له بما فعل ويفعل، وبالتالي شريكة في دفع الفاتورة، بالتضامن والتكافل.
الحوار المطلوب في هذه المرحلة ليس حواراً خارجياً، بل حوار داخلي داخل الجماعة نفسها. حوار يُفترض أن تشارك فيه كل القيادات، بهدف قراءة التجربة بجرأة ومسؤولية، واستخلاص العبر مما جرى
ماذا يجب الآن؟
هل تمثّل هذه التطورات نهاية الجماعة الإسلامية في لبنان؟ الإجابة عن هذا السؤال صعبة، إن لم تكن مستحيلة، خصوصًا في ظل التحولات الدولية والإقليمية والمحلية المتسارعة. إلا أن المؤكد أن المكابرة والإنكار لما نتج عن القرار الأميركي لا يشكّلان مخرجاً من الأزمة، بل يعمّقان الورطة والمأزق.
يواصل النائب عماد الحوت سياسة المكابرة والإنكار حيال ما آلت إليه الجماعة من عزلة دولية ومحلية، متمسكًا بالخطاب الذي كان يردده أمام من يلتقيهم من قيادات سياسية ودينية، ومفاده أنّ “قرار الإدارة الأميركية غير مهم ولا يغيّر شيئاً في الواقع”. ومن أبرز العبارات التي كان يطلقها مؤخرًا قوله إن “القرار الصادر هو قرار سياسي وإداري أميركي لا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي”. وقد غفل النائب الحوت عن أن قراراً يصدر عن رئيس الولايات المتحدة، وخصوصاً في عهد دونالد ترامب، يشبه حوتاً يفتح فكيه ليلتهم كل من يقف في وجهه أو يتجاهل قراراته. كما غفل عن حقيقة أساسية مفادها أن لا أحد في لبنان اليوم يجرؤ على التواصل مع الجماعة الإسلامية، أو التحالف معها، أو مشاركتها في الاستحقاقات المقبلة، من الانتخابات النيابية إلى أي انتخابات أخرى.
إقرأ أيضاً: اليمن: السّعوديّة من إدارة الحرب إلى هندسة الاستقرار
حسن فعل النائب عماد الحوت في بيانه الأخير عندما أكد الانفتاح على أي حوار مسؤول وشفاف. إلا أن السؤال الجوهري يبقى: أي حوار؟ ومع من؟
الحوار المطلوب في هذه المرحلة ليس حواراً خارجياً، بل حوار داخلي داخل الجماعة نفسها. حوار يُفترض أن تشارك فيه كل القيادات، بهدف قراءة التجربة بجرأة ومسؤولية، واستخلاص العبر مما جرى. ربما يجدر بقيادات الجماعة الإسلامية التوقف عند تجربة حزب “الرفاه” التركي بقيادة نجم الدين أربكان، الذي عرف كيف يضحي بحزبه وبنفسه من أجل إنقاذ رفاقه، فكانت تلك التضحية الجسر الذي عبر عليه الرفاق، بقيادة رجب طيب أردوغان، للحكم في تركيا طوال تلك السنوات.
اليوم، تقف قيادات الجماعة الإسلامية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التضحية بمحمد طقوش، أو التضحية بالجماعة نفسها. ويبقى السؤال مفتوحاً هل لا يزال في الجماعة من حكماء؟
لمتابعة الكاتب على X:
