سقوط “قسد”: تقاطعات إقليميّة برعاية أميركيّة

مدة القراءة 6 د

يعكس ما شهدته مدينة حلب قبل أيّام آثار المرحلة الحرجة في صراع النفوذ على الأرض بين الدولة السوريّة و”قسد”، لكنّه يحمل معه مؤشّرات واضحة إلى سيناريوهات مقبلة، لا تنفصل عن الديناميّات الأوسع في سوريا والمنطقة.

 

 

ما الذي حدث في حيَّي الأشرفيّة والشيخ مقصود في شرق حلب؟ ولماذا تصاعدت المواجهات بهذا الشكل؟ وهل كانت تحرّكات الجيش السوريّ عمليّات عسكريّة أم جزءاً من استراتيجية إقليميّة ودوليّة أكبر لإعادة ضبط نفوذ “قسد”؟ وهل تخلّى التحالف الدوليّ عن دعم “قسد” خارج ملفّ الحرب على داعش؟ وما الذي جنته “قسد” من هذه الهزيمة السريعة والموجعة؟ وهل يمكن اعتبار تلك الأحداث بروفة لِما قد يحدث في منطقة دير حافر أو شرق الفرات؟

ضحيّة الحسابات الخاطئة؟

تشابكت الحسابات والمصالح المحليّة والإقليميّة في شرق حلب، على نحو يعكس شكل السيناريوهات والاحتمالات المقبلة في مشروع بناء سوريا الجديدة. ولم تكن الأحداث الأخيرة مواجهات عسكرية وحسب، بل مرحلة مفصليّة أعادت رسم التوازنات على الأرض وأظهرت تحوّلات استراتيجيّة في مسار إعادة سيطرة الدولة على المدن والمناطق وعلاقاتها مع اللاعبين المؤثّرين في المشهد السوريّ، وتجمع بين الأسباب والخيارات والدوافع السياسيّة عند مناقشة ما جرى وما سيجري.

لم تكن “قسد” ضحيّة التخلّي الدوليّ عنها في شرق حلب فقط، بل ضحيّة حساباتها الخاطئة، بعدما بالغت في تقدير نفوذها وقدرتها على فرض واقع أمنيّ وشعبيّ داخل مدينة بحجم حلب وبثقلها الاستراتيجيّ.

ستبقى الأنظار مشدودة نحو شرق الفرات، هذه الساحة الحاسمة في تشكيل الخارطة السوريّة الجديدة، حيث ستحدِّد كلّ هذه المتغيّرات مستقبل “قسد” في لعبة التوازنات الإقليميّة والدوليّة

ما جرى في حلب لا يمكن قراءته بوصفه تحرّكاً ميدانيّاً معزولاً، بل تنفيذ عسكريّ لقرار سياسيّ أوسع هدفه إعادة ضبط نفوذ “قسد” ضمن سقوف محسوبة. أظهرت طريقة تعامل واشنطن مع أحداث شرق حلب أنّ دعمها لـ”قسد” بات محصوراً بالبعد الأمنيّ المرتبط بملفّ داعش، مقابل حياد سياسيّ تجاه صراع النفوذ داخل المدن السوريّة، وهو ما يعني عمليّاً تراجع الاستعداد الأميركيّ لحماية تمدّد “قسد” الجغرافيّ أو طموحاتها السياسيّة خارج شرق الفرات.

يمكن النظر إلى ما جرى في شرق حلب بوصفه نموذج اختبار أوّليّ لكيفيّة إعادة ضبط نفوذ “قسد”، دون الجزم بإمكان استنساخه في شرق الفرات، حيث ستبقى النتائج رهينة تطوّرات الميدان وحسابات اللاعبين الإقليميّين والدوليّين. مع ذلك، تبقى “دير حافر” التابعة لمدينة حلب ساحة مفتوحة على احتمالات مختلفة، وقد تشكّل عاملاً معرقلاً أو معدّلاً لمسار تعميم هذا النموذج، في ضوء حساسيّة المكان الجغرافيّة وتشابك المصالح فيه، خصوصاً بالنسبة لتركيا.

لم يمنع سقوط اتّفاق الأوّل من نيسان القوّات السوريّة من القيام بعمليّتها، بل أعاد توجيهها ضمن منظور أكبر: تقليص قدرة “قسد” على فرض نفوذها، واختبار قدرة دمشق على السيطرة، مع مراقبة التحالف الدوليّ في ظلّ التفاهمات السوريّة–الإسرائيليّة الأخيرة في باريس. كلّ هذا يجعل فرضيّة إعادة ترتيب النفوذ السوريّ في شرق الفرات أكثر واقعيّة.

لم يكن شرق حلب ساحة عمليّات قتاليّة، بل نقطة التقاء مصالح محلّيّة وإقليميّة ودوليّة متشابكة: سعت الحكومة السوريّة لكسب المزيد من الدعم والصدقيّة، بينما تلقّت “قسد” رسالة تفيد بصعوبة الحفاظ على نفوذها السياسيّ والعسكريّ في غرب أو شمال حلب.

عملت تركيا على حماية حدودها ومصالحها مع القيادة الجديدة في سوريا. في الوقت نفسه، كانت الولايات المتّحدة توازن بين دعم “قسد” في مكافحة داعش وبين الحفاظ على استقرار المنطقة وعدم إغضاب تركيا.

ربحت إسرائيل، من جانبها، معركة الجلوس والتفاوض مع دمشق عبر الوسيط الأميركيّ، والتمسّك بورقة أمن الحدود الشماليّة، فيما نجحت العواصم العربيّة في كسب دمشق تحت مظلّة الثقل السعودي في الإقليم، ونفّذت روسيا دورها في الحفاظ على استقرار علاقتها بالقيادة السوريّة الجديدة. حدّدت كلّ هذه التوازنات سلوك جميع الأطراف وساهمت في صياغة مشهد شرق حلب.

ما جرى في حلب لا يمكن قراءته بوصفه تحرّكاً ميدانيّاً معزولاً، بل تنفيذ عسكريّ لقرار سياسيّ أوسع هدفه إعادة ضبط نفوذ “قسد” ضمن سقوف محسوبة

توازنات إقليميّة جديدة

شكّل سقوط حيَّي الشيخ مقصود والأشرفيّة ضربة استراتيجيّة لـ”قسد” على الأرض، وأظهر محدوديّة نفوذها أمام خطّة الحكومة السوريّة المدعومة بتفاهمات ضمنيّة إقليميّة ودوليّة، وبيّن أنّ قدرتها على التأثير في مدن غرب أو شمال حلب باتت محدودة. من هنا موضوع “دير حافر” وما حولها قد يُحسم من دون مواجهات عسكريّة، لكنّ نقاشات تطبيق ما جرى في حلب ونقله إلى شرق الفرات ما تزال غير واضحة بعد.

لم يكن سقوط “قسد” في شرق حلب حدثاً عابراً، بل نتاج تراكم عوامل متداخلة داخل سوريا وخارجها: استثمر الجيش السوريّ في نقاط ضعف “قسد” واستغلّ الفراغ السياسيّ الذي تركه غياب الدعم الدوليّ المباشر، بينما لعبت التفاهمات الإقليميّة، خصوصاً الأميركيّة والتركيّة، دوراً حاسماً في تحديد مسار المشهد. لم تتلقَّ “قسد” هذه الضربة بفعل قوّة واحدة، بل نتيجة تنسيق ميدانيّ وسياسيّ متكامل أدّى إلى عزل عناصرها وفرض السيطرة على الحيَّين الرئيسَين لمناطق نفوذها. تحمل التساؤلات عن سقوطها معها إجابات واضحة: جاءت الهزيمة نتيجة عمليّة عسكريّة وبعد فقدان الدعم السياسيّ والرهان على التحالفات الإقليميّة.

إقرأ أيضاً: تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

من هنا تحدّد كلّ هذه المتغيّرات مستقبل “قسد” وتضع معايير جديدة لتوازن القوى في سوريا، وربّما تؤثّر على الملفّات المستقبليّة المتعلّقة بالإدارة الذاتيّة والمناطق الكرديّة. يتشكّل مستقبل “قسد” بين خيارين: الانخراط في تسوية سياسيّة تدريجيّة أو التمسّك بالرهان على محاولة استغلال أيّ خلل في تطبيق الاتّفاقات لإعادة بناء معادلة جديدة، وهو ما لن يرضى به اللاعب الإقليميّ في سوريا.

ليس ما جرى مواجهةً عسكريّة محليّة حُسمت لمصلحة السلطة الشرعيّة في دمشق وحسب، بل كان اختباراً لإرادة توازنات إقليميّة جديدة في سوريا، فسقوط “قسد” أمام الجيش السوريّ يعكس هشاشة قدراتها العسكريّة والسياسيّة في ظلّ غياب الدعم الدوليّ الفاعل خارج ملفّ الحرب على داعش، ويُبرز أهميّة التفاهمات الإقليميّة، سواء العلنيّة أو غير العلنيّة، في رسم مستقبل سوريا.

لكنّ السيناريوهات المقبلة تعتمد أيضاً على قدرة دمشق على تفعيل اتّفاقات العاشر من آذار، ومدى التزام الأطراف الإقليميّة ضمان استقرار المنطقة.

ستبقى الأنظار مشدودة نحو شرق الفرات، هذه الساحة الحاسمة في تشكيل الخارطة السوريّة الجديدة، حيث ستحدِّد كلّ هذه المتغيّرات مستقبل “قسد” في لعبة التوازنات الإقليميّة والدوليّة في التعامل مع الملفّ السوريّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

ما الذي يخشاه لبنان في ذكرى مرور سنة على تولي الرئيس جوزيف عون مهماته؟ عبّر رئيس الجمهوريّة عن تلك المخاوف، بما في ذلك الخوف الكبير،…

الجماعة الإسلامية: محمد طقوش ليس وحده المسؤول

ليس محمد طقوش وحده المسؤول عمّا آلت إليه الجماعة الإسلامية في لبنان، ولا عن تصنيفها كـ”منظمة إرهابية دولية” من قبل وزارتي الخارجية والخزانة الأميركيتين، مع…

“مثلّث قوّة إسلاميّ” لكسر احتكار القوّة الإسرائيليّ

هل بات انضمام تركيا إلى التحالف الدفاعيّ الاستراتيجيّ الذي أُبرم أخيراً بين المملكة العربيّة السعوديّة وباكستان قريباً؟ وهل نشهد قيام مثلّث قوّة إسلاميّ يكسر الاحتكار…

السّؤال الإيرانيّ الكبير على شطّ العرب

قبل مئة عام وبضعة أشهر، رسا يختٌ فاخر في شطّ العرب على مقربة من المحمّرة، عاصمة الأحواز. كان أميرها العربيّ خزعل الكعبيّ قد وطّد حكمه…