اليمن: السّعوديّة من إدارة الحرب إلى هندسة الاستقرار

مدة القراءة 5 د

تنتقل المملكة العربيّة السعوديّة عبر حوار جنوب اليمن الذي دعت إليه وتستضيفه في الرياض قريباً، من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة هندسة الاستقرار.

 

يأتي حوار جنوب اليمن في الرياض في مرحلة مفصليّة من مسار الأزمة اليمنيّة، حيث تتقاطع التحوّلات الميدانيّة عبر الحزم العسكري السعودي تمهيداً للاستقرار السياسي وتفهّم المتغيّرات الإقليميّة والدوليّة. لا يمكن قراءة هذا الحوار بمعزل عن التاريخ الطويل والمعقّد الذي حكم علاقة الرياض بجنوب اليمن، ولا عن إدراك سعوديّ متزايد بأنّ أيّ تسوية سياسيّة في اليمن ستظلّ منقوصة ما لم تُعالج المسألة الجنوبيّة بصورة مباشرة ومنظّمة.

سعى المملكة العربيّة السعوديّة إلى تنظيم العلاقة المستقبليّة مع الجنوب اليمنيّ على أساس المصالح المشتركة لا الارتباط الظرفيّ، وخلق شريك جنوبيّ موثوق يساهم في حماية الحدود والممرّات البحريّة

ماذا تريد السّعوديّة من الحوار؟

تضع المملكة العربيّة السعوديّة ثلاثة أهداف أساسيّة لحوار جنوب اليمن المزمع عقده في الرياض:

  • تأكيد على وحدة اليمن وإسقاط أيّ مشروع تقسيميّ.
  • تحصين الأمن القوميّ العربيّ عبر ترسيخ الاستقرار في جنوب اليمن.
  • أن يكون حوار الجنوب بوّابة لحلّ الأزمة اليمنيّة كاملة.

منذ اندلاع الحرب اليمنيّة عام 2015، تحوّل الجنوب إلى مساحة نفوذ مركزيّ في الصراع، سواء من حيث السيطرة الميدانيّة أو من حيث موقعه الجيوسياسيّ المرتبط بالموانئ والسواحل والممرّات البحريّة الدوليّة. ومع تراجع قدرة الحكومة اليمنيّة المعترَف بها دوليّاً على فرض سلطتها، برزت قوى جنوبيّة متعدّدة، أبرزها المجلس الانتقاليّ الجنوبي، إلى جانب تشكيلات سياسيّة وقبليّة وعسكريّة أخرى، فتعدّدت مراكز القرار داخل الجنوب.

خلق هذا التشتّت معضلة حقيقيّة أمام السعوديّة، الحريصة على الأمن القوميّ العربيّ من بوّابة شواطئ حضرموت، فهي التي وجدت نفسها أمام شركاء جنوبيّين تدعمهم الإمارات متباينين في الرؤية والأهداف، فصعُب تحويل أيّ تفاهمات أمنيّة أو سياسيّة إلى التزامات قابلة للتنفيذ. من هنا، برزت الحاجة إلى حوار منظّم يُعيد ترتيب البيت الجنوبيّ قبل الانتقال إلى أيّ تسوية شاملة على مستوى اليمن ككلّ.

العلاقة التّاريخيّة بين السّعوديّة وجنوب اليمن

ترتبط المملكة السعوديّة بجنوب اليمن بعلاقة تتجاوز اللحظة الراهنة. فمنذ مرحلة ما قبل الاستقلال، ثمّ خلال حقبة جمهوريّة اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة، تعاملت الرياض مع الجنوب بوصفه مساحة استراتيجيّة حسّاسة، تأثرت علاقاتها به بعوامل أيديولوجيّة خلال الحرب الباردة، ثمّ بعوامل أمنيّة بعد ذلك.

بعد تحقيق الوحدة اليمنيّة عام 1990، لم تنظر السعوديّة إلى الجنوب كجزء من دولة موحّدة، بل كعنصر توازن داخليّ يمكن أن يتأثّر أو يؤثّر في استقرار كلّ اليمن. وقد تجلّى ذلك بوضوح بعد حرب 1994، حين أُقصي الجنوب سياسيّاً، فتراكمت مظالم سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة استمرّت حتّى اندلاع الحراك الجنوبيّ عام 2007.

مع انطلاق الحرب في 2015، أعادت المملكة السعوديّة الانخراط المباشر في الملفّ الجنوبيّ، مدفوعةً باعتبارات تتعلّق بأمن حدودها الجنوبيّة ومنع تمدّد النفوذ المعادي وضمان أمن البحر الأحمر وباب المندب، فأصبح الجنوب جزءاً أساسيّاً من حساباتها الاستراتيجيّة.

تنتقل المملكة العربيّة السعوديّة عبر حوار جنوب اليمن الذي دعت إليه وتستضيفه في الرياض قريباً، من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة هندسة الاستقرار

ما هو المطلوب من حوار الرّياض؟

حوار جنوب اليمن في الرياض يتجاوز الطموحات المراهنة عليه أ لا يتجاوز الصورة وجمع الفرقاء إلى طاولة واحدة ليحقّق سلسلة من الأهداف:

1- إنتاج إطار سياسيّ جنوبيّ موحّد، أو على الأقلّ منسّق، قادر على التفاوض والالتزام وتنفيذ ما يتمّ الاتّفاق عليه.

2- ضبط الخلافات بين القوى الجنوبيّة ومنع تحوّلها إلى صراعات مفتوحة.

3- إعادة تنظيم العلاقة بين القوى الجنوبيّة والتحالف العربيّ، بما يحدّد المسؤوليّات والالتزامات المتبادلة.

4- نقل الجنوب تدريجاً من حالة الاعتماد على القوّة العسكريّة إلى مسار سياسيّ مؤسّسي.

5- تحضير الجنوب للعب دور واضح في أيّ مفاوضات يمنيّة شاملة برعاية إقليميّة أو دوليّة.

الوصول الى هذه الاهداف من شأنه أن يحقّق نتائج استراتيجيّة أبرزها تثبيت الجنوب فاعلاً سياسيّاً معترفاً به في أيّ تسوية مستقبليّة. الحدّ من الفوضى الأمنيّة عبر توحيد أو تنسيق البُنى العسكريّة والأمنيّة للولوج إلى فتح الباب أمام إعادة بناء مؤسّسات جنوبيّة قادرة على إدارة الشأن العامّ.

تسعى المملكة العربيّة السعوديّة إلى تنظيم العلاقة المستقبليّة مع الجنوب اليمنيّ على أساس المصالح المشتركة لا الارتباط الظرفيّ، وخلق شريك جنوبيّ موثوق يساهم في حماية الحدود والممرّات البحريّة، ويمنع تحوّل الجنوب إلى ساحة نفوذ متضاربة.

 إقرأ أيضاً: دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً

التّحدّيات كبيرة

التحدّيات التي يواجهها حوار جنوب اليمن في الرياض عميقة وصعبة. تحرص المملكة السعوديّة، عبر قيادتها، على مساعدة الجنوبيّين في إنتاج حلّ مستديم لكلّ أزمات المنطقة الجنوبيّة، تمهيداً لدخول مرحلة تسوية شاملة مع كلّ الأطراف اليمنيّة الأخرى. ولا تسعى المملكة إلى فرض حلول جاهزة، بل هدفها أن يكون اليمن دولة سند قويّة، لا أن يتحوّل إلى خاصرة رخوة يُطعن منها الأمن الخليجيّ والعربيّ.

لا يهدف حوار جنوب اليمن في الرياض إلى حسم الشكل النهائيّ للدولة اليمنيّة، بقدر ما يسعى إلى تنظيم المسألة الجنوبيّة وضبط إيقاعها السياسيّ والأمنيّ، بما يخدم استقرار اليمن والمنطقة. أمّا السعوديّة فتتعامل مع هذا الحوار بوصفه استثماراً استراتيجيّاً في الاستقرار لا خطوة تكتيكيّة مؤقّتة وحسب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ziaditani23

مواضيع ذات صلة

السّؤال الإيرانيّ الكبير على شطّ العرب

قبل مئة عام وبضعة أشهر، رسا يختٌ فاخر في شطّ العرب على مقربة من المحمّرة، عاصمة الأحواز. كان أميرها العربيّ خزعل الكعبيّ قد وطّد حكمه…

تركيا تنصح إيران: العالم كلّه تغيّر

لم تخفِ تركيا خلال العقدين الماضيين تنافر أجنداتها مع أجندات إيران في المنطقة. استبطن الجدل شراسة التنافر في مصالح أنقرة وطهران. تعايش البلدان داخل آليّة…

هل صحيح أنّنا صمدنا 66 يوماً؟

منذ شهور، تحاول ماكينة “الحزب” الإعلاميّة والسياسيّة، أن تسوّق فكرة غير صحيحة إطلاقاً: شباب “الحزب” صمدوا في الجنوب 66 يوماً ومنعوا الاحتلال. وهو ادّعاء لا…

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجويّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…