يعتقد خبير روسيّ في السياسات الإيرانيّة أنّ الكرملين مستاء من الاحتجاجات الإيرانيّة، ويعتبر أنّ من السهل على روسيا إرسال مروحيّاتها إلى حليفتها إيران لمساعدتها على محاربة التمرّد، ومن السهل أيضاً تخيّل موسكو ملاذاً آمناً لقادة إيرانيّين فارّين. لكنّ من الصعب جدّاً تخيّل جنود روس يدافعون عن النظام الإيرانيّ على الأرض.
يعتبر نيكيتا سماغين، الباحث الروسيّ في مركز كارنيغي روسيا – أوراسيا، أنّ الكرملين، الذي أصبح أحد أقرب حلفاء إيران في السنوات الأخيرة، مستعدّ لدعم النظام الإسلاميّ في وقت حاجته، وأن يزوّد طهران بأسلحة قد تكون مفيدة إذا تصاعدت الاحتجاجات إلى تمرّد مسلّح. ويدرس عن كثب تجربة إيران في التعامل مع المتظاهرين، على أمل التعلّم من أخطاء الآخرين. لكن على الرغم من التحالف الوثيق بين البلدين في السنوات الأخيرة، دعم روسيا لإيران له سقف واضح، وموسكو لن تذهب إلى حدّ التدخّل العسكريّ المباشر للدفاع عن النظام الإيرانيّ على الأرض.
احتجاجات غير مسبوقة
يقرّ الباحث في مقال له في مجلّة بوليتيكا أنّ إيران تشهد واحدة من أعنف موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث. فقد اندلعت تظاهرات واسعة اجتاحت مدناً كاملة، وهاجم المحتجّون مقارّ حكوميّة، وأضرموا النار في مركبات أمنيّة، واشتَبكوا مباشرة مع قوّات الأمن. ويستبعد تراجعها على الرغم من استخدام السلطات القوّة المفرطة، بما في ذلك الذخيرة الحيّة، وسقوط مئات القتلى وآلاف المعتقلين.
يشير إلى أنّ هذه الاحتجاجات تختلف عن سابقاتها من حيث وضوح المطالب ورفع المتظاهرين علناً للمرّة الأولى شعار إعادة الملَكيّة. لكنّه يرى أنّها مع ذلك لا تزال تعاني من ضعف التنسيق وغياب قيادة مركزيّة قادرة على تحويل الغضب الشعبيّ إلى مشروع سياسيّ متماسك.
يعتقد خبير روسيّ في السياسات الإيرانيّة أنّ الكرملين مستاء من الاحتجاجات الإيرانيّة، ويعتبر أنّ من السهل على روسيا إرسال مروحيّاتها إلى حليفتها إيران لمساعدتها على محاربة التمرّد
لا يستبعد سماغين أن تصل الاحتجاجات إلى مستويات جديدة إذا لم تتمكّن السلطات الإيرانيّة من اتّباع السيناريو المعتاد لقمعها، ومنحت المتظاهرين أملاً لإمكان نجاحهم. ويرى أنّ العامل الرئيس الذي يجعل ذلك ممكناً هو الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. فقد هدّد مراراً إيران بشنّ ضربات إذا واصلت الحكومة قمع الاحتجاجات. وتكتسب هذه التهديدات صدقيّة في ضوء العمليّة العسكريّة الأميركيّة الأخيرة في فنزويلّا، إضافة إلى أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل كانتا تفكّران أصلاً في شنّ ضربات إضافيّة على إيران لتدمير برنامجها النوويّ.
لا يرجّح سماغين أن يؤدّي تدخّل عسكريّ من الولايات المتّحدة وإسرائيل إلى إشعال الأمل لتغيير النظام بين المتظاهرين. فمن أجل تحقيق تغيير النظام، لا يكفي توجيه بضع ضربات إلى الأراضي الإيرانيّة، بل سيتطلّب الأمر تنسيق تحرّكات المحتجّين وحشدهم للاستيلاء على السلطة. وهذه مهمّة معقّدة وعالية المخاطر، ويمكن أن تفشل بسهولة. وقد يكون الجمع بين تدخّل أميركي واحتجاجات داخليّة كافياً لإسقاط السلطات، لكنّه قد يؤدّي أيضاً إلى نتيجة معاكسة تتمثّل في دفعها إلى التكاتف في مواجهة التهديد الخارجيّ. وقد أدّى حجم الاحتجاجات الإيرانيّة بالفعل إلى صدور تقارير تفيد بأنّ المرشد الأعلى علي خامنئي يخطّط للفرار إلى روسيا إذا ساءت الأوضاع. وهذا الاحتمال ليس مستبعداً، إذ إنّ منح اللجوء لقادة سلطويّين يُعدّ أحد الحوافز الرئيسة لتعاون موسكو مع أنظمة استبداديّة أخرى.
يعتقد الباحث الروسي، وهو مؤلّف كتاب “إيران للجميع: مفارقات الحياة في ظلّ نظام استبداديّ تحت العقوبات”، أنّ الكرملين غير مسرور من اندلاع الاحتجاجات الإيرانيّة:
– أوّلاً، لأنّ إيران شريك مهمّ لروسيا ولا ترغب موسكو في خسارته، وهو ما قد يحدث في حال تغيير النظام.
– ثانياً، لأنّ القيادة الروسيّة كثيراً ما تُسقط مشكلات الأنظمة الاستبداديّة الأخرى على نفسها، ولا ترغب في أن تصبح إيران مثالاً يُحتذى به في دول استبداديّة أخرى. ومن هنا جاء الدعم الحذر الذي عبّرت عنه السفارة الروسيّة في طهران التي وصفت تصرّفات قوات الأمن المحلّيّة بأنّها “عمل لضمان النظام وسيادة القانون”.
يعتقد سماغين أنّ ما يفعله الكرملين في الواقع هو محاولة دراسة ما يحدث في إيران بدقّة، من أجل عدم تكرار أخطائها، تماماً كما استفاد سابقاً من تجربة إيران عند بناء نظام للالتفاف على العقوبات
الاستفادة من التّجربة الإيرانيّة
يشير الباحث الى وصول عدّة طائرات نقل عسكريّة من طراز “إيل-76” إلى إيران من روسيا وبيلاروسيا، إلى جانب أولى مروحيّات الهجوم من طراز “مي-28” وعشرات المركبات المدرّعة الروسيّة من طراز “سبارتاك”، ويعتبر أنّها غير مجدية في مواجهة ضربات جوّيّة إسرائيليّة أو أميركيّة، لكنّها مناسبة لمحاربة تمرّد مسلّح وستكون مطلوبة في حال تصاعد الاحتجاجات الإيرانيّة إلى صراع مسلّح.
إقرأ أيضاً: ماذا بين سليماني ومادورو؟
لا ينبغي، في رأي الباحث، المبالغة في تقدير استعداد موسكو لإنقاذ النظام الإيرانيّ. فقد أظهر الكرملين مراراً استعداده للتخلّي عن حلفائه إذا ساءت الأمور بشكل خطِر فعلاً. وهذا ما حدث تحديداً في فنزويلّا في بداية العام، وفي سوريا عندما انهار نظام بشّار الأسد عام 2024، وفي إيران نفسها خلال حرب الأيّام الاثني عشر في الصيف الماضي.
لذلك يعتبر سماغين أنّ “تصدير المروحيّات الروسيّة إلى إيران لمحاربة التمرّد هو أمر، وتخيُّل موسكو ملاذاً آمناً لقادة إيرانيّين فارّين أمر سهل، لكنّ من الصعب جدّاً تخيّل قوّات روسيّة تدافع عن النظام الإيرانيّ على الأرض”.
يعتقد سماغين أنّ ما يفعله الكرملين في الواقع هو محاولة دراسة ما يحدث في إيران بدقّة، من أجل عدم تكرار أخطائها، تماماً كما استفاد سابقاً من تجربة إيران عند بناء نظام للالتفاف على العقوبات. وينظر الآن أيضاً إلى النموذج الإيرانيّ في فرض قيود على الإنترنت. فـ”القوائم البيض” للإنترنت في روسيا هي نظير مباشر لشبكة “الإنترنت الوطنيّ” في إيران التي تستخدمها الجمهوريّة الإسلاميّة لقمع الاحتجاجات، والتي تبقى فيها عاملةً ضمن النطاق الوطنيّ الخدماتُ الداخليّة الأساسيّة، مثل حجز سيّارات الأجرة، شراء التذاكر، خدمات التوصيل، التطبيقات المصرفيّة، ومواقع وسائل الإعلام. لكنّ الإنترنت الخارجيّ يُقطع بالكامل تقريباً. وهو أمر اختبره ملايين الروس بالفعل، حين بات يُقطع اتّصالهم بالإنترنت، ولا يُتاح لهم سوى الوصول إلى المواقع المدرجة ضمن “القوائم البيض”.
لقراءة النص بلغته الأصلية اضغط هنا
