منذ شهور، تحاول ماكينة “الحزب” الإعلاميّة والسياسيّة، أن تسوّق فكرة غير صحيحة إطلاقاً: شباب “الحزب” صمدوا في الجنوب 66 يوماً ومنعوا الاحتلال. وهو ادّعاء لا أساس له من الصحّة. وتسويقه أحد أسباب الهزيمة التي نعيشها. وتحطيم هذه الرواية ضرورة من أجل وقف القتل اليوميّ وتحرير الجنوب وإعادة إعماره.
الأقسى من الهزيمة، هو عدم الاعتراف بها. وإلّا فكيف يمكن لرجل دين، أو لسياسيّ، أو لناشط، أو لإعلاميّ، أن يخرج على من تُدمَّر بيوتهم وتعدم طائرات إسرائيل أولادهم يوميّاً في الشوارع وداخل السيّارات وعلى الدرّاجات الناريّة، من دون أيّ قدرة على الدفاع عن أنفسهم… كيف يمكن لأيّ إنسان أن يقنع هؤلاء الأهل والأقارب والمشاهدين، أنّ المقتولين “يصمدون”.
القتل اليوميّ، الإعدامات الميدانيّة، التدمير الممنهج المستمرّ لقرى جنوب لبنان، الإهانة العسكريّة الدائمة، والذلّ السياسيّ المتصاعد… كلّ هذا وأكثر، ويخرج على المقتولين والمدمّرة بيوتهم، من يريد أن يقنعهم، بوقاحة قلّ نظيرها في التاريخ السياسيّ، أنّهم “منتصرون”، و”صامدون”.
منذ شهور، تحاول ماكينة “الحزب” الإعلاميّة والسياسيّة، أن تسوّق فكرة غير صحيحة إطلاقاً: شباب “الحزب” صمدوا في الجنوب 66 يوماً ومنعوا الاحتلال
66 يوماً من الصّمود… أو الهزيمة؟
هناك من أقنع قيادة “الحزب” بأنّه بتغيير اسم الكارثة، تتوقّف عن كونها كارثة. فإذا سمّينا الهزيمة “صموداً”. تنتفي الهزيمة. وإذا سمّينا الإعدامات اليوميّة “انتصاراً”، يرتاح المقتولون في الشوارع وتنتصر عائلاتهم. وإذا سمّينا الانهيار الاقتصاديّ “حصاراً”، تنتعش الليرة اللبنانيّة. وإذا سمّينا القطيعة العربيّة والدوليّة “انحيازاً إلى إسرائيل”، نتوقّف عن كوننا بلداً “مقطوعاً من شجرة” عربيّة ودوليّة. وإذا اعتبرنا أنّ ثورة 17 تشرين “مؤامرة خارجيّة”، تسقط أسباب “الثورة”.
هناك من أقنع الممسكين ببعض زمام هذه البيئة، بأنّه يكفي تغيير “اللوغو” أو “البراند”. ولا داعي لمناقشة الأسباب والنتائج. فإذا انهزمنا، نغمض عيوننا ونقول 3 مرّات بصوتٍ عالٍ: “نحن منتصرون، نحن منتصرون، نحن منتصرون”. فتتدخّل قوى غيبيّة لا نراها، وتغيّر مجرى التاريخ، وتجعلنا “الأعلون”.
في الوقائع، لا بدّ من إيراد الآتي:
- جنوب لبنان جرى احتلاله خلال هذه الأيّام الـ66. وتحديداً مدينة الخيام.
- صوّر جنود إسرائيليّون فيديو وهم يعزفون على بيانو داخل فيلّا في الخيام. في 4 تشرين الثاني 2024. أي قبل وقف إطلاق النار بـ3 أسابيع.
- وزّعوا فيديوات لهم داخل منازل وشوارع في بلدة حولا… والقائمة تطول.
- في أيلول 2025، أي قبل أشهر قليلة، خرج علينا أفيخاي أدرعي، المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، يجول في الخيام مجدّداً.
- اعترف “الحزب” بسقوط مئات من عناصره منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني. وهو ما يعني أنّه عاجز عن حماية عناصره. الذين يفترض بهم أن يحموا جنوب لبنان، وأن يحموا أهله.
- هناك أكثر من 100 ألف لبنانيّ مهجّرين من بلدات قرى الشريط الحدوديّ المحاذية للحدود مع إسرائيل، منذ بدء الحرب في 8 تشرين الأوّل 2023. بمن فيهم سكّان بلدة كاتب هذه السطور.
- التهجير دخل عامه الثالث. وهي الفترة الأطول منذ اجتياح 1978، الذي أورثنا احتلالاً استمرّ حتّى عام 2000. وهو ما يعني أنّ “أسطورة” تحرير الجنوب في عام 2000 انتهت. حيث إنّ أهالي الشريط الحدوديّ مهجّرون للعام الثالث على التوالي.
- بعد 1978 كانت هناك “مقاومة”. اليوم لا أحد يقاوم.
- بعد 1978 كانت هناك أموال من جهات مختلفة. اليوم المهجّرون جائعون. عاجزون عن دفع بدل الإيجارات. لا أحد يعطيهم قوتهم كفاف يومهم. ولا أفق لهذا الخراب والتهجير والإفلاس. ولا خطط للمعالجة بل ولا حتّى وعود.
الحروب التي خاضتها هذه المنظومة لا وجود للناس فيها. المشكلة أعمق من معركة، وأبعد من الأرقام. هي ثقافة كاملة لا ترى الناس أولويّة
فنزويلّا… وأسطورة الـ66 يوماً
بعدما اعتقل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب رئيس فنزويلّا، اليساريّ “المُمانع”، حليف “الشرق” الذي أرادنا “الحزب” أن نتّجه صوبه، خرجت علينا رواية جديدة: فنزويلّا سقطت في ساعتين، و”الحزب” صمد 66 يوماً ومنع احتلال الجنوب.
في فنزويلّا لم تُدمَّر المدن. لم تُمحَ القرى عن الخريطة. لم يُهجَّر مئات الآلاف من بيوتهم. ما جرى هناك كان عمليّة كوماندوس، خُطف فيها الرئيس. أمّا هنا، فقد مُسحت الأرض بنا. تهجّرنا، تشحّرنا، رُحِّلنا، وسقط عشرات الآلاف بين شهيد وجريح. فُجّرت بنا أجهزة اتّصالنا في واحدة من أكبر الفضائح الاستخباريّة في التاريخ الحديث. استُشهد قادة الصفّ الأوّل، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث، ثمّ الرابع، وكأنّ الهرم بكامله كان مكشوفاً. قُتل المدنيّون في بيوتهم، لا لأنّهم مقاتلون، بل لأنّ عمالةً ما قرّرت أن تضع الراجمات قرب منازل الناس. واليوم، يكفي أن ترتفع مسيَّرة في السماء لتغتال من تريد، ولو كان تحت سابع أرض.
فنزويلّا لم يُهدَم فيها بيتٌ واحد. لم تدمَّر قرية واحدة. ولا تعيش تحت رحمة القتل اليوميّ. هذه المقارنة أصلاً، في جوهرها، ليست فقط مضلِّلة، بل مهينة للعقل وللضحايا.
اعترف “الحزب” بسقوط مئات من عناصره منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني. وهو ما يعني أنّه عاجز عن حماية عناصره
أين “النّاس” من هذه المقارنة؟
من يقولون إنّ جنوب لبنان “صمد” 66 يوماً، ماذا يعرفون عن الجنوب؟
فماذا بقي من الجنوب أصلاً. شبابه يُعدَمون يوميّاً. قراه أُبيدت. عائلاته تهجّرت. المهجّرون مفلسون ومتروكون. فأيّ صمود هذا؟
إلّا إذا كان الصمود والانتصار هما في استمرار “الإمرة الإيرانيّة” على “الحزب”. واستعادة “القيادة والسيطرة” العسكريّة.
أصلاً هذه المنظومة لا تعير بالاً للناس لا في شعاراتها ولا في سلوكيّاتها.
الحروب التي خاضتها هذه المنظومة لا وجود للناس فيها. المشكلة أعمق من معركة، وأبعد من الأرقام. هي ثقافة كاملة لا ترى الناس أولويّة. في تربية سياسيّة لا تبدأ بالإنسان ولا تنتهي عنده. في قاموسٍ مليء بالشعارات الكبرى، وفارغ من كلمة واحدة بسيطة: الناس.
لنأخذ جولة على شعارات “الحروب” التي خاضتها هذه المنظومة:
- لن تُسبى زينب مرّتين.
- تحرير القدس.
- احتلال الجليل.
- دعم الأسد.
- حماية خطّ الإمداد.
- نصرة الوليّ الفقيه.
- تحرير مكّة.
- نصرة اليمن.
- حماية المراقد.
تعيش هذه المنظومة في عالمٍ موازٍ غير موجود. حيث الجغرافيا رمزيّة. معارك مستمرّة. انتصارات مؤجّلة. خرائط مُتخيَّلة
لكن أين الناس؟ أين أمنهم، وبيوتهم، وأطفالهم، ومستقبلهم؟ أين التربية؟ أين التعليم؟ أين بناء الدولة؟ أين الاقتصاد؟ أين الحرّيّات؟ أين المستقبل؟ أين فرص العمل؟ أين حياة الناس؟ أليسوا “دروعاً بشريّة” فقط؟ هل مهمّتهم “حماية السلاح” الذي تبيّن أنّه مزروع بين بيوتهم؟
حتّى شعار “نحمي ونبني” الانتخابيّ (وهو شعار انتخابيّ فقط)، سقط بعده وهمُ الحماية، وجاء الدمار بدل الإعمار.
تعيش هذه المنظومة في عالمٍ موازٍ غير موجود. حيث الجغرافيا رمزيّة. معارك مستمرّة. انتصارات مؤجّلة. خرائط مُتخيَّلة. “قد يكون الغيب حلواً… إنّما الحاضر أحلى”. أو هكذا يفترض، كما أوصتنا أمّ كلثوم.
لكن في الحاضر، لم نصمد 66 يوماً.
إقرأ أيضاً: الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع
لمتابعة الكاتب على X:
