أربع سنوات عراقية أخرى من معجزة الفساد

مدة القراءة 5 د

حين أعلن الحاكم المدني الأميركي عام 2003 عن قيام دولة العراق الجديد من خلال تشكيل مجلس الحاكم على أساس المحاصصة الطائفية كان ذلك إيذانا بولادة عراق لا علاقة له بالكيان السياسي الذي أقامته سلطة الاحتلال البريطاني في عشرينات القرن العشرين على أساس وطني شامل. وعلى الرغم من أن ذلك العراق كان قد مر بتحولات قاهرة بسبب الانقلابات الدموية وصراع الأحزاب على السلطة غير أنه لم يفارق ثوابته القومية والوطنية.

 

 

ًذبح العراقيون بعضهم البعض الآخر ولم يخدشوا حياء وطنيتهم. ومع ذلك ظلت المؤسسة العسكرية محافظة على تقاليدها الرصينة والمتزمتة فكانت خدمة العلم عنواناً للرجولة وكان الهروب منها عارا من وجهة نظر اجتماعية. ومن ذلك أيضاً النزاهة التي تمتع بها مَن وضعت في تصرفهم مهمة إدارة المال العام فلم يشهد العراق عبر أكثر من تسعين سنة إلا فيما ندر فضائح فساد مالي. على المستوى الواقعي المباشر لم يكن المواطن العراقي مضطرا لدفع رشوة لكي ينجز معاملاته. سيُقال لأن العقاب كان قاسياً وذلك صحيح ولكن الصحيح أيضاً أن العراق كان يحكم بقوة القانون وهو ما تفاعل معه الشعب وأدرك أهميته واحترمه في انسجام مع قيم ومبادئ متوارثة. حين انتهى ذلك العراق انتهت معه المؤسسة العسكرية بكل ما تمثله من شرف خدمة العلم حيث تم إلغاء الخدمة الإلزامية وسقطت نزاهة المؤسسة المدنية في هاوية الفساد التي لا قعر لها. اليوم يفوق تعداد منتسبي القوات المسلحة العراقية على المليون ولا يزال العراق دولة ضعيفة، غير مؤهلة للدفاع عن حدودها مما يتطلب الحاجة إلى وجود قواعد أجنبية وفي المقابل فإن إيرادات العراق الضخمة من بيع النفط لم تنقذ شعبه من الفقر ولم تقف بينه وبين مد اليد للتسول والبحث عمَن يدينه في ظل غياب لافت لبرامج التنمية والتخطيط لسنوات مقبلة لا توحي بأي أمل في التقليل من حجم الفساد الذي أثقل الدولة بديون تبلغ أكثر من 120 مليار دولار.

إمبراطوريات المال في فضاء عالمي

ما يجري في العراق لا يعبر عن سوء إدارة للثروات. كان من الممكن أن يكون الأمر كذلك لو أن الحكومات العراقية المتتالية منذ الاحتلال كانت حرة الإرادة في تطبيق برامج اقتصادية وطنية شابتها الأخطاء غير أن ذلك ليس صحيحا في ظل أجندة استعمارية جديدة كان الغرض منها خلق تاريخ جديد للعراق، لن يكون فيه أي أثر للتعليم ويتم تعطيل قطاعي الزراعة والصناعة وتعجز دولته عن المطالبة بحقوقه المائية الأمر الذي قد يؤدي بها إلى مبادلة الماء بالنفط في وقت قريب. دولة فاشلة أسقطت من حساباتها التصدي لمهمة إصلاح البنية التحتية المنهارة ومعالجة مشكلات الكهرباء والماء الصالح للشرب وقنوات الصرف الصحي.

ذبح العراقيون بعضهم البعض الآخر ولم يخدشوا حياء وطنيتهم. ومع ذلك ظلت المؤسسة العسكرية محافظة على تقاليدها الرصينة والمتزمتة فكانت خدمة العلم عنواناً للرجولة وكان الهروب منها عارا من وجهة نظر اجتماعية

لم تقع كل تلك الظواهر التي تنذر بمستقبل قاتم قد يشهد اضطرابات خطيرة أقل ما يُقال في وصف نتائجها أنها قد تؤدي إلى صدامات طبقية دموية بالصدفة أو نتيجة لعدم خبرة الطبقة السياسية في الشؤون الاقتصادية بل هي نتيجة حتمية لأكثر من عشرين سنة من عمليات السرقة الممنهجة لثروات العراقيين الذين صاروا يرون بأعينهم المجردة مظاهر الفساد على شكل امبراطوريات مالية تجاوزت حدود العراق لتصل إلى الدول المجاورة وأوروبا وحتى كندا واستراليا. وقد لا يبدو غريبا والحالة هذه أن الحكومة صارت لا تُخفي إمكانية عجزها عن تسديد رواتب موظيفها كاملة. وهو ما عبرت عنه وزيرة المالية من خلال مشروعها القاضي بدفع الرواتب كل 45 يوما.

لا تخطيط ولا تنمية والفساد يتجدد

في الوقت الذي يفاخر فيه رئيس الوزراء المنتهية ولايته بأن حكومته كانت حكومة انجازات وهو يقصد تشييد عدد من الجسور التي يُقال إنها ساهمت بالتخفيف من الاختناقات المرورية فإن عهده شهد زيادة غير محسوبة في عدد العاطلين عن العمل. وقد يكون صادما أن نعرف أن العراق يضيف كل سنة خمسة آلاف طبيب وعشرة آلاف صيدلي إلى صفوف أولئك العاطلين وهو ما يلزمنا بتخيل عدد الخريجين من الكليات الأخرى/ الإنسانية والعلمية الذين انضموا وسينضمون إلى نادي البطالة في ظل الغياب الكلي لعمليتي التخطيط والتنمية. ومن المؤكد أن هؤلاء بحكم سنهم لم يتعرفوا على حقيقة أن العراق، يوم كان يملك دولة حقيقية قد نجح في خلق معادلة متوازنة طرفاهما التعليم والحاجة العملية وهو ما كان يُسمى بخطط التنمية، بحيث كان الخريج يذهب إلى العمل ما أن يُنهي دراسته. في أسوأ أحواله، يوم كان الحصار الدولي قد سد أمامه كل المنافذ لم يتخل العراق عن أبنائه المتعلمين ليبحثوا عن لقمة عيشهم في عمليات تسويق البضائع الكمالية ومواد التجميل وتوزيع الأطعمة “ديلفري” وبيع الملابس المستعملة وصولا إلى البحث في المزابل عن الأشياء التي يمكن إعادة بيعها.

إقرأ أيضاً: هدنة صقور الشّيعة في العراق؟

حلم العراقيون في السنوات السابقة بأن يقلل الفساد من إضراره ولسان حالهم يقول “سيشبعون يوما ما”. ولكن تلك القناعة ــ الأمنية أثبتت خطأها. فالأحزاب المهيمنة على السلطة على الرغم من أنها لم تتخل عن أصنامها المقدسة التي هي واجهتها منذ عام 2003 صارت تدفع إلى العملية السياسية بوجبات من الوجوه الجديدة التي لا يملك أصحابها إلا مشروعا واحدا هو الإثراء السريع غير المشروع تمثلا لقدوتها في العمل الحزبي. وهو ما يمكن أن يشكل خطا تصاعديا لمستوى الفساد الذي سيؤدي بالضرورة إلى إتساع مضطرد في مساحة الحرمان التي ستشمل حشودا جديدة من العاطلين عن العمل الذين سيجدون أنفسهم ذات يوم مضطرين للخروج مرة أخرى للتظاهر مطالبين برحيل النظام السياسي الذي صارت الولايات المتحدة لا تخفي رغبتها في رفع يد الحماية عنه.

مواضيع ذات صلة

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجديّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…

رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

“نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ، الوسيط مع أميركا،…

إيران لا تسقط من فوق

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ…

الانتفاضة الإيرانيّة تطعن قلب الشّرعيّة الثّوريّة

تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة…