تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة التي قام عليها النظام منذ عام 1979. فهل تؤدّي هذه الانتفاضة إلى سقوط النظام أم هي حلقة إضافيّة ضمن حلقات التصدّع؟
في مقال عن الانتفاضة الإيرانيّة الحاليّة، كتبت الباحثة الاجتماعيّة أزادة كيان (لوموند، 6 كانون الثاني 2026) أنّ ما يميّز الأحداث الراهنة عن الحركات الاحتجاجيّة التي عرفتها البلاد في السنوات الستّ عشرة الأخيرة هو التحاق البازار بها، وهو قلب النظام الاقتصاديّ الإيرانيّ، وقد عُرف بميوله المحافظة وتأييده للنظام.
بيّنت الباحثة الإيرانيّة أنّه في ما وراء انكسار القاعدة الاقتصاديّة للدولة (انهيار العملة الوطنيّة، ارتفاع نسبة التضخّم، انهيار الطبقات الشعبيّة الدنيا والطبقة المتوسّطة الصغيرة، والانقطاعات المتكرّرة للماء والكهرباء)، نلمس قيام إجماع وطنيّ شامل يستهدف الأسس الشرعيّة للنظام الثوريّ الذي قام منذ عام 1979.
تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة التي قام عليها النظام منذ عام 1979
النّظام يستشعر الخطر
بالمقارنة مع انتفاضة 2022 التي قادتها النساء الإيرانيّات وحملت شعار “المرأة والحياة والحريّة”، تلاحظ الباحثة أنّ الحركيّة الراهنة ليست محصورة في قطاع اجتماعيّ بعينه أو تيار أيديولوجيّ معيّن، بل تعكس عمق التناقضات الجوهريّة في صلب المجتمع الذي أصبح واعياً أنّ الإصلاحات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المنشودة لن تتحقّق إلّا بتغيير جذريّ في نمط الحكم السياسيّ.
من الواضح أنّ السلطات العليا في البلاد غدت تستشعر خطر الأحداث المتفجّرة راهناً على تركيبة وشرعيّة النظام السياسيّ، حتّى لو حاولت ربط النقمة الشعبيّة العارمة بالتدخّلات الخارجيّة الأميركيّة والإسرائيليّة.
في الحركات السابقة، كان خطّ التصدّع السياسيّ متمحوراً حول ديناميكيّتين متمايزتَين: ديناميكيّة الصراع بين الاتّجاهين المحافظ والإصلاحيّ الذي كثيراً ما يطفو على السطح خلال الفترات الانتخابيّة، وحركيّة المجتمع المدنيّ المتمحورة حول التيّارات النسويّة والحقوقيّة التي تعبّر عن المطالب الحداثيّة للفئات الجديدة الصاعدة.
على الخطّ الأوّل، نجحت المؤسّسة الدينيّة الحاكمة غالباً في احتواء الصراع المحافظ – الإصلاحيّ من خلال تقسيم مرن للسلطات والمسؤوليّات بين القيادات المتنافسة، وعلى الخطّ الثاني لم تنجح الحركيّة المدنيّة سابقاً في تهديد شرعيّة النظام الذي أدار لمصلحته هذا التحدّي في صيغة الاستقطاب الأيديولوجيّ الإسلاميّ – العلمانيّ.
إذاً تشكّل الانتفاضة الحاليّة تحوُّلاً نوعيّاً في مسار الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، باعتبارها تعكس أوّل استهداف للأيديولوجية الثوريّة الحاكمة. لا يعني الأمر بالضرورة الخروج من الدين اعتقاداً وممارسة، بل تشكُّل ما أطلق عليه عالم الاجتماع الإيراني – الفرنسي فرهاد خوسروخافار انبثاق “ذاتيّة سياسيّة جديدة” تتغيّر فيها أنماط الوعي والعلاقة بالسلطة والمعايير الاجتماعيّة. بعد “الذات الإسلامويّة الثوريّة” القائمة على رمزيّة الشهادة والانضباط والتضحية، نلمس قيام “ذات مدنيّة مستقلّة” تحتفي بالحياة والفرديّة الحرّة والحضور الفاعل في الحقل العموميّ.
تدلّ كلّ المؤشّرات على أنّ الوضع هذه المرّة مختلف عن الانتفاضات الثلاث السابقة التي فشلت في إحداث التغييرات المنشودة، وإن قوّضت تدريجاً مرتكزات الشرعيّة في النظام الإيرانيّ القائم
انتقال الفوضى إلى الدّاخل
في الانتفاضة الأخيرة، سمعنا لأوّل مرّة في الشارع صرخات ضدّ “الاستبداد” و”الدكتاتوريّة” و”الفساد”، بما يعني أنّ صورة النظام انهارت كليّاً في المتخيّل الجمعيّ بانفصام القوّة والعنف عن الشرعيّة، حتّى داخل الحقل الدينيّ نفسه الذي غزته الأصوات الاحتجاجيّة المعارضة.
من المعروف أنّ “أيديولوجية ولاية الفقيه” التي هي مرتكز النظام الإيرانيّ لم تكن موضع إجماع داخل المؤسّسة الدينيّة، بل شكّلت تأويلاً شاذّاً لنظريّة الحكم في التقليد الشيعيّ. وما حدث راهناً هو تخلّي قطاع واسع من الفقهاء ورجال الدين عن هذه المقولة التي نقلت سلطة الفقيه من الوظائف القضائيّة والشرعيّة إلى المجال السياسيّ. فولاية الفقيه، حسب التحديدات الأصليّة في المذهب الشيعيّ المؤسَّس على عقيدة الإمامة الغائبة، لا علاقة لها بالدولة، بل هي محدودة ووظيفيّة، ولم يسبق الخميني القول إنّ الإمام يتمتّع بكلّ سلطات النبيّ والأئمّة من حيث الصلاحيّات السياسيّة.
لقد عالج هذا الموضوع الفقيه الإصلاحيّ المعروف محسن كديور في كتابه “نظريّات الحكومة في الفقه الشيعيّ”، مبيّناً أنّ أيديولوجية ولاية الفقيه تتعارض مع الأطروحات الأساسيّة في الفقه الشيعيّ الذي يتأرجح بين الولاية التعيينيّة المحدودة، والحكومة المشروطة بإذن الفقهاء، والحكومة المدنيّة المنتخبة. وهكذا نلاحظ أنّه تبلور اتّجاه إصلاحيّ واسع من داخل المؤسّسة الدينيّة يدعو إلى نبذ مؤسّسة ولاية الفقيه واستبدالها بما سمّاه البعض “الحكومة الإسلاميّة الديمقراطيّة” أو “الليبراليّة الشرعيّة”، بل إنّ البعض اعتبر أنّ عقيدة الغيبة تقتضي تعليق كلّ معنى للحكم الدينيّ والاكتفاء بالتنظيم السياسيّ المصلحيّ على غرار أنظمة الحكم الحديثة في العالم (العلمانيّة الدينيّة لدى الفيلسوف عبدالكريم سروش، أو الدولة المدنيّة الأخلاقيّة لدى مصطفى ملكيان).
على عكس الدعاية الرسميّة للنظام الإيرانيّ، لا تعبّر الانتفاضة الحاليّة عن نشاط أو تأثير الجماعات المتغرّبة العميلة لإسرائيل والولايات المتّحدة، بل إنّها انعكاس لتحوّلات داخليّة في التجربة الإيرانيّة المعاصرة في أبعادها الاجتماعيّة والأيديولوجيّة. من هذه التحوّلات ما يتعلّق بالاختيارات السياسيّة والمجتمعيّة التي تولّدت عن نمط “الثورة الإسلاميّة” في شرعيّتها الدينيّة – الانتخابيّة المزدوجة التي لم تعد قادرة على ضبط ديناميكيّة التعدّديّة السياسيّة القائمة نتيجة هيمنة المؤسّسات الأمنيّة والتنظيميّة التابعة للمرشد على الحياة البرلمانيّة والسلطة الجمهوريّة. وانتهى شعار “جهاد البناء” الذي كان خلفيّة النظام الاقتصاديّ الدولاتيّ الموجَّه، إلى ضرب من الفساد المتجذّر الذي قضى تدريجاً على حيويّة البورجوازيّة التجاريّة النشطة، دون أيّ مكاسب لمن يسمّيهم الخطاب الإعلاميّ المسيطر “المحرومين والمستضعَفين”.
ذهب كثير من التحليلات إلى أنّ الحركيّة الراهنة ستنتهي إلى الإخفاق، كما حدث للانتفاضات السابقة، نتيجة غياب قيادة فاعلة ومشروع سياسيّ واضح ومتناسق. بيد أنّ المفكّر الإيرانيّ حميد دباشي، الأستاذ في جامعة كولومبيا في الولايات المتّحدة، يعتبر أنّ ضعف الغطاء السياسيّ للحركيّة الراهنة يُحسب لها، وهو من عناصر قوّتها المؤثّرة. فلقد أبدع الشارع الإيرانيّ آليّات احتجاجيّة خاصّة وبلور خطاباً مميّزاً له، يخرج عن منطق الدولة والأيديولوجية ويأبى الصياغات الطلائعيّة المقدّسة. وما أظهره النظام من بطش وقوّة، خصوصاً بعد قطع خدمة الإنترنت، ليس دليل قوّة، بل هو مظهر للضعف ودليل على أنّه لم يعد يحكم إلّا بالخوف والقمع المباشر.
إذاً تدلّ كلّ المؤشّرات على أنّ الوضع هذه المرّة مختلف عن الانتفاضات الثلاث السابقة التي فشلت في إحداث التغييرات المنشودة، وإن قوّضت تدريجاً مرتكزات الشرعيّة في النظام الإيرانيّ القائم.
إقرأ أيضاً: من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” وإيران… أم إسرائيل؟
في مقال بعنوان “لماذا الأمر مختلف هذه المرّة في إيران؟” يذهب الكاتب والباحث وليّ نصر إلى أنّه حتّى لو نجحت إيران في تفادي صدام عسكريّ مباشر مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، وقضت على الموجة الاحتجاجيّة الحاليّة، فإنّ الانهيار الاقتصاديّ سيتفاقم في المدى المنظور، وينتج عنه بالضرورة تزايد الاحتقان الشعبيّ. يظلّ النظام الإيرانيّ معلّقاً بين الخطر الخارجيّ والأزمة الداخليّة، ولا حلّ في الأفق لهذا المأزق. قد لا يكون الانهيار الكلّيّ للجمهوريّة الإسلاميّة وشيكاً، لكنّ “الثورة الإيرانيّة دخلت منذ الآن في نفق النهاية”.
لا يزال وليّ نصر مصرّاً على ضرورة احتواء النظام الإيرانيّ وتغييره من الداخل، لأسباب جيوسياسيّة ترتبط بالمصالح الأميركيّة، لكنّ الاعتقاد السائد أنّ المشروع الإيرانيّ، الذي كان هو السبب الرئيس للفوضى السياسيّة الكبرى التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط في العقدين الأخيرين، سيؤدّي في نهاية المطاف إلى تأجيج الفتنة والفوضى في داخل إيران نفسها.
