رسائل عراقجي من بيروت: تفادي الحرب بالتّحضير لها

مدة القراءة 6 د

“نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ، الوسيط مع أميركا، بدر البوسعيدي. أيّ الموقفين يُؤخذ بجديّة، استعداد طهران المأزومة أكثر من أيّ وقت منذ 1979 لتسوية مع إدارة دونالد ترامب، أم قول عراقجي إنّ بلاده مستعدّة لاحتمال المواجهة العسكريّة مع أميركا وإسرائيل على الرغم من أنّها لا ترغب في الحرب؟

 

 

لم تُسعف ظروف لبنان الوزير عراقجي كثيراً خلال زيارته في 7 كانون الثاني، إذا كانت وظيفة الزيارة تأكيد امتلاك طهران ورقة “الحزب” وسلاحه، سواء للتفاوض أم لإمكان إقحام “الحزب” بمغامرة عسكريّة تخفّف ضغط أيّ عمليّة إسرائيليّة مفترضة.

سنة من انحسار النّفوذ في لبنان

تمّت الزيارة قبل يومين من الذكرى السنويّة الأولى للتغيير الذي طرأ مع انتخاب الرئيس جوزف عون رئيساً. وهو تغيير كبير في علاقة الحكم اللبنانيّ مع طهران ودورها فيه. كرّر الرئيس عون التوجّه إلى “الحزب”، ولو لم يسمِّه، بالقول: “آن الأوان لأن تتعقلنوا… لبنان تعب من سياسة المحاور… القرار يجب أن يكون بلبنان. لا أحد سيقاتل عنّا”.

نحن جاهزون للتفاوض”، قالها وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي قبل انتهاء زيارته لبيروت وعودته بعد ساعات إلى طهران حيث يستقبل نظيره العُمانيّ

على الرغم من المكابرة الإيرانيّة المعهودة، التي تنسحب على سلوك “الحزب”، تسنّى لعراقجي أن يلمس بأنّ سنةً من تبوّؤ العماد عون الرئاسة وقرارات حكومة نوّاف سلام حملت تراجعاً جوهريّاً في نفوذ المنظومة الحاكمة في طهران على مؤسّسة الرئاسة والسلطة التنفيذيّة اللبنانيّتين. كانت ذروة الإمساك بالقرار خلال عهد الرئيس ميشال عون، ثمّ بتعطيل انتخاب رئيس جديد لمدّة سنتين ونيّف. وهو تغيير لا ينحصر سببه بالهزيمة العسكريّة التي مُني بها المشروع الإيرانيّ الإقليميّ على يد أميركا وإسرائيل، بل يعود إلى استعصاء الجسم اللبنانيّ على الهيمنة الإيرانيّة. فهم عراقجي ذلك حين أعاد فريقه إلى الطائرة أربع حقائب رفض أن يفتّشها أمن المطار لأنّها تحمل، على الأرجح، كميّة من الأموال النقديّة لـ”الحزب”.

لتفادي الحرب علينا الاستعداد لها

بين زيارته السابقة مطلع حزيران الماضي، وقّع عراقجي كتابه الصادر عن دار هاشم بعنوان “قوّة التفاوض”، وزيارته الخميس الماضي لتوقيع الطبعة الثانية، أضاف عراقجي فصلاً جديداً إلى الكتاب. تناولت الإضافة حرب الاثني عشر يوماً التي شنّتها إسرائيل ضدّ منشآت إيران الصاروخيّة وقادتها العسكريّين وعلمائها النوويّين، وأنهاها دونالد ترامب بضرب ثلاث منشآت نوويّة رئيسة. قد يأتي عراقجي في زيارة ثالثة لإضافة فصل جديد يتعلّق هذه المرّة بتأثير الاحتجاجات الشعبيّة التي تشهدها بلاده منذ 3 كانون الثاني على الحكم الإيرانيّ، وهي الأخطر على المنظومة الحاكمة في طهران في سلسلة التحرّكات منذ انتفاضة الطلّاب عام 1998.

في الندوة التي نظّمتها جريدة “الأخبار” ودار النشر بالتعاون مع سفارة إيران، ردّ عراقجي على سؤال عن دروس الحرب بمزجه المكابرة بالواقعيّة. قال: “تعرّفنا على نقاط ضعفنا ونقاط ضعف العدوّ، وأصبحت جهوزيّتنا للحرب أكبر بكثير. تفادياً للحرب، علينا الاستعداد لها. جاهزون للتفاوض الذي يأتي حين لا يكون بالإملاء. أحياناً يجب أن تقاوم حتّى تدخل المفاوضات بقوّة أكبر. اتّبعنا سياسة حسن الجوار مع دول المنطقة التي باتت تتفهّم أكثر التهديدات الإسرائيليّة. نريد فتح صفحة جديدة مع لبنان، وعلاقاتٍ مع البلد بكامله، اقتصاديّة وثقافيّة”. لم تفُته الإشارة إلى احتمال الحرب على لبنان في سياق نفيه شائعة اصطحابه عائلته بقوله: “إذا أراد المرء أن يهرّب عائلته فهل يأتي بها إلى لبنان حيث احتمال الحرب؟”.

قال إنّ طموحه رفع التبادل التجاريّ من 110 ملايين إلى مليار دولار، لكنّه لم يوضح كيف سيتمّ ذلك في ظلّ العقوبات الغربيّة على التعامل مع بلاده، وفي إطار نهج ترامب القائم على “الضغط الأقصى”.

شمال اللّيطاني مرتبط بالمفاوضات؟

اختار عراقجي لغة دبلوماسيّة هادئة في دعمه رفض “الحزب” استكمال سحب سلاحه وفق خطّة لشمال الليطاني، لإدراكه عمق التغيير في لبنان. وفوجئ باللهجة الهادئة والدبلوماسيّة التي حدّثه بها أكثر المسؤولين تشدّداً إزاء “الحزب”، “صديقه” وزير الخارجيّة يوسف رجّي، الذي أشار إلى أهميّة إيران وفاعليّتها. أكّد الوزير اللبنانيّ له أنّه مع تفهّم حرصه على سيادة لبنان، “كنّا نتمنّى أن تدعموا الدولة ومؤسّساتها لا فريقاً”.

شبّه البعض مهمّة عراقجي قبيل بدء المرحلة الثانية من سحب سلاح “الحزب” بزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني في آب الماضي عقب قرار الحكومة مباشرة تنفيذ حصريّة السلاح

دعاه رجّي إلى أن تبذل بلاده جهداً مع “الحزب” لتليين موقفه من حصر السلاح بيد الدولة، لأنّ إسرائيل “تشكّل خطراً عليكم وعلى لبنان والطائفة الشيعيّة وسائر الطوائف، والسلاح لم يحمِ البلد. وعلينا تفادي كارثة”. ردّ الوزير الإيرانيّ بأنّه لا يتدخّل، و”القرار لكم، لكنّ “الحزب” يقول إنّه نفّذ اتّفاق وقف النار ووقف خلف الدولة التي مسؤوليّتها مواجهة العدوان، وإنّه تجاوب مع قرار الحكومة، لكنّ إسرائيل تخالف الاتّفاق”. نصح بمعالجة السلاح بحوار بين المكوّنات اللبنانيّة بما فيها “الحزب”.

شبّه البعض مهمّة عراقجي قبيل بدء المرحلة الثانية من سحب سلاح “الحزب” بزيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني في آب الماضي عقب قرار الحكومة مباشرة تنفيذ حصريّة السلاح. حينها تجاوب “الحزب” جنوب الليطاني. فهل يتوقّف التجاوب في الشمال على فتح خطوط التفاوض الأميركيّ–الإيرانيّ عبر عُمان؟

 إقرأ أيضاً: عراقجي “يحاصر” حصر السّلاح

تطمين قيادات الشّيعة

من حصيلة زيارة عراقجي يمكن استنتاج الآتي:

  • طمأنة قيادة “الحزب” وسائر القيادات الشيعيّة والمجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى ورئيس البرلمان نبيه برّي إلى أنّ تحرّكات الشارع الإيرانيّ قابلة للاحتواء والسيطرة عليها. كان من الطبيعي أن تستفسر تلك القيادات، وغيرها، فشدّد على أن لا خطر على النظام. جاء التطمين على خلفيّة إعلان قيادة الجيش الإيرانيّ بأنّه سيتصدّى لمن وصفتهم القيادة السياسيّة الإيرانيّة بـ”مثيري الشغب”، أي أنّ “حرس الثورة” ووحدات “الباسيج” لن تكون وحدها في التصدّي للاحتجاجات، بعدما تجنّبت السلطات إنزال “الحرس” لقمعها لأنّه يستفزّ الناقمين، فسياساته من أسباب تردّي الأوضاع الاقتصاديّة الاجتماعيّة.
  • لطالما استخدمت طهران “بيروت الجميلة” (كما وصفها) منبراً لإطلاق الرسائل إلى أطراف دوليّة وإقليميّة. فأيّها يقصد عراقجي، الإيجابيّة أم المتشدّدة؟ بدا كأنّه يواجه، من المنبر البيروتيّ، مبادرة إيلون ماسك لتمكين المحتجّين من إيصال صوتهم ومشاهد تحرّكاتهم والقمع الذي يعانونه باستخدام القمر الصناعيّ “ستارلينك” بعد قطع السلطات الإنترنت. واللافت تكرار عراقجي روايته لاتّصالين هاتفيَّين مباشرَين من ستيف ويتكوف خلال الحرب لوقف النار. فهل يمهّد بذلك للتفاوض المباشر؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

الزيارة الإيرانيّة والزيارات الإسرائيليّة “الجديّة”

لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في…

إيران لا تسقط من فوق

مع أنّه لا صلةَ مباشرة بين الحدثين، تقارب زمنيّاً اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو مع تصاعد واتّساع الاحتجاجات الشعبيّة في إيران. لم يستفِق الرئيس الأميركيّ…

الانتفاضة الإيرانيّة تطعن قلب الشّرعيّة الثّوريّة

تعود إيران إلى واجهة الاهتمام مع انتفاضة تبدو مختلفة في عمقها ودلالاتها عمّا سبقها، ليس فقط باتّساع رقعتها الاجتماعيّة، بل باستهدافها المباشر لمرتكزات الشرعيّة الثوريّة…

أربع سنوات عراقية أخرى من معجزة الفساد

حين أعلن الحاكم المدني الأميركي عام 2003 عن قيام دولة العراق الجديد من خلال تشكيل مجلس الحاكم على أساس المحاصصة الطائفية كان ذلك إيذانا بولادة…