لم تصحّ التوقّعات التي راهنت على منح لبنان فرصة لالتقاط أنفاسه، على الرغم من الإيجابيّة النسبيّة التي عكستها التصريحات الأميركيّة والإسرائيليّة بشأن تحرّكات الجيش في الجنوب. إذ سرعان ما تكثّفت الغارات الإسرائيليّة على المنطقة، في مشهد يناقض تلك المؤشّرات. وتزامن هذا التصعيد مع حدثين لافتين: زيارة وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي للبنان، واتّساع رقعة التظاهرات في إيران للأسبوع الثالث على التوالي، في حركة احتجاجيّة شاملة شارك فيها البازار.
ما يزال المحور الإيرانيّ يتآكل حتّى وصل تآكله إلى الداخل، ولذلك تتشدّد إيران في العراق (ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة) وفي لبنان لجهة حثّ “الحزب” على الصمود والتصدّي، إنّما كيف وسط الغارات الإسرائيليّة الكثيفة؟!
أهداف زيارة عراقجي
تكثّفت الغارات الإسرائيليّة على جنوب لبنان بحيث وصلت إلى حالة الحرب غير المعلنة. ويتناقض ذلك مع الطمأنة الغامضة الآتية من أميركا وفرنسا. وتأتي الطمأنينة النسبيّة من التقدير الإسرائيليّ أنّه لا ينبغي تكثيف الغارات انتظاراً لما يحدث في إيران. حتّى إنّ بعض الصحف الإسرائيليّة ذكرت نصيحةً من إسرائيل لترامب بعدم الإكثار من التهديدات بحجّة دعم المتظاهرين، لأنّ ذلك يسيء إليهم ويشجّع السلطات الإيرانيّة التي بدأت تتّهمهم بأنّهم عملاء لإسرائيل وأميركا.
لكنّ عشرات الغارات على الجنوب يوم الأحد في 11/1/2026 تناقضُ كلّ التطمينات وتجعل من تصاعد الحرب على لبنان أكثر احتمالاً. والطريف أنّ نتنياهو كان قد قال إنّ نشاطات الجيش في الجنوب مشجّعة أو جيّدة، لكنّها ليست كافية. وكيف ستكون كافية مع عدم التمكين بتكثيف الغارات في كلّ مكان؟!
أهمّ نقاط الضعف الإيرانيّ هي التظاهرات الداخليّة، ولذلك ستتّجه السلطات إلى المزيد من القمع في الداخل لحفظ النظام، وإلى التشدّد مع الخارج والجوار حتّى لا تفقد آخر أنصارها
هل للغارات الإسرائيليّة العنيفة علاقة بالزيارة (التجاريّة) الإيرانيّة للبنان، التي قام بها وزير الخارجيّة الإيرانيّ الأسبوع الماضي؟ الأهداف المعلنة للزيارة غير منطقيّة وغير مقنعة. فقد كان يمكن التضامن عن بُعد، وبخاصّة أنّ التجارة غير ممكنة اليوم وغداً. فإلى ماذا كانت تهدف الزيارة؟
هل كانت الغاية فحص احتياجات “الحزب” وسبل تلبيتها أم التحضير لضرورة الردّ على إسرائيل في حال هاجمت إيران أم التشاور مع “الحزب” والرئيس نبيه برّي في كيفيّة التعاطي مع الحكومة اللبنانيّة التي أجّلت، بالتنسيق مع الجيش، تنفيذ خطّة الانتقال إلى شمال الليطاني لحصر السلاح لمدّة شهر فقط، من دون أن يكون في وسعها الانتظار أكثر من ذلك أم كان الهدف استعراض الأوضاع الداخليّة في إيران وطمأنة “الحزب” إلى متانة السلطة الإيرانيّة وصلابتها؟
من المؤكّد أنّ المشاورات مع “الحزب” تناولت كلّ هذه المسائل، وبعضها لا شكّ مع برّي، في حين اقتصر الأمر مع السلطات اللبنانيّة على التضامن ومزاعم التعاون الاقتصاديّ.
التظاهرات في إيران هذه المرّة غير كلّ مرّة. فقد انتشرت في معظم المحافظات، وشارك فيها منذ البداية البازار على غير العادة، وهو مقفل الآن. وأكثر من كلّ مرّة تبدو السلطات متردّدة في كيفيّة المواجهة بسبب شمولها. خامنئي جازم في أنّ قادة المتظاهرين متعاونون مع أميركا وإسرائيل. لكنّ رئيس الجمهوريّة الإيرانيّة ينصح بعدم استخدام العنف مع المتظاهرين السلميّين. وهناك من يقول إنّ مطالب المتظاهرين عادلة، لكن لا يمكن تلبيتها دفعةً واحدة. وقد بدأت بسبب انهيار سعر العملة، وعزل محافظ البنك المركزيّ، ثمّ صارت المطالب شاملة، وارتفع الحديث عن الحرّية والعدالة ومكافحة الفساد. وهناك من تحدّث عن إسقاط خامنئي وتغيير نظام الجمهوريّة. والملاحظ أنّ النساء المشاركات معظمهنّ مكشوفات الشعر وبملابس عاديّة.
لا تترك زيارة عراقجي للبنان والعراق في ظلّ التظاهرات في إيران مجالاً للتخمين أنّ إيران تريد من أنصارها أن يُظهروا قوّتهم وتماسكهم
الفوضى الخلّاقة؟
تنصح صحيفة “نيويورك تايمز” بعدم الإسراف في تأكيد فرادة أو استثنائيّة التمرّد هذه المرّة. فصحيح أنّ النظام ما عاد قويّاً بعد الضربة المزدوجة الإسرائيليّة/الأميركيّة التي كسرت هيبته، لكنّه يمتلك وحده السلاح، وإذا اضطُرّ بسبب استمرار التظاهر الكبير والخوف على نفسه فسوف يستخدم السلاح من دون تردّد.
من جهةٍ أخرى، هناك حسابات متعدّدة وبدائل لدى الولايات المتّحدة. إذ ليس هناك بديل أو شبه بديل جاهز لخلافة نظام الوليّ الفقيه، ولا يجرؤ أحدٌ على تحمّل مسؤوليّة الفوضى التي ستمتدّ إلى الجوار، وبخاصّة الجوار العراقيّ. وأسوأُ المشاهد التمرّدات التي يمكن أن تحصل من جانب الأقليّات. وقد قال الأمنيّون إنّهم قبضوا على أكراد كانوا آتين من العراق (المنطقة الكرديّة) لدعم الانتفاض.
إلى أيّ سبيل تتّجه سياسات الطوارئ الإيرانيّة؟ قبل التظاهرات كان أنصار إيران في العراق يتشدّدون في التضامن والولاء، لكنّ مقتدى الصدر جرؤ على خلفيّة التظاهرات، في حين ما يزال تحالف الحشد الشعبي عاجزاً عن اختيار رئيس للحكومة والمالكي ليس متأكداً من قدرته على تشكيل الحكومةفي جانب تكليفه، والأكراد عن الاتّفاق على رئيس للجمهوريّة (!). وكان الإيرانيّون يطمحون من وراء تشبّث “الحزب” بسلاحه، وبخاصّة في البقاع، إلى استخدامه ضدّ النظام السوريّ الجديد. لكنّ السلطات السوريّة أخرجت المسلّحين الأكراد من ثلاثة أحياء في حلب، وتبدو قويّةً على الحدود مع لبنان، ولبنان يتّجه لعقد اتّفاق معها. وهكذا كلّ المنطقة تتفلّت من الأيدي الإيرانيّة، حتّى على الحدود مع باكستان وأفغانستان وأذربيجان من الناحية الأخرى.
إقرأ أيضاً: إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية
بالطبع أهمّ نقاط الضعف الإيرانيّ هي التظاهرات الداخليّة، ولذلك ستتّجه السلطات إلى المزيد من القمع في الداخل لحفظ النظام، وإلى التشدّد مع الخارج والجوار حتّى لا تفقد آخر أنصارها في المحور المتداعي.
لا تترك زيارة عراقجي للبنان والعراق في ظلّ التظاهرات في إيران مجالاً للتخمين أنّ إيران تريد من أنصارها أن يُظهروا قوّتهم وتماسكهم: فهل يستطيعون ذلك وإلى متى؟ قد لا ينهار النظام الإيرانيّ اليوم أو غداً، لكنّ الأنصار في الجوار ما عاد يمكنهم التأثير على التطوّرات الحربيّة، وبعد فترة قد لا يعود يمكنهم التأثير في الدواخل التي كانوا يسيطرون فيها.
من الصعب التنبّؤ هل تتكرّر الزيارات الإيرانيّة، وأمّا الغارات الإسرائيليّة فستعلو وتيرتها لإرهاق لبنان وإرهاق “الحزب”: فهل هي سياسات الفوضى الخلّاقة التي عُرف بها عهد بوش الابن؟
لمتابعة الكاتب على X:
