عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً جديداً رأسه سفيرها في الولايات المتّحدة يحيئيل ليتر. يعكس التبدّل في تركيبة الوفد الإسرائيليّ تحوُّلاً في المفهوم، ولا سيما في مقاربة التفاوض ومهاراته التقنيّة، بهدف تفعيل الوصول إلى صيغة اتّفاق جديدة تكون أقرب إلى “آليّة فضّ اشتباك مبتكرة” تواكب الظروف الراهنة، ومحاولة لاستئناف النقاش في اتّفاق أمنيّ يهدف إلى خفض التوتّر وإعادة تشبيك القواعد من جديد، بوساطة أميركيّة.
هل يمكن أن تُنتج هذه المفاوضات اتّفاقاً؟ هل تنجح في تهدئة الحدود السوريّة–الإسرائيليّة؟ هل تنقل هذه المباحثات المناخ من الاختلاف إلى الحوار والاستقرار؟
لا يمكن المرور على هذا النوع من الاجتماعات كحدث عابر. لم تأتِ صدفة، بل تُعدّ نتيجة مباشرة لمسار تراكميّ مستمرّ، وحصيلة أوّليّة لبنية اللقاءات الأميركيّة – الإسرائيليّة الأخيرة، ويجري السعي فيها إلى الوصول إلى عتبة اتّفاق بين إسرائيل وسوريا يقرّ في جوهره بتشكيل “نموذج آليّة خاصّة ومشترَكة”.
يُفترض بهذه الآليّة تسهيل التواصل بين الطرفين عبر غرفة تنسيق مشتركة دائمة، وعقد اجتماعات تبادليّة مباشرة و”ساخنة” بإدارة أميركيّة، مع بلورة رؤية الرئيس دونالد ترامب الرامية إلى تحقيق جهود السلام في الشرق الأوسط، وتمكين أسس بناء الاستقرار الإقليميّ، إضافة إلى تعزيز مناقشات فرص التعاون الحيويّة.
تركّز هذه الجهود بمجملها على تنظيم القضايا الأمنيّة والتقنيّة ضمن طبيعة سياسيّة ملائمة، مع توفير أرجحيّتين أساسيّتين:
– إطار مناسب للشراكة الاستخباريّة واللوجستيّة وتبادل المعلومات.
– تأسيس إجرائيّ لتقليل منسوب العسكرة البيئيّة من الطرفين.
تتلخّص وجهة النظر الإسرائيليّة في هذه المشاورات بضرورة دفع الحكومة السوريّة الجديدة إلى القبول بالمتغيّرات الواقعيّة الملموسة
تُعدّ باريس مسرحاً مريحاً لعقد مثل هذه المفاوضات، ويُنظر إليها كمدخل مقبول لهذه اللقاءات بوساطة أميركيّة بين سوريا وإسرائيل. تمنح المحادثات مشروعيّة أمميّة تحتاج إليها واشنطن ولو شكليّاً، عبر الغطاء الفرنسيّ–الأوروبيّ، وتوفّر هامشاً مختلفاً من المناورة من خلال وجود آليّتين للمراقبة والتنفيذ، أميركيّة وأوروبيّة، بما يخلق متنفّساً سياسيّاً وتكتيكيّاً. تحظى فرنسا بثقل في سوريا، وتتشارك مع دمشق وواشنطن في محاربة تنظيم “داعش”، وهو عامل تحتاج إليه الولايات المتّحدة على الرغم من كثرة الخلافات.
مفاوضات بوجهات مختلفة
تتلخّص وجهة النظر الإسرائيليّة في هذه المشاورات بضرورة دفع الحكومة السوريّة الجديدة إلى القبول بالمتغيّرات الواقعيّة الملموسة، بدءاً من التسليم بالوجود الإسرائيليّ في الجولان والجنوب السوريّ. تعمل إسرائيل على تكريس هذا الواقع عبر “جداريّات تطمينيّة” من المغريات والضمانات الشاملة، المرتكزة على المكتسبات الاقتصاديّة والشراكات التجاريّة المتبادلة، مع التركيز على عائدات الدعم الترامبيّ الكبير.
تتخلّل هذه السيناريوهات أسبقيّة التأسيس لمسار تنسيق أمنيّ كامل بين سوريا وإسرائيل ضمن “الكونسورتيوم” الدوليّ لمكافحة الإرهاب، بما يؤدّي عمليّاً إلى تحييد سوريا بشكل كامل ونهائيّ عن أيّ تصعيد مقبل، سواء مع إيران أو مع “الحزب” في لبنان، وهو ما يشير إلى اقتراب زمن العمل العسكريّ في طهران واستمراره في الساحة اللبنانيّة.
تشير مصادر مطّلعة جدّاً على فحوى المفاوضات إلى محاولات للاستفادة من الظروف بواقعيّة، من دون تحميلها أكثر ممّا تحتمل. ستُناط باللجنة المشتركة مهمّة الإشراف على معالجة القضايا المستقبليّة العالقة، من استعادة الأراضي السوريّة المحتلّة إلى إدارة النزاع الأمنيّ والعسكريّ. يرتكز هذا المسار على العودة إلى مناخ اتّفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، والاعتماد على خلاصته باعتبارها منطلقاً أمنيّاً مؤسِّساً لأيّ علاقة مستقبليّة. يتطلّب ذلك مباحثات دقيقة في الطبيعة الاستراتيجيّة لمسوّدات الأمن القوميّ الإسرائيليّ، التي تتقاطع مع محاولة تصفير مصادر التهديد وخفض منسوب العسكرة في الساحة السوريّة.
يمكن اعتبار انعقاد اللقاء سبباً كافياً لنجاحه لأنّه يعكس إيجابيّة الاستمرار في المفاوضات والنقاشات
خطوات تراكميّة
عليه، يُفترض أن تتدرّج العمليّة عبر خطوات تراكميّة منتجة تقود مستقبلاً إلى:
– ترتيب أمنيّ مشترك لحماية المناطق المتحاذية والعمق الحيويّ المتبادل.
– تشكيل فرق تنسيق مدمجة، لجان فنّيّة مشتركة، وخلايا تواصل ميدانيّة، وتبادل للمخطّطات.

– تحديث عمليّات إعادة التموضع والتراجعات المشروطة ضمن مراحل وكفالات مختلفة، مع ضرورة تبادل المعلومات الاستخباريّة.
لا يُحبّذ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينيّة المتطرّفة التوصّل، عبر هذه المفاوضات، إلى اتّفاق سياسيّ شامل مع سوريا، ويفضّلون التفاهمات الأمنيّة المرحليّة. ينسحب الأمر نفسه على الحكومة السوريّة الجديدة، التي ترى في الشراكة الأمنيّة المصلحيّة مدخلاً لاستقرار “سوريا الجديدة”، وإبعادها عن فوضى الاستهدافات المستقبليّة. في هذا السياق، تمارس الإدارة الترامبيّة ضغوطها على إسرائيل للقبول باتّفاق لوجستيّ مُطعّم سياسيّاً على المستوى التنفيذيّ، تحت عنوان آليّات أمنيّة نافعة سياسيّاً.
عليه، لا يتوقّف نجاح هذه الاستحقاقات على شروط التوافقات الجانبيّة فحسب، بل على مدى قدرة الولايات المتّحدة التكتيكيّة والاستراتيجيّة على الاستمرار في إدارة هذا المسار، ضمن معادلة حماية المصالح الإسرائيليّة، قطع الطرق أمام النفوذ الإيرانيّ، ومراعاة الأولويّات السوريّة المدعومة عربيّاً، ولا سيّما من السعوديّة.
نموذج أمني سياسي ناجح
تعمل الإدارة الأميركيّة مع الطرفين لتكريس اتّفاق أمنيّ، ولو جزئيّاً، يريده الرئيس ترامب قبل الانتخابات النصفيّة. يُفترض أن تتقدّم فيه حماية الأقليّات لتكون أولويّة غير قابلة للمساومة، في إشارة إلى إلزاميّة المعالجة السريعة للأحداث الداخليّة السوريّة، مع دعم وحدة سوريا.
لا يُحبّذ رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينيّة المتطرّفة التوصّل، عبر هذه المفاوضات، إلى اتّفاق سياسيّ شامل مع سوريا
يتمحور هذا الجهد حول هندسة تنفيذيّة لسياسة واقعيّة، تشمل مناطق اقتصاديّة وأخرى منزوعة السلاح، وترمي إلى إنشاء منصّة تنسيقيّة في العاصمة الأردنيّة عمّان بهدف استقرار الجبهة والانتقال بالحدود السوريّة–الإسرائيليّة من كونها مساحة فراغ واختبار غير يقينيّ، إلى فرصة سانحة لإقامة نموذج أمنيّ–سياسيّ ناجح قد يُعمَّم مستقبلاً على مناطق جغرافيّة وحدود أخرى.
يمكن اعتبار انعقاد اللقاء سبباً كافياً لنجاحه لأنّه يعكس إيجابيّة الاستمرار في المفاوضات والنقاشات، لكنّه يبقى جزئيّاً وغير نهائيّ، ويحتاج إلى تحفيز ودعم كبيرَين، ويتطلّب توافر نيّات صادقة لدى الإدارات المشرفة، في ظلّ تعدّد الأولويّات وتباين الأهداف.
إقرأ أيضاً: ما يحتويه لبنان يتجاوز واقعه وقدراته
تسعى الولايات المتّحدة إلى اتّفاق يحمي إسرائيل، ويُرضي الطرفين السوريّ والعربيّ، ويمنح الاستقرار اللازم لاستكمال مسار اتّفاقات السلام. وفيما تهدف إسرائيل إلى تثبيت عقد أمنيّ صارم المعايير يضمن لها تفوّقها العسكريّ ويحفظ مكاسبها الجغرافيّة في الأراضي السوريّة. أمّا سوريا فتسعى إلى تحييد نفسها عن أيّ مواجهة قريبة ومباشرة، مع تركيز مرحليّ على الاستقرار وتثبيت حقّها في استعادة الأراضي مستقبلاً، تمهيداً لاتّفاقات أشمل وأوسع نطاقاً.
لمتابعة الكاتب على X:
