ماذا بين سليماني ومادورو؟

مدة القراءة 6 د

اعتبر الصحافيّ والكاتب الأميركيّ – الإيرانيّ شيموس مالكافزالي أنّ اختطاف الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو لا يُعدّ حدثاً منفصلاً أو تطوّراً مفاجئاً في السياسة الأميركيّة، بل هو نتيجة مباشرة لمسار طويل بدأ قبل سنوات، وتحديداً مع اغتيال القائد العسكريّ الإيرانيّ قاسم سليماني في الثالث من كانون الثاني 2020، وما أعقب ذلك من صمت دوليّ وتطبيع واسع لانتهاك القانون الدوليّ.

 

وصف مالكافزالي، المعروف بتغطيته المكثّفة لشؤون الشرق الأوسط والسياسة الأميركيّة والحركات الراديكاليّة، والذي غالباً ما يقيم في بيروت، اختطاف مادورو بأنّه لحظة تاريخيّة فارقة، ليس بسبب جرأتها فحسب، بل لأنّ ردّ الفعل الدوليّ عليها كشف كم أصبح خرق القانون الدولي أمراً عاديّاً ومقبولاً. على الرغم من ضخامة الحدث، اختطاف رئيس دولة ذات سيادة، تعامل العديد من الحكومات الغربيّة معه باعتباره تطوّراً متوقّعاً، بل ورافقته نبرة ارتياح ضمنيّة، وكأنّ العالم كان مهيّأً نفسيّاً لمثل هذه الخطوة.

بحسب الكاتب، ليست هذه اللامبالاة وليدة اللحظة، بل هي نتيجة مسار طويل من التطبيع مع انتهاك السيادة، بلغ نقطة حاسمة مع اغتيال سليماني وردّ الفعل الغربيّ البارد عليه، بما مهّد الطريق منطقيّاً وسياسيّاً لخطوات أكثر تطرّفاً، من بينها اختطاف مادورو.

كتب مالكافزالي في صحيفة “ذا نيشن” الأميركيّة، التي تأسّست عام 1865 على يد دعاة إلغاء العبوديّة، أنّ إيران لم تكن في حالة حرب مع الولايات المتّحدة وقت اغتيال سليماني، ولم يفوّض الكونغرس الأميركيّ إلى الإدارة أيّ عمل عسكريّ ضدّها. مع ذلك، نُفّذت العمليّة وكأنّها ضربة روتينيّة بطائرة مسيّرة في مناطق نزاع مفتوحة، مثل الصومال أو باكستان.

برّرت إدارة ترامب العمليّة حينها بذريعة أنّ سليماني كان يشكّل تهديداً للقوّات الأميركيّة في العراق، مستندة إلى أحداث وقعت قرب السفارة الأميركيّة في بغداد في كانون الأوّل 2019، جرى تقديم سليماني باعتباره “العقل المدبّر” لها الذي يجب التخلّص منه، في رسالة واضحة مفادها أنّ التحدّي العلنيّ للهيمنة الأميركيّة قد يؤدّي إلى التصفية الجسديّة، بغضّ النظر عن القواعد القانونيّة أو الأعراف الدبلوماسيّة.

برّرت إدارة ترامب العمليّة حينها بذريعة أنّ سليماني كان يشكّل تهديداً للقوّات الأميركيّة في العراق

تحوُّل في قواعد الاشتباك

أشار مالكافزالي إلى أنّ سليماني لم يكن “فاعلاً غير دولتيّ” أو زعيم ميليشيا، بل كان قائداً عسكريّاً رفيع المستوى، يرأس وحدة العمليّات الخاصّة في القوّات المسلّحة الإيرانيّة التابعة لدولة عضو في الأمم المتّحدة. اعتبر أنّ اغتياله لم يكن عمليّة عسكريّة استثنائيّة وحسب، بل مثّل تحوُّلاً نوعيّاً في قواعد الاشتباك الدوليّة، إذ إنّ ما رافقه من ردّ دوليّ باهت يتّسم باللامبالاة شكّل إعلاناً غير رسميّ لنظام عالميّ جديد تُقدَّم فيه القوّة على القانون، والردع على السيادة، وهو ما فتح الباب أمام انتهاكات أكثر فجاجة للقانون الدوليّ، تُوّجت اليوم باختطاف رئيس دولة ذات سيادة.

رأى مالكافزالي أنّ التعامل مع قتل القيادة العسكريّة لدولة أخرى باعتباره “مطبّات في الطريق”، أو تجاوزاً غير محسوب، من دون اعتباره جرس إنذار لأفعال مقبلة، شكّل علامة على بدء انهيار النظام الليبراليّ الدوليّ، وسمح بتمرير هذه السابقة من دون مساءلة. اعتبر أنّ أخطر نتائج اغتيال سليماني تمثّلت في التوسّع المفرط في استخدام توصيف “الإرهاب”، إذ إنّ التصنيف الذي طال سليماني، وهو مطلب إسرائيليّ قديم، فتح الباب أمام تعميم هذا الوصف ليشمل كيانات وحركات سياسيّة أخرى كان يُتجنَّب سابقاً إطلاقه عليها خشية تداعياته القانونيّة والإنسانيّة.

بات اليوم من الممكن أن يكون أيّ شخص، أو أيّ كيان، إرهابيّاً أو مرتبطاً بالإرهاب أو مفيداً له، وهذا يعني أنّ قادة العالم الذين يقفون في وجه آلة الحرب الغربيّة أصبحوا أهدافاً جاهزة.

أكّد أنّ الحرب الإسرائيليّة على غزّة، بدعم مباشر من الولايات المتّحدة، شكّلت نقطة تسارع حادّة في هذا المسار، إذ أصبح من الممكن توصيف أيّ خصم سياسيّ أو عسكريّ بأنّه إرهابيّ، فبات قادة دول يعارضون السياسات الغربيّة أهدافاً محتملة.

قد لا تكون شيطنة بيترو وشينباوم في العالم الغربيّ بمستوى شيطنة مادورو، لكنّهما قد يصبحان حتماً أهدافاً في نهاية المطاف

نقطة التقاء السّوابق

تمثّل فنزويلّا اليوم، بحسب مالكافزالي، نقطة التقاء كلّ هذه السوابق: ادّعاءات إرهابيّة مشكوك فيها، تبريرات مختلقة لعنف خارج إطار القانون، استخفاف صارخ بالقانون الدوليّ، ولامبالاة جماعيّة من الطبقة السياسيّة.

على الرغم من عدم وجود هذه المنظّمة، والافتقار العامّ إلى الأدلّة التي تربط مادورو بشبكات تهريب المخدّرات، جرى تحويله بأثر رجعيّ إلى “عقل إرهابيّ مدبّر”، وبالتالي إلى هدف متوقّع لما يُسمّى العدالة الأميركيّة. إذا كان ردّ الفعل على اعتقاله واعتقال زوجته مؤشّراً، فإنّ المسؤولين الأوروبيّين والكنديّين لا يرون أيّ تهديد في هذا التصعيد، على الرغم من تجدّد التهديدات لغرينلاند مباشرة بعد الضربات على العاصمة الفنزويلّيّة.

أضاف مالكافزالي أنّ تصريحات ترامب عقب اعتقال مادورو تُظهر أنّه لم ينتهِ بعد من فرض إرادته على فنزويلّا، إذ بدأت تتدفّق تهديدات بضرورة “التعامل” مع الرئيس الكولومبيّ غوستافو بيترو، وبأنّ المكسيك ورئيستها كلوديا شينباوم تخضعان لسيطرة الكارتل.

تصريحات ترامب عقب اعتقال مادورو تُظهر أنّه لم ينتهِ بعد من فرض إرادته على فنزويلّا

قد لا تكون شيطنة بيترو وشينباوم في العالم الغربيّ بمستوى شيطنة مادورو، لكنّهما قد يصبحان حتماً أهدافاً في نهاية المطاف. ليس من الصعب تخيّل خصوم الولايات المتّحدة الذين قد يتشجّعون بمثل هذه الخطوات، إذ اقترح نائب رئيس مجلس الأمن القوميّ الروسيّ بالفعل اختطاف المستشار الألمانيّ.

النّظام الدّوليّ على المحكّ

حذّر مالكافزالي، أخيراً، من أنّ استمرار هذا المسار يضع النظام الدوليّ برمّته على المحكّ، معتبراً أنّ الخطر الأكبر لم يعُد في تقليد خصوم الولايات المتّحدة لهذه الممارسات، بل في استمرار واشنطن نفسها في توسيع هذا النهج، بما يهدّد بانهيار ما بقي من النظام الدوليّ القائم على القواعد، إذا لم تُرسَم حدود واضحة لهذا الانفلات. من يدري إلى أين قد تنزلق في النهاية مرامي التصويب الأميركيّة؟

إقرأ أيضاً: مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

قد تقترب من الدائرة القطبيّة الشماليّة أكثر ممّا قد يرغب به الأوروبيّون. إذا فشلت أوروبا وغيرها من الجهات الفاعلة الغربيّة في رسم حدود واضحة الآن، فإنّ المنطق الذي مكّن من اغتيال سليماني واختطاف مادورو قد يُطبّق قريباً على نطاق أضيق. ومع تآكل القانون الدوليّ، الذي كان يُتسامح معه سابقاً على هامش النظام، بات هذا التآكل يهدّد اليوم باجتياح النظام بأكمله، بحيث لا يبقى أيّ زعيم بمنأى عن النفوذ الأميركيّ.

 

لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا

مواضيع ذات صلة

مؤرّخ إيرانيّ: لقد بدأ عصر ما بعد خامنئي

اعتبر المؤرّخ والباحث الإيرانيّ – الأميركيّ الدكتور أراش عزيزي أنّه بسقوط نيكولاس مادورو “ماتت عمليّاً” الثورة الإسلاميّة، وأنّ عهد ما بعد خامنئي قد بدأ فعلاً،…

امرأة تشي بزوجها.. وثائق تكشف كيف حكم الأسد..

أظهرت آلاف الوثائق التابعة للاستخبارات العسكريّة السوريّة، والتي عُثر عليها داخل مجمّع أمنيّ في دمشق، ونشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” ضمن تحقيق استقصائيّ استمرّ عاماً…

بزشكيان ينفض يديه من الأزمة الدّاخليّة: لا أستطيع شيئاً!

تتصاعد حركة الاحتجاجات في العاصمة الإيرانيّة على خلفيّة ارتفاع سعر الدولار وتردّي الأوضاع الاقتصاديّة التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، إضافة إلى النقص المستمرّ في…

فريدمان يسأل ترامب: ماذا عن بوتين وجين بينغ؟

حذّر المحلّل والكاتب السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ تدخّل إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في فنزويلّا وإزاحتها الرئيس نيكولاس مادورو ينطويان على مسؤوليّات عميقة…