تحرير حلب بداية تفكيك “قسد”

مدة القراءة 9 د

كانت معركة حلب أشبه باختبار حيّ لقوّة الحكومة السوريّة، التي تمكّنت وحدها ومن دون دعم أنقرة من تحرير منطقة حضريّة محصّنة بالأنفاق بسرعة ودقّة وبأقلّ الخسائر. هذه رسالة مهمّة إلى الداخل والخارج. كانت المفاجأة صادمة بانهيار دفاعات “قسد” خلال ساعات بعد إخلاء معظم سكّان حيَّيْ الأشرفيّة والشيخ مقصود، ثمّ فتح ممرّ آمن لخروج من بقي من قوّات “قسد”. لكن ماذا بعد؟ ما هي الآثار المنتظَرة على اتّفاق الدمج، بل على “قسد” نفسها، إثر فقدان ورقة أساسيّة من أوراق الضغط على دمشق؟

 

 

لا يمكن اختصار المعضلة الأساسيّة بين “قسد” ودمشق فقط برغبة الأكراد السوريّين في إقامة حكم ذاتيّ لهم، على غرار ما حصل عليه الأكراد العراقيّون عقب إسقاط النظام عام 2003، بل باستقوائهم دوليّاً وإقليميّاً (الولايات المتّحدة وإسرائيل على وجه خاصّ) لجعل الدمج منحصراً بين خيارين:

  • فدراليّة أو كونفدراليّة بين دولتين كأمر واقع.
  • تحكّم “دولة” قسد في الشمال الشرقيّ بدولة دمشق في بقيّة المحافظات، من خلال تسلّم القيادات الكرديّة الملفّين العسكريّ والأمنيّ في الجمهوريّة العربيّة السوريّة، وهو ما ترفضه دمشق بالمطلق.

ليس هذا فحسب، بل إنّ تركيا حليفة سوريا الجديدة ترفض بقاء تنظيم “قسد” كما هو الآن، سواء بعدم اندماجه بحسب الاتّفاق المبرم مع دمشق، أو باندماجه كتلةً واحدةً داخل الدولة السوريّة. لا تريد أنقرة تكرار تجربة العراق في سوريا، فتنتقل العدوى إلى تركيا نفسها، وهي التي تمكّنت بمبادرة من زعيم حزب “الحركة القوميّة” دولت بهشتي عام 2024 من إقناع زعيم حزب “العمّال الكردستانيّ” (PKK) عبدالله أوجلان، المعتقَل لديها منذ عام 1999، بحلّ الحزب ودعوة أنصاره إلى إلقاء السلاح والركون إلى الحوار لمعالجة القضيّة الكرديّة.

كانت معركة حلب أشبه باختبار حيّ لقوّة الحكومة السوريّة، التي تمكّنت وحدها ومن دون دعم أنقرة من تحرير منطقة حضريّة محصّنة بالأنفاق بسرعة ودقّة وبأقلّ الخسائر

الحاجة إلى الثّروات الدّفينة

بالمقابل، يحتاج الرئيس أحمد الشرع إلى حلّ القضيّة الكرديّة في سوريا بأقلّ الأضرار لاستعادة حقول النفط والغاز التي تسيطر عليها “قسد”. من دون هذه الثروات الدفينة، لا يمكن النهوض بسوريا اقتصاديّاً، فيما الرهان الأكبر هو تحديداً على الملفّ الاقتصاديّ لقطع الصلة مع التركة الثقيلة للنظام البائد.

بين حدَّي السكّين، بين تحفّظات أنقرة ورغبات واشنطن، دأبت قيادات “قسد” على إضاعة الوقت، بانتظار شيء ما، انتكاسة ما لمسار أحمد الشرع داخليّاً أو خارجيّاً لقلب الطاولة على المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشّار الأسد في 8 كانون الأوّل 2024، وبالتنسيق مع البؤرتين المتمرّدتين في السويداء جنوباً وفي الساحل غرباً.

بين اتّفاقَيْن

في العاشر من آذار الماضي، كان الاتّفاق المفاجئ، بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع في دمشق، ليس فقط في المضمون، بل أيضاً في التوقيت. أوحى الاتّفاق المبدئيّ بقبول “قسد” الانضمام إلى حكومة دمشق والاندماج سريعاً في قواها العسكريّة وأجهزتها الأمنيّة، ومن دون عوائق حقيقيّة. إذا كان الرئيس أحمد الشرع بحاجة آنذاك إلى صدمة إيجابيّة بعد النزاع الدمويّ في الساحل مع فلول النظام، بين 6 و8 آذار الماضي، أي قبل أيّام قليلة من عقد الاتّفاق مع “قسد”، فما الذي دفع قادة التنظيم الكرديّ آنذاك إلى القبول باتّفاق يؤدّي إلى تفكيك دولة الأمر الواقع؟

ربّما كانت الخشية من عواقب الاستنفار الهائل، وحشد عشرات آلاف المقاتلين السُّنّة، خلال ساعات فقط، لدحر التمرّد العلويّ في الساحل، واحتمالات انتقال العدوى إلى مناطق “قسد” نفسها، وهي التي ترتكز قوّتها على العشائر العربيّة بنسبة الثلثين. كان الاتّفاق مرحلة مؤقّتة لإعادة رسم الصورة وجمع الأوراق. ما إن استقرّت الأوضاع في الساحل، وتحرّكت السويداء بمطالب انفصاليّة، حتّى بدأ الأكراد بالمماطلة والتسويف والاستقواء بمعارضي الداخل ودول الخارج.

لم يعد المطلب الرئيس لـ”قسد” ضمان حقوق جميع السوريّين في التمثيل والمشاركة في العمليّة السياسيّة وكلّ مؤسّسات الدولة بناء على الكفاءة بغضّ النظر عن خلفيّاتهم الدينيّة والعرقيّة، كما جاء في الاتّفاق، بل تفسير بند “دمج كلّ المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السوريّة، بما فيها المعابر الحدوديّة والمطار وحقول النفط والغاز”، بضرورة حصول قادة “قسد” على الرتب العسكريّة نفسها داخل الجيش السوريّ والأجهزة الأمنيّة. هذا معناه تسليم الدولة لهذا التنظيم، وبقاء قوّات “سوريا الديموقراطيّة” كتلة عسكريّة وأمنيّة واحدة تحتكر السيطرة في المناطق التي تديرها حاليّاً.

يحتاج الرئيس أحمد الشرع إلى حلّ القضيّة الكرديّة في سوريا بأقلّ الأضرار لاستعادة حقول النفط والغاز التي تسيطر عليها “قسد”

اتّفاق حلب

أمّا في حلب فقد انعقد اتّفاق محلّيّ في 1 نيسان الماضي بين المجلس العامّ لأحياء الشيخ مقصود والأشرفية، التابع لـ”قسد”، والحكومة السوريّة. تناول في بنده الأوّل تبييض السجون، الذي أُطلق بموجبه سراح 146 من أفراد قوّات سوريا الديمقراطيّة (قسد) و97 عنصراً من القوّات التابعة لحكومة دمشق. نصّ البند السادس على انسحاب القوّات العسكريّة لـ”قسد” من حيَّي الأشرفية والشيخ مقصود بأسلحتها وعتادها إلى منطقة شرق الفرات.

أكّدت وحدات حماية الشعب والمرأة (YPG/YPJ) عبر بيان رسميّ خروجها من الحيَّين، وتسليم مهامّ حماية المنطقة إلى قوى الأمن الداخليّ (الأسايش) التابعة للإدارة الذاتيّة لـ”قسد”، أي بما يشبه الأمن الذاتيّ، ريثما يتمّ الاندماج بالقوّات الحكوميّة وأجهزتها الأمنيّة. لكنّ المعركة الأخيرة أثبتت أنّ “قسد” لم تنسحب في ذلك الوقت، وأنّها ما تزال تحتفظ بأسلحتها الثقيلة في الأحياء ذات الحضور الكرديّ، بل تستخدم انتشارها العسكريّ للضغط على دمشق، باسترهانها أكبر تجمّع سكّانيّ في سوريا (أكثر من 3 ملايين نسمة)، أي ممارسة الإرهاب حرفيّاً لتحقيق مكاسب سياسيّة. يمثّل الشيخ مقصود والأشرفيّة جزءاً بسيطاً من المساحة الإجماليّة لمدينة حلب (190 كيلومتراً مربّعاً، بالمقارنة مع 105 كيلومترات مربّعة هي مساحة دمشق).

سيطرت القوّات الكرديّة على الحيَّين وأنحاء أخرى في المدينة تدريجاً منذ عام 2012. كانت تلك السيطرة من أخطر عوائق تحرير المدينة من النظام السابق آنذاك. يتمتّع الحيّان بأهميّة جغرافيّة وعسكريّة بالغة لأنّهما يشرفان على عُقَد مواصلات حيويّة تربط شمال مدينة حلب بوسطها وغربها. ويمنح الارتفاع النسبيّ للحيّين أفضليّة في الرصد والسيطرة الناريّة، فيجعلهما نقطة ارتكاز دفاعيّة وهجوميّة في آن واحد، وذلك بحسب تقرير لمركز جسور للدراسات. هذان الحيّان مع ما يجاورهما من أحياء سكنيّة وتكتّلات صناعيّة جعلا حلب بأكملها رهينة، بل إنّ هذه البؤرة الأمنيّة الخطِرة تُعيق نهضة سوريا الجديدة، باعتبار أنّ حلب هي العاصمة الاقتصاديّة، صناعيّاً وتجاريّاً.

باختصار، كانت قوّات “قسد” تثير الاضطرابات الأمنيّة عبر الاشتباكات المتقطّعة وأعمال الخطف والقنص. في الأيّام الأخيرة قبل انقضاء المهلة المعطاة للتنظيم حتّى آخر عام 2025 كي ينفّذ الاتّفاق، صعّد التنظيم من اعتداءاته على الأحياء المجاورة بإطلاق الرصاص والقذائف.

كانت “قسد” قد سيطرت على كامل مدينة دير الزور بعد سقوط نظام الأسد، لكنّها انسحبت منها في 10 كانون الأوّل 2024 بعد مفاوضات مع قوّات ردع العدوان آنذاك

ثلث سوريا بيد “قسد”

بالإجمال، كانت نسبة سيطرة “قسد” قبل سقوط النظام السابق تبلغ 25.68%، بحسب مركز جسور للدراسات. على الرغم من أنّها فقدت عدداً من المناطق مثل تلّ رفعت شمال حلب ومنبج شرقها، سيطرت على مساحات جديدة، لا سيما دير حافر شرق حلب وكامل ريف الرقّة الجنوبي باستثناء معدان، فزادت نسبة سيطرتها التي أصبحت 27.8% بدل أن تنقص على الخريطة.

مع الاشتباكات المحدودة بين “قسد” وقوّات الحكومة الجديدة على محاور سدّ تشرين وجسر قره قوزاق وأرياف الرقّة، لم تتغيّر الجغرافيا المسيطَر عليها بشكل ملموس. تتركّز مناطق “قسد” تقريباً شرق نهر الفرات، وتبلغ مساحتها التقريبيّة 51.961 كيلومتراً مربّعاً، أي خمسة أضعاف مساحة لبنان.

تمتدّ تلك المناطق من المثلّث الحدوديّ مع العراق وتركيا، مروراً بكامل محافظة الحسكة، باستثناء رأس العين، وتشمل كامل محافظة الرقّة باستثناء مناطق تل أبيض وسلوك وحمّام التركمان في الريف الشماليّ، إضافة إلى منطقة معدان في الريف الجنوبيّ. تسيطر “قسد” أيضاً على كامل الضفّة الشرقيّة لنهر الفرات في محافظة دير الزور، من ريفها الشماليّ حتّى أقصى الجنوب، بما في ذلك بلدات الامتداد النهريّ وقراه، وحقول النفط والغاز الرئيسة، وهو ما يمنح هذه المناطق أهميّة اقتصاديّة واستراتيجيّة بالغة ضمن مجال نفوذها.

إقرأ أيضاً: “حماس” والمهمّة المستحيلة عام 2026

كانت “قسد” قد سيطرت على كامل مدينة دير الزور بعد سقوط نظام الأسد، لكنّها انسحبت منها في 10 كانون الأوّل 2024 بعد مفاوضات مع قوّات ردع العدوان آنذاك.

لكنّ هذه المعطيات التي توحي بنقاط قوّة “قسد” جغرافيّاً تُخفي وراءها ثغرة ديمغرافيّة خطِرة: الغالبيّة السكّانيّة في تلك المناطق من العشائر العربيّة، والعرب هم القوّة الضاربة في “قسد”. لذلك معركة حلب ذات رمزيّة عالية بالنسبة لمستقبل الصراع مع هذا التنظيم المركّب من فصائل كرديّة وعشائر عربيّة.

دمشق التي تلحظ بعناية المناخ الإقليميّ والدوليّ لن توسّع القتال، بل ستستغلّ النصر السريع في حلب، لوضع “قسد” أمام خيار من اثنين: إمّا الاندماج الذي يضمن الحقوق القوميّة الكرديّة داخل النسيج السوريّ العامّ أو التفكّك الذي يُطيح بالمكتسبات التي راكمتها منذ عام 2012.

مواضيع ذات صلة

التّفاوض “المدنيّ” يُستأنف بمشاركة فرنسيّة “ثابتة”

أثبتت تطوّرات وأحداث الأيّام الماضية تحرير الحكومة نفسها، كما قيادة الجيش ورئاسة الجمهوريّة، من أيّ مهل زمنيّة في ما يخصّ نزع سلاح “الحزب”، بما في…

لا حرب كبرى على لبنان… ومفاوضات تحت الطّاولة

في المشهد السياسيّ العامّ، تتكاثر الأخبار، التي يندرج قسم منها في إطار التمنّيات والتهويل، فيما يدخل قسم آخر في خانة الحسابات السياسيّة الباردة. لكنّ الثابت…

من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” وإيران… أم إسرائيل؟

ما هي سيناريوهات المرحلة المُقبلة في لبنان؟ من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” أم إيران؟ كيف فكّكَ فلاديمير بوتين فتيل انفجار كبير ليلةَ رأسِ السّنة؟   أثناء…

عراقجي “يحاصر” حصر السّلاح

في أربعٍ وعشرين ساعة، شهد اللبنانيون سلسلة استحقاقات متزامنة، كان أحد أبرزها، مرتبطاً بمصيرهم مباشرة. في لبنان، تابع مجلس الوزراء تنفيذ خطة الجيش جنوب الليطاني،…