صدمة كاراكاس في طهران

مدة القراءة 10 د

نيكولاس مادورو، الرئيس الفنزويلي، مكبلٌ بالأصفاد، ببجامة وشحاطة، مطأطئ الرأس، يمشي محاطاً بعناصر وحدة مكافحة المخدرات الأميركية وهم يقتادونه إلى السجن. مشهدٌ سيحفر في الذاكرة طويلاً كلحظة اذلال تحولت لأيقونة تختصر النهايات الدراماتيكية للطغاة على يد من يفوقونهم قوةً وجرأة.

هي لحظةٌ مغريةٌ لشبق المخيلة. رأس النظام معزول، شرعيته الانتخابية متآكلة، جيشه متذمر واقتصاده منهك، انتزع بضربة ترامبية خاطفة أقصته من المشهد بلا حمام دم؟ هل “يبقى ما حدث في كاراكاس داخل كاراكاس” أم أن المشهد نفسه يمكن أن نراه في طهران؟

 

ما غذّى هذه الفرضية خط أحمر سطّره دونالد ترامب مهدداً بتدخل أميركي إذا ما أقدمت أجهزة الأمن الايرانية على قتل المتظاهرين في الاحتجاجات التي دخلت اسبوعها الثاني. هذا الخط الأحمر احتاج توضيحاً من السيناتور الأميركي ليندسي غراهام. هو ليس كالخط الأحمر الذي رسمه باراك أوباما للنظام السوري عندما قصف شعبه بالكيماوي.

لمّح غراهام إلى أنّ ترامب قد يقتل المرشد الأعلى علي خامنئي إن قُتل المدنيون المطالبون بحياة أفضل. فيما تتزايد أعداد ضحايا البطش الأمني في المدن الإيرانية المحتجة، ويتحين بنيامين نتنياهو فرصة “إنهاء المهمة” التي بدأها في حزيران الماضي، يترقب العالم إن كان ترامب سيفي بتعهداته للشعب الإيراني.

لا شيء مستحيلاً مع ترامب، الرجل يفكر من خارج الصندوق مستنداً إلى أعتى آلة عسكرية مسلحة في العالم ،لا يردعه قانون دولي ولا محلي، لا مجلس أمن ولا كونغرس. يمكن لقوات الدلتا الأميركية او لفرقة شايتيت ١٣ الإسرائيلية أن تنفّذ عملية مشابهة تطيح فيها بالمرشد الإيراني من مكانه.

واشنطن تستطيع تهديد خامنئي، لكنها لا تستطيع تهديد بنية الحرس بالطريقة نفسها، لأنّ الحرس ليس رجلاً واحداً

من يلبي الشروط الأميركية؟

لكن ماذا عن النظام؟ هل في إيران من هو قادر – كما في فنزويلا- على تلبية دفتر الشروط الأميركي وإدارة البلاد معاً؟

في فنزويلا، رفضت إدارة ترامب التعاطي مع زعيمة المعارضة أنا كورينا ماتشادو على اعتبار أنّ تمثيلها ضعيف. إلّا أنّ تقريراً لرويترز أشار إلى أنّ السبب الحقيقي يعود لانعدام قدرتها، هي أو ادموندو غونزاليز على الإمساك بمفاصل الجيش والدولة العميقة. الأمر الذي يعني إن استلمت المعارضة الحكم الدخول في إعادة بناء نظام سياسي من الصفر، وهو صداع لا يحتمله ترامب ولا جمهور “ماغا”.

الديمقراطية لا تحتل مكانة مرموقة في قلب ترامب خاصة إذا ما قورنت بأكبر احتياطي نفطي في العالم. لذا، استندت الإدارة في خطتها إلى تقرير سري من “السي أي أي” يقول إنّ السيناريو الأفضل هو التعامل مع وجوه نظام مادورو وإشراكهم في العملية الانتقالية من دون استثناء لأنّ عزل أي منهم عن مرحلة “اليوم التالي” سيفتح المجال أمام انقلاب عسكري محتمل.

ترتيب اليوم التالي في إيران

بالتالي عند اسقاط القصة الفنزويلية على الواقع الإيراني يجب التساؤل عن مدى قدرة وقابلية اللاعبين الداخليين والخارجيين على القيام بهذا الدور، وإن خطت الولايات المتحدة أو إسرائيل الخطوة هذه بلا ترتيب للمشهد الداخلي في اليوم التالي، ما هي الاحتمالات التي ستفتح عندئذ؟

إذا حصلت الخطوة هذه من دون ترتيبٍ مسبق لليوم التالي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بكيفية إخراج خامنئي من مكانه، بل بكيفية إخراج “الدولة” من تحت “الثورة” من دون أن تنهار فوق رؤوس الجميع.

مصادر سياسية تقول لـ”أساس” إنّ شيئاً لم يتغيّر بين ما قبل البيان وما بعده، إذ إن كل طرف لا يزال متمسكاً بموقعه وموقفه

هنا بالضبط تبدأ المقارنة الفنزويلية في كشف وجهها الحقيقي: واشنطن نفسها، بعد مشهد الإذلال الكاراكاسي، لم تتصرف كمن يريد “ديمقراطية كاملة الدسم”، بل كمن يريد انتقالاً مضبوطاً بأقل كلفة ممكنة، ولو تطلّب ذلك الاعتماد على وجوه من داخل النظام مثل وزير الداخلية ديوسدادو كابييو ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو لضمان “طاعة انتقالية” تحت تهديد مصير شبيه بمصير مادورو.

إيران

المشهد الفنزويلي الثاني هو إذاً المفتاح لفهم ما الذي سيبحث عنه ترامب في طهران إن قرر القفز من التهديد إلى التنفيذ: شريك من داخل الدولة العميقة يستطيع توقيع ما تريده واشنطن وتل أبيب من دون فتح بوابة فوضى لا يمكن تسويقها لجمهور “ماغا”، ولا يمكن السيطرة عليها ميدانياً. من هو بادرينو الإيراني؟ من يمتلك عمليًا حق فتح وإغلاق الصندوق الأمني الذي يُبقي البلد قائماً؟

ازدواجية النظام الإيراني

في إيران، لا يكفي عنوان الجيش لتحديد اللاعب. ازدواجية النظام تنعكس في كل المؤسسات وتتشابك في أحيان كثيرة. الجيش النظامي (أرتش) يملك بنية تقليدية وحساسية وطنية أكبر تجاه فكرة الدولة. أما الحرس الثوري فصُمم لحماية الثورة، ثم تمدّد ليصبح دولة داخل الدولة، أمناً واقتصاداً وسلاحاً وشبكات محلية.

داخل الحرس نفسه طبقات ومصالح وليس قبضة واحدة. جهاز استخبارات الحرس ينازع وزارة الاستخبارات التقليدية على الداخل، ووحدات التعبئة (الباسيج) تُستخدم كأداة صدمة وترويع ضد الشارع، وقيادات ميدانية ترى في القمع السريع ضمانة، ودوائر اقتصادية تخشى أن يحرق الانفلات المالي ما تبقى من مصالحها. هذا التداخل يفسر لماذا تُدار الأزمات في طهران على طريقة “تضييق الغرفة” كلما ارتفع منسوب الخطر فتغلق القبضة الأمنية باب القرار أمام العقل السياسي.

الشارع الإيراني قادر على رفع الصوت والاحتجاج ورفع كلفة المواجهة، لكنه يواجه جهازاً تعلّم القمع على دفعات

يأتي العامل الذي يجعل “ضربة الرأس” في إيران مختلفة عن مادورو: لحظة غياب المرشد قد لا تفتح فراغاً إدارياً فقط، بل الأرجح أن تفتح نزاعاً على الشرعية داخل النظام نفسه. الدستور ينص على ترتيبات واضحة عند وفاة المرشد أو عجزه أو عزله، مع دور محوري لمجلس الخبراء وتشكيل ترتيبات انتقالية ريثما يتم اختيار قائد جديد.

غير أنّ النص الدستوري في لحظات الانفجار لا يحكم وحده. الذي يحكم هو من يدير مراكز القيادة السياسية والعسكرية والأمنية والمال. لا ترغب الولايات المتحدة بانتقال دستوري يعيد انتاج الازدواجية بين الرئيس والمرشد، لكن الرأس المتبقي أي مسعود بيزشكيان لا يمتلك أصلاً أياً من أدوات النفوذ التي تمكنه من الحفاظ على السفينة من الغرق خاصة في ظل اشتداد موجة الاحتجاجات واتساع رقعتها.

نعم، واشنطن تستطيع تهديد خامنئي، لكنها لا تستطيع تهديد بنية الحرس بالطريقة نفسها، لأنّ الحرس ليس رجلاً واحداً. أي محاولة لقطع الرأس من دون عقد صفقة ما مع جزء من الجهاز الذي يحكم فعلياً ستنتج ما تخشاه إدارة ترامب أكثر من أي شيء: انفلات أمني، صراع أجنحة داخل القوات المسلحة، ثم فوضى تُجبر الولايات المتحدة على الانخراط أكثر بدل الخروج سريعاً.

النموذج الفنزويلي نفسه يقدّم الدرس: واشنطن احتاجت التعامل مع بقايا النظام لتفادي انهيار الدولة، مع إبقاء سيف العقوبات والتهديد فوق رؤوسهم.

إيران ليست فنزويلا

المشكلة أن إيران ليست فنزويلا في مسألة “الانهيار المريح”. إيران تقع على حدود ملتهبة، وتملك أطرافاً حساسة. كردستان، سيستان–بلوشستان، خوزستان… ليست أسماء على الهامش. هي نقاط ارتكاز لأزمات مزمنة يمكن أن تتحول بسرعة إلى حرائق حدودية حين يرتبك المركز.

المشكلة أن إيران ليست فنزويلا في مسألة “الانهيار المريح”

في لحظة انهيار أمني أو انتقال فوضوي، تظهر كلفة إنسانية ستضرب الجوار أولاً: العراق وتركيا وباكستان. هنا يدخل ملف اللاجئين كعامل ضغط هائل. بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تتحدث عن نحو 773 ألف لاجئ مسجل في إيران غالبيتهم من الأفغان، مع تقدير بوجود قرابة مليوني أفغاني غير موثق داخل البلاد. أي انفجار واسع داخل إيران سيضيف نزوحاً داخلياً أولاً، ثم موجات عبر الحدود ثانياً، وسط دول جوار عاجزة أصلًا عن تحمل موجات إضافية.

أما عن السؤال الذي يحرّك مخيلة كثيرين: هل يستطيع الشعب إنهاء ما لا تنهيه الضربة؟

هذه الجملة تحديداً تحتاج تفكيكاً قاسياً، لأنّ التاريخ الحديث مليء بالخيبات التي خرجت من رحمها. الاحتجاجات المتواصلة من أكثر من عشرة أيام شملت 28 محافظة من أصل 31 بحسب تقارير دولية، كما شهدت عدة مدن إضرابات متزامنة ومشاركة لتجار البازارات الكبرى، وقد سقط في المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن ما يقارب 36 قتيلاً واعتقل أكثر من 2100 شخص وفق تقديرات حقوقية.

إلّا أن طابعها غير المنظم وغياب قيادة واضحة لها لا يضمن تحولها إلى ثورة بمفاعيل سياسية عميقة. هي لم تحقق بعد مستوى الشلل الاقتصادي والأمني القادر على فرض تغيير جذري في حسابات النظام ولم تؤد إلى انشقاقات واسعة في الهيكل التنظيمي يسمح بنشوء قوى قادرة على تحدي المركز. أعطت التصريحات الإسرائيلية والأميركية وتلك التي يطلقها ولي عهد الشاه رضا بهلوي الداعمة للمتظاهرين حجة موثقة تستعملها أجهزة الأمن لإعادة توصيف الحراك كامتداد لمؤامرة خارجية يضيق معها أي هامش براغماتي وتضمحل فرص التسوية.

في إيران، لا يكفي عنوان الجيش لتحديد اللاعب. ازدواجية النظام تنعكس في كل المؤسسات وتتشابك في أحيان كثيرة

الانتقال السلس احتمال نادر

الشارع الإيراني قادر على رفع الصوت والاحتجاج ورفع كلفة المواجهة، لكنه يواجه جهازاً تعلّم القمع على دفعات، ثم طوّر أدواته بعد 2009، ثم أعاد اختبارها في 2019، ثم استخدمها على نطاق أوسع في 2022، ثم قفز إلى مستوى أشد بعد حرب حزيران 2025 عبر الاعتقالات والإعدامات وتوسيع تعريف التهديد الأمني. حين تدخل دولة بهذا المزاج في طور طوارئ، تصبح الحركة الشعبية أصعب تنظيماً، ويصبح الانشقاق داخل الأجهزة أصعب، ويصبح الانتقال السلس احتمالاً نادراً.

لهذا، إذا نفّذت الولايات المتحدة أو إسرائيل ما يشبه مشهد كاراكاس في طهران، فإنّ السيناريو الأكثر واقعية لا يشبه لقطة رجل مكبل يُساق إلى السجن. السيناريو الأقرب يشبه دولة تُقفل أبوابها من الداخل، تتقلص فيها السياسة إلى أمن، وتتقدم فيها أجهزة الحرس خطوة إضافية نحو الحكم العسكري المباشر، مع صراع صامت أو خشن على الخلافة، وتوترات أطراف تشتعل بحسب ميزان القمع والاحتواء، ثم موجات نزوح وتدخلات إقليمية تفرض نفسها على الجميع.

هنا يتضح جوهر المفارقة التي لا يريد أن يسمعها المتحمسون للضربة: نجاح ضربة الرأس لا يضمن تحقيق أهداف واشنطن وتل أبيب، وقد يفتح باباً لأشكال حكم أكثر عناداً وأقل قابلية للتفاوض، لأنّ البنية التي ستتولى إدارة اليوم التالي ستكون مدفوعة بغريزة البقاء، لا برغبة الإصلاح.

إقرأ أيضاً: مأزق إيران: “فيل الغرفة” الذي لا يراه ظريف

ترامب قد يستطيع إخراج الخامنئي من الصورة، لكن هل يمكن أن يفكر في عقد صفقة مع خامنئي آخر يجعل “إيران عظيمة مجدداً”؟

 

*كاتبة صحافية وإعلامية لبنانية حاورت شخصيات عربية وعالمية خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربي”. وقد تخصصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة في جامعة كينغز كولدج لندن.

 

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…