شكوك إيرانيّة: تواطؤ روسيّ – صينيّ – أميركيّ يغيّر التّوازنات

مدة القراءة 7 د

أثارت العمليّة التي قامت بها القوّات الخاصّة في الجيش الأميركيّ (دلتا) داخل العاصمة الفنزويلّيّة كراكاس، وانتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى داخل الأراضي الأميركيّة، الكثير من علامات الاستفهام في الأوساط السياسيّة الإيرانيّة، سواء بشكل علنيّ أو خجول، عن إمكان وجود تواطؤ روسيّ وصينيّ مع واشنطن سمح بإنجاح هذه العمليّة.

 

توقّفت هذه الأوساط عند ردّتَي الفعل الروسيّة والصينيّة اللافتتَين على العمليّة الأميركيّة التي استمرّت ساعات، والتي لم تُقابَل باعتبارها خسارة لمنظومة مصالح استراتيجيّة، وهو ما أعاد إلى ذاكرة النخب الإيرانيّة السيناريو الذي شهدته الأحداث السوريّة، وانتهى بهروب الرئيس السوريّ بشّار الأسد وانهيار نظامه خلال أيّام، وحجم التداعيات السلبيّة التي لحقت بالمشروع الإيرانيّ في الشرق الأوسط.

برودة روسيّة وصينيّة

تركّز التساؤل في طهران على ردّة الفعل الروسيّة، التي تُرجمت بموقف الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين الذي عقد اجتماعاً طارئاً لقيادته واكتفى بإدانة “شديدة” لِما وصفه بالقرصنة الأميركيّة التي خرقت القوانين الدوليّة، والدعوة إلى عقد اجتماع سريع لمجلس الأمن الدوليّ لبحث الأزمة الفنزويلّية. وهو ما حمل النخب الإيرانيّة على الاعتقاد بوجود “صفقة” ما بين موسكو وواشنطن لا بدّ أن تُترجَم على الجبهة الأوكرانيّة في المرحلة المقبلة، إذا ما التزم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ما تمّ التفاهم عليه.

لم يكن موقف هذه النخب من التعاطي الصينيّ مع الحدث الفنزويلّي مختلفاً كثيراً عن موقفها ممّا صدر عن الروس، خاصة أنّ العمليّة في كراكاس جرت بعد ساعات من لقاء جمع مادورو مع وزير الخارجيّة الصينيّ وانغ يي، إضافة إلى الصمت الطويل الذي مارسته القيادة الصينيّة حيال العمليّة، والذي استمرّ لأكثر من سبع ساعات، قبل أن يُكسر بإصدار الخارجيّة الصينيّة بياناً أدانت فيه العمليّة الأميركيّة، وكرّرت الدعوة إلى عقد جلسة سريعة لمجلس الأمن.

لرسالة التي قرأتها طهران من الحدث الفنزويلّيّ مفادها أنّ المعادلة تتّجه نحو رسم خريطة متحرّكة بين القوى الثلاث

على الرغم من الاستعراض الذي قدّمه الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، ووصفه العمليّة بـ”النظيفة”، التي لم تتكبّد فيها واشنطن أيّ خسائر ماديّة أو بشريّة، وتأكيده أنّ قوّات “إنفاذ القانون” دمّرت كلّ مصادر الخطر قبل الانطلاق بالإنزال، أثارت الأوساط الإيرانيّة علامات استفهام عن عجز الدفاعات الجوّيّة الفنزويلّية عن التصدّي للطائرات التي اخترقت الأجواء السياديّة للدولة، مع أنّ كراكاس تمتلك منظومات من نوع “إس-300” ومقاتلات “سوخوي 29 و30” القادرة على التصدّي، أو على الأقلّ إعاقة القوّة المقتحِمة.

دور روسيّ في تفكيك منظومة “الحزب”؟

استدعت هذه الأوساط ما تعرّضت له إيران من انتكاسة في دفاعاتها الجوّيّة خلال الهجوم الإسرائيليّ عليها في حزيران الماضي، وأعادت طرح أسئلة عن إمكان أن تكون موسكو قد مرّرت شيفرات ومفاتيح منظومات “إس-300” إلى واشنطن وتل أبيب، فبات سهلاً تعطيلها وتدميرها وفتح الطريق والأجواء أمام تدمير العديد من المنشآت النوويّة والعسكريّة والأمنيّة واغتيال قياداتها العسكريّة وعلمائها النوويّين.

مادورو

لم تتوقّف هذه الأسئلة عند حدود طهران، بل شملت لبنان أيضاً، من خلال الهمس الذي يدور داخل المنظومة العسكريّة لـ”الحزب” عن تواطؤ روسيّ مع الإسرائيليّين سمح لتل أبيب بتدمير منظومات الدفاع الجوّيّ الروسيّة “بانتسير” التي يملكها “الحزب” في الأيّام الأولى من الحرب في أيلول 2024، فأصبح مكشوفاً بالكامل أمام الطائرات الإسرائيليّة.

لا ينحصر التشكُّك الإيرانيّ بدور روسيّ غامض في العمليّة الأميركيّة داخل “الحديقة الخلفيّة” لواشنطن، بل ينسحب على كلّ التداعيات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال السنتين الماضيتين، وخصوصاً في شهر كانون الأوّل 2024، مع تسارع انهيار النظام السوريّ، وعجز طهران عن فهم أبعاد هذه التطوّرات الدراماتيكيّة التي انتهت بخروجها من سوريا، وتحمّلها وحدها كامل الخسائر المعنويّة والاستراتيجيّة والعسكريّة والمصلحيّة، وتحديداً الاستثماريّة والماليّة، التي تجاوزت رسميّاً 30 مليار دولار في خطوط الائتمان الرسميّة مع الدولة السوريّة، إضافة إلى الاستثمارات في العديد من مشاريع البنى التحتيّة التي تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار.

لا ينحصر التشكُّك الإيرانيّ بدور روسيّ غامض في العمليّة الأميركيّة داخل “الحديقة الخلفيّة” لواشنطن، بل ينسحب على كلّ التداعيات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط

أُضيف إلى ذلك ما خسرته من استثمارات واعتمادات مع فنزويلّا، التي بدأت في عهد رئاسة محمود أحمدي نجاد، وشملت مشاريع في البنى التحتيّة وصولاً إلى شحنات النفط حتّى الأيّام الأخيرة لمادورو، وتجاوزت قيمتها 5 مليارات دولار.

تفاهمات ضمنيّة

لم يكن كلام الرئيس الأميركيّ عن استمرار تدفّق النفط الفنزويلّي إلى الصين، محاولة لطمأنة بكين على مصالحها الاستراتيجيّة في الحصول على الطاقة الرخيصة، بل حمل إشارة خبيثة إلى وجود تفاهمات ضمنيّة ساعدت في تسهيل هذه المهمّة، وأنّ هذه التفاهمات لا تقتصر على الطرف الصينيّ، بل تتوسّع لتشمل الطرف الروسيّ الذي ينتظر من ترامب دوراً أكثر تأثيراً للدفع بمعضلته الأوكرانيّة نحو الحلّ النهائيّ.

هذا ما دفع طهران، التي بدأت بحساب خسائرها الماليّة والاستثماريّة والاستراتيجيّة، إلى الحديث عن وجود تفاهم واسع ومرن بين هذه القوى الثلاث لإعادة تقاسم النفوذ الجيوسياسيّ، فتكون واشنطن قادرة على إعادة إحياء عقيدة “مونرو” التي أشار إليها ترامب بوضوح، من أجل إعادة التركيز على مجالها الحيويّ، كما جاء في وثيقة الأمن القوميّ الأميركيّ التي أُعلنت في كانون الأوّل 2025.

العمليّة في كراكاس جرت بعد ساعات من لقاء جمع مادورو مع وزير الخارجيّة الصينيّ وانغ يي

في المقابل، تعزِّز روسيا عمقها الأمنيّ في أوكرانيا، ومن ورائها داخل أوروبا وباتّجاه العمق الأوراسيّ، فتستعيد توازنها الاستراتيجيّ، فيما تحصل الصين على هامش من الحرّية المضبوطة في تعاملها مع المعضلة التايوانيّة، وتضمن حرّية تصرّف مدروسة لا تشكّل استفزازاً لواشنطن.

يجعل هذا التصوّر الخطوة الصينيّة الأخيرة باتّجاه مادورو شبيهة بالدور الذي لعبته روسيا في الساعات الأخيرة من حياة الأسد ونظامه السياسيّ. إذ ظهرت حليفاً لم يتخلَّ عنه، وفي الوقت نفسه حافظت على قنواتها الاستراتيجيّة مفتوحة مع واشنطن لتحقيق الانتقال إلى المرحلة السياسيّة الجديدة.

إقرأ أيضاً: فنزويلّا مفتاح تحكّم أميركا بحاجات الصّين النّفطيّة

الرسالة التي قرأتها طهران من الحدث الفنزويلّيّ مفادها أنّ المعادلة تتّجه نحو رسم خريطة متحرّكة بين القوى الثلاث (الولايات المتّحدة، روسيا والصين)، لا تقوم على أساس المعايير، بل على أساس المصالح الحيويّة والحسابات المتغيّرة. وهو ما يقتضي كبح جماح أيّ لاعب من خارج هذا السياق أو يشكّل مصدراً لتأثير سلبيّ على هذه التفاهمات. الأمر الذي يفرض على طهران إعادة حساباتها في التعامل مع المستجدّات والتحدّيات المقبلة، وإدراك احتمال أن تُصنِّفها هذه الأطراف أحد مصادر الخطر على مصالحها الاستراتيجيّة أو تفاهماتها الكبرى في لعبة تقاسم النفوذ والأدوار على الساحة العالميّة.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…