العالم إلى تحوُّل… من فنزويلّا إلى الشّرق الأوسط

مدة القراءة 6 د

شهد الشرق الأوسط الملتهب، في العام المنطوي، مزيداً من تفاقم الصراعات واستمرار محاولة تغيير الخرائط في نزاعات النفوذ والطاقة. مع إطلالة الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين يتواصل الاحتدام، ومن المرجّح أن يستمرّ الصراع على تغيير الشرق الأوسط في 2026 ويمتدّ نحو القرن الإفريقيّ والبحر الأحمر، وستكون للحدث الفنزويلّيّ انعكاساته على الشرق الأوسط والتوازنات العالميّة. 

 

تسارعت الأحداث خلال نقلة السنين. بين لقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في التاسع والعشرين من كانون الأوّل، وليلة القبض على رئيس فنزويلّا نيكولاس مادورو في الثالث من كانون الثاني، يبدو أنّ الأوضاع قابلة للتصعيد من غزّة وسوريا ولبنان وصولاً إلى إيران. قد يتدهور الوضع في الأسابيع والشهور المقبلة، خلافاً لما كان يراهن عليه البعض من قيام الرئيس الأميركيّ بالضغط على رئيس الوزراء الإسرائيليّ المصمّم على المضيّ قدماً في ما يسمّيه الحرب المفتوحة مع المحور الإيرانيّ.

الشّرق الأوسط تحت المجهر

أواخر عام 2025، أعادت استراتيجية الأمن القوميّ الأميركيّة الجديدة تعريف علاقة واشنطن بالمنطقة،  من خلال تهميش موقعها. إذ جاء حرفيّاً في الوثيقة أنّ الشرق الأوسط “لم يعُد مصدر إزعاج ومصدراً محتملاً لكارثة وشيكة كما كان في السابق”، وأنّ الحقبة التي “هيمن فيها على السياسة الخارجيّة الأميركيّة (…) قد ولّت”.

هذا لا يعني الانسحاب العمليّ من المنطقة، لأنّه سيتمّ الحفاظ على النفوذ الأميركيّ من خلال الاستثمارات والمبادلات والتحالفات وضبط الصراع الإسرائيليّ – الإيرانيّ.

سيبقى “الشرق الأوسط الواسع” من أبرز مسارح النفوذ والصراعات الإقليميّة والدوليّة لأنّه على الرغم من التراجع الأميركيّ “النظريّ” منذ حقبة باراك أوباما، يتّضح أنّ الولايات المتّحدة ليست في وارد الخروج السياسيّ والاستراتيجيّ والاقتصاديّ من المنطقة التي يشكّل استقرارها “مصلحة حيويّة لها ولأمن واستقرار حلفائها وشركائها فيه وخارجه”.

يدور في كلّ المنطقة سباقٌ بين مسارين: مسار تعزيز الدولة المركزيّة ومسار التفكّك

أمّا روسيا فقد أكّدت بقاءها في المشهد من خلال حفاظها على وجودها العسكريّ في سوريا على الرغم من التغيير، وتمدّدها نحو بورسودان على البحر الأحمر. أمّا الصين التي أنشأت في جيبوتي أوّل قاعدة عسكريّة بحريّة صينيّة وراء البحار، فتستمرّ عبر وسائل “القوّة الناعمة” في توطيد توسّعها الاقتصاديّ عبر “طرق الحرير الجديدة” التي تعتبر هذه المنطقة أحد مجالاتها الحيويّة.

انعكاسات الحدث الفنزويلّيّ

من خلال استراتيجيتها الجديدة، أكّدت واشنطن أنّها لم تعُد ترغب في “إعطاء الأولويّة للشرق الأوسط”، لا سيما في ظلّ تزايد استقلالها في مجال الطاقة، وذلك من خلال إعادة تقويم وضعها العسكريّ في العالم والاستدارة نحو نصف الكرة الغربيّ وآسيا والمحيط الهادئ.

بالفعل أتى الحدث الفنزويلّيّ وقرار ترامب “إدارة شؤون فنزويلّا” والسيطرة على مواردها النفطيّة (تملك كراكاس أكبر احتياطيّ نفطيّ في العالم وموارد كبيرة من الغاز الطبيعيّ)، ليدلّلا على أنّ كلّ ما يتّصل بالطاقة في العالم سيتغيّر جذريّاً.

لكن ليس من الضروري أن يتأثّر الخليج العربيّ بسيطرة أميركا على نفط فنزويلّا، إذ سيكون ذلك نسبيّاً نظراً لاختلاف أنواع النفط في المصدرَين وصعوبات الطاقة الإنتاجيّة وإصلاح البنية التحتيّة في فنزويلّا. حتّى إشعار آخر سيبقى الخليج لاعباً أساسيّاً في إنتاج الطاقة وتسويقها.

بيد أنّ تداعيات الحدث الفنزويلّيّ على الشرق الأوسط ستنعكس على إيران و”الحزب” خصوصاً. يصل الأمر بالبعض أن يتوقّع للنظامين الإيرانيّ والفنزويلّيّ مصيراً متشابهاً، على الرغم من الاختلافات بين جغرافية المنطقتين وطبيعة النظامين.

فنزويلا

كان من اللافت أنّ إيران كانت أوّل دولة أدانت التدخّل الأميركيّ، مع الإشارة إلى أنّ الصلات بين الطرفين تعزّزت منذ حقبة محمود أحمدي نجاد (2005 – 2013). ولذا كانت هناك أنشطة مرتبطة “بالحزب” داخل فنزويلّا، جرى تمكينها بفعل العلاقة بين فنزويلّا وإيران، وبسبب تسامح مؤسّسيّ داخل أجهزة الدولة الفنزويلّيّة.

أتى الحدث الفنزويلّيّ وقرار ترامب “إدارة شؤون فنزويلّا” والسيطرة على مواردها النفطيّة

هكذا قد يشكّل سقوط نظام مادورو في فنزويلّا، إن اكتمل، ضربة لمصادر تمويل “الحزب” لا تقلّ تأثيراً عن سقوط نظام الأسد في سوريا.

على صعيد أشمل، يشكّل الحدث الفنزويلّيّ جرس إنذار في الشرق الأوسط لأنظمة أو لقيادات توجد في عين العاصفة الأميركيّة. 

استكمال مرحلة ما بعد السّابع من أكتوبر 

أدّت حروب ومواجهات ما بعد هجوم “حماس” في غلاف غزّة، خاصّة حرب إسرائيل – إيران، وسقوط النظام السوريّ السابق والضربات ضدّ “الحزب” والحوثيّين والميليشيات العراقيّة إلى تغيير جذريّ في موازين القوى الإقليميّة. لا تزال التوتّرات قائمة بين إسرائيل و”حماس” و”الحزب” وإيران، ولا يزال الوضع مهتزّاً في سوريا، ولم تكتمل المصالحة بين تركيا وحزب العمّال الكردستانيّ، وترابطت النزاعات من اليمن إلى السودان والصومال في مشهد إقليميّ مأزوم.

كما في العام السابق، ستتركّز الأنظار على إيران التي تشهد حاليّاً احتجاجات دامية بسبب تدهور الوضع الاقتصاديّ وانسداد الأفق السياسيّ، مع إمكان دخول الولايات المتّحدة وإسرائيل على الخطّ. لا يقتصر التوتّر على الوضع الداخليّ، إذ يبقى احتمال تجدّد الحرب وارداً كما اتّضح من حصيلة لقاء ترامب – نتنياهو، وتأكيد الأخير لمخاطر “استئناف إيران تطوير إنتاج صواريخها والعمل في مواقع نوويّة جديدة”. لذلك عام 2026 يمكن أن يشهد اهتزاز النظام الإيرانيّ أو حرباً إسرائيليّة – إيرانيّة جديدة.

أمّا بخصوص لبنان، فيمكن أن يقود الاستعصاء في نزع سلاح “الحزب” إلى مزيد من الضغوط الأميركيّة والتصعيد الإسرائيليّ. من جهتها، تبدو المرحلة الانتقاليّة في سوريا في غاية التعقيد وسط تشابك بين الانقسامات الداخليّة والتدخّلات الإقليميّة.

إقرأ أيضاً: تقسيم المقسَّم من السّودان إلى اليمن

يدور في كلّ المنطقة سباقٌ بين مسارين: مسار تعزيز الدولة المركزيّة ومسار التفكّك. الملاحظ أنّ ‏كلّ الأقاليم، التي انفصلت أو التي تريد الانفصال، هي بالأصل جزء من دول فاشلة أو سلطويّة. إنّ فشل المركز في بناء المواطنة وبناء دولة قادرة وعادلة ومستقرّة ومزدهرة يشجّع نزعات الحكم الذاتيّ أو الانفصال.

في الخلاصة، يستمرّ مخاض التحوّلات في الشرق الأوسط مع تفاقم الفرز الإقليميّ وعدم الاستقرار المزمن وغياب التسويات الواقعيّة.

مواضيع ذات صلة

إسرائيل تستنجد بواشنطن: أوقفوا “الحملة السّعوديّة”

فقدت إسرائيل الأمل في الحصول على تطبيع لعلاقاتها الدبلوماسيّة مع السعوديّة. وصل اليأس إلى درجة سقوط الرماديّة في لهجة ساسة إسرائيل وإعلامها، والتحوّل من الغمز…

حروب الادامةالاستراتيجية:كيف تدار الصراعات حين لايكون الحسم هدفاً؟

من سؤال: من يُضرَب؟ إلى سؤال: من يتحمّل كلفة الزمن… ولماذا؟ حين لا تعود الحرب حدثاً بل نظام تشغيل: تُخطئ التحليلات التقليديّة حين تُقارب الصراعات…

يا حامل المطرقة: لا تسمح للشيعة بالانتحار

العقل هو الفيصل يا دولة الرئيس. لا العواطف ولا العصبيات ولا الردح فوق المنابر وفوق الشرفات. العقل هو الميزان يا دولة الرئيس. لا الصراخ ولا…

من باب المندب إلى دارفور: السّعوديّة ومصر تكسران الأطواق

لم تُعلن مصر رسميّاً مشاركتها في الاتّفاقيّة الأمنيّة السعوديّة–الباكستانيّة التي أُبرمت العام الماضي، غير أنّها باتت في الواقع شريكاً أساسيّاً في هذا التحالف، الذي يضمّ…