حذّر المحلّل والكاتب السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان من أنّ تدخّل إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في فنزويلّا وإزاحتها الرئيس نيكولاس مادورو ينطويان على مسؤوليّات عميقة وطويلة الأمد. ولفت إلى أنّ التاريخ يُظهر بوضوح أنّ تغيير الأنظمة من دون خطّة واضحة لمرحلة ما بعد السقوط غالباً ما يقود إلى الفوضى لا إلى الديمقراطيّة.
استند فريدمان في تحذيره إلى تجارب تاريخيّة سابقة، أبرزها تدخّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011، حين أُسقط نظام معمّر القذّافي عبر القوّة الجوّية، من دون أن ينجح المجتمع الدوليّ في بناء نظام سياسيّ مستقرّ. بعد نحو خمسة عشر عاماً، لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومتين، وتعيش حالة فوضى مزمنة، وتحوّلت إلى نقطة انطلاق رئيسة وخطِرة للمهاجرين غير الشرعيّين المتّجهين إلى أوروبا. استحضر أيضاً تجربة العراق، حيث تبيّن أنّ إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من إدارة التداعيات السياسيّة والأمنيّة والاجتماعيّة التي تلي ذلك.
ضرب فريدمان تشبيهاً آخر من الشرق الأوسط، معتبراً أنّ بعض الدول، عندما يُقطع رأس قيادتها، تنهار من الداخل. اليمن، على سبيل المثال، انهار داخليّاً بحكم محيطه الجغرافيّ، إذ تحيط به دول أقوى ويطلّ على البحر. في المقابل، هناك دول أخرى، مثل سوريا بعد سقوط دكتاتورها بشّار الأسد، “تنفجر إلى الخارج” فتصدِّر اللاجئين والمخدّرات وعدم الاستقرار إلى الدول المجاورة.
ثمانية ملايين فنزويلّيّ لاجئون
في هذا السياق، أشار فريدمان إلى تقرير صادر عن المفوضيّة السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين يفيد بأنّ ما يقرب من ثمانية ملايين فنزويلّيّ، بين لاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين اقتصاديّين، فرّوا من بلادهم، وتصبح بذلك فنزويلّا واحدة من أكبر حالات النزوح في العالم. توجّهت الغالبيّة العظمى منهم إلى دول أميركا اللاتينيّة والكاريبي، مخلّفة تحدّياً إنسانيّاً واقتصاديّاً وأمنيّاً للمنطقة بأسرها.
ضرب فريدمان تشبيهاً آخر من الشرق الأوسط، معتبراً أنّ بعض الدول، عندما يُقطع رأس قيادتها، تنهار من الداخل
تساءل فريدمان عن كيفيّة تأثير الولايات المتّحدة في مسار الأحداث في فنزويلّا من دون وجود ميدانيّ فعليّ أو إطار دوليّ منظّم. أوضح أنّه لا يدعو إلى احتلال عسكريّ أميركيّ، لكنّه يحذّر من سياسة “الضربة السريعة والانسحاب”، لأنّ مقاربة هذه الاستراتيجية الجيوسياسيّة لها حدودها الواضحة، إذ غالباً ما تخلّف فراغات في السلطة تملؤها جماعات مسلّحة أو شبكات إجراميّة.
اعتبر أنّ إعلان ترامب أنّ الولايات المتّحدة ستدير فنزويلّا مؤقّتاً لضمان “انتقال آمن وسليم”، مع التلويح بشنّ هجمات إضافيّة أو نشر قوّات برّيّة، يشكّل اعترافاً ضمنيّاً بأنّ واشنطن قد تكون مقبلة على أكبر مشروع لبناء دولة منذ العراق وأفغانستان. وهو مشروع بالغ التعقيد، ومكلف سياسيّاً واقتصاديّاً. تشكّك فريدمان في وجود خطّة واضحة لدى الإدارة الأميركيّة، متسائلاً عن طبيعة الترتيبات مع بقايا نظام مادورو، كيفيّة إدارة البلاد، وآليّة تنظيم الانتخابات. لم يستبعد أن يرفض جزء كبير من “القاعدة الانعزاليّة” لترامب الانخراط في مغامرة خارجيّة طويلة الأمد.
على الرغم من أنّ كثيراً من الفنزويلّيّين قد يرحّبون بسقوط مادورو، بحسب فريدمان، حذّر من أنّ الأخير لا يزال يملك حلفاء مسلّحين أقوياء، من عصابات إجراميّة وتجّار مخدّرات، اعتمد عليهم النظام في القمع وتزوير الانتخابات، ولا يزال ميزان القوى بين أنصار مادورو ومعارضيه غير واضح، فاتحاً الباب أمام صدامات واسعة وفوضى محتملة. ذكّر بأنّ عدد سكّان فنزويلا يبلغ نحو 28 مليون نسمة، متسائلاً هل يؤدّي إسقاط مادورو وما قد يرافقه من اشتباكات داخليّة إلى تفاقم أزمة اللاجئين، بما يزعزع استقرار مزيد من دول أميركا اللاتينيّة.
اعتبر أنّ إعلان ترامب أنّ الولايات المتّحدة ستدير فنزويلّا مؤقّتاً لضمان انتقال آمن وسليم
ماذا يفكّر الآخرون؟
طرح فريدمان سؤالاً إضافيّاً: ماذا يفكّر قادة القوى الدوليّة الكبرى الآن؟ شي جين بينغ في الصين، فلاديمير بوتين في روسيا، فولوديمير زيلينسكي في أوكرانيا، ولاي تشينغ-تي في تايوان؟
حذّر من أنّ الصين قد ترى في التحرّك الأميركيّ في فنزويلّا سابقةً إضافيّة تبرّر لها إسقاط حكومة تايوان في التوقيت الذي تختاره، وقد ترى في انشغال الولايات المتّحدة بنصف الكرة الغربيّ فرصةً لتكريس وقت وطاقة أقلّ لكبح التحرّكات الصينيّة الإقليميّة، علماً أنّ جزءاً كبيراً من نفط فنزويلّا يُصدَّر إلى الصين.
أمّا بوتين فيعتقد فريدمان أنّه سيرى في غرق إدارة ترامب في إدارة مرحلة ما بعد مادورو فرصةً لتراجع الاهتمام الأميركيّ بأوكرانيا، من حيث الوقت والطاقة والموارد، وهو ما لا بدّ أن يثير قلق الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلينسكي.
ختم فريدمان بالعودة إلى الدرس الذي حذّر منه قبل غزو العراق عام 2003: عندما تُسقط الولايات المتّحدة نظاماً، فإنّها تتحمّل مسؤوليّة ما بعده. “يمتلك” ترامب اليوم ما سيحدث في فنزويلّا. إذا قاد التدخّل إلى قيام حكومة أفضل وأكثر استقراراً، فسيُسجَّل له ذلك تاريخيّاً. أمّا إذا أدّى إلى فوضى أعمق وعدم استقرار طويل الأمد، فسيظلّ اسمه مرتبطاً بهذه النتائج لسنوات طويلة.
في الختام، نقل فريدمان عن كويكو تورو، مؤسّس موقع “كراكاس كرونيكلز”، الذي أُجبر على الفرار من دكتاتوريّة فنزويلّا، قوله في مقال نُشر يوم السبت: “سيتباهى دونالد ترامب وماركو روبيو اليوم بانتصارهما، وهما يستحقّان ذلك. لقد وجّها ضربة هائلة لنظام شرّير بحقّ، لكنّهما لم يُسقطاه. فـ”الشافيزيّة” لا تزال، إلى حدّ كبير، تسيطر على فنزويلّا”.
لقراءة النص الأصلي: إضغط هنا
